أخبار وتقاريرمقالاتومضات

معركة الوعي (288) ليس واحدًا بل ثلاثة

حامد اغبارية

1) عندما تشتد الأزمات، ويُهيمن هزيم أصوات المدافع وقذائف الموت وأزيز الطائرات في أجواء حروب شرسة، يتردد السؤال حول “النصر”. من المنتصر؟! ومن المهزوم؟! أيمكن أن يكون الضعيف، الذي لا يملك من عناصر القوة بالمعايير المادية، منتصرا بعد كل ما رأينا ونرى من استعلاء للباطل، واحتلال مزيد من الأراضي، وقتل عشرات الآلاف؟ كيف يمكن هذا؟

لكن السؤال الذي لا يسأله كثيرون، ويغفلُ عنه المُحبَطون واليائسون: ما هو مفهوم النصر؟ وما هي علاماته؟

في المقياس المادي البشري فإن النصر يكون حليف من استطاع، بقوة سلاحه، أن يهزم عدوه حتى يدفعه إلى الاستسلام ورفع الراية البيضاء، أو يحسم معركة، أو يحقق أهداف حربه أو قسما منها. إن فهم المسلم المتدبر للسنن الكونية للنصر هو فهم مختلف. فميزان النصر ومقياسه لا يخضع لميزان بشري يتغير ويتبدل بحسب ما تراه العين، دون أن تسبر غوره. إن فهمنا لمعاني النصر الحقيقية نجدها في كتاب الله العزيز، والذي يمكن للمتدبر أن يجد فيه ثلاثة أنواع من النصر، لا نوعا واحدا. وهذه الأنواع الثلاثة هي: نصر استحقاق، ونصر تَفضُّل، ونصرُ مبدأ.

  1. نصر الاستحقاق: هو النصر الذي يستحقه من استوفى شروطه، فيكون بذلك قد استحق النصر. وفي القرآن يحدد ربنا عز وجل هذه الشروط في قوله: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} (محمد: 7). وكذلك في قوله تعالى: {ولينصرنَّ اللهُ من ينصرُه} (الحج: 40). فنصرة المؤمن لله شرط لتحقيق النصر. فكيف يكون نصر المؤمن لربّه؟ إنه بالسير على الصراط المستقيم، ونصرة دينه، والذود عن حياضه، وإعلاء كلمة الله في الأرض، وإقامة شريعته. فمن استوفى هذه الشروط استحقّ النصر في نهاية المطاف لا محالة، وإن اعترضته في الطريق إلى النصر عقبات أو خسر فيها معركة هنا ومعركة هناك. ولو راجعت تاريخ المسلمين من عصر النبوة إلى يومنا هذا لوجدت من هذه المعاني الكثير.
  2. نصر التّفضُّل: وهو نصرٌ يقدّرُه الله تعالى لفئة من الناس، حتى لو كانت كافرة أو مشركة، وذلك لحكمة يريدها، يكون لها أثر طيب على المؤمنين ولو بعد حين. وفي معنى ذلك قوله تعالى: {والله يؤيد بنصره من يشاء} (آل عمران: 13). ومن ذلك أن الله تعالى تفضَّل بالنصر على الروم في حربهم الأخيرة ضد الفرس، رغم شِركهم وانحراف عقيدتهم، لتكون في ذلك النصر بشارة للمسلمين. ونقرأ ذلك في قوله تعالى في سورة الروم: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5). فبعد معارك كثيرة بين الفرس والروم، كانت الغلبة فيها للفرس، جاءت الآيات لتطمئن المسلمين في مكة بأن الروم سيَغلبون. وكان المشركون يحبّون أن يغلب الفرس كونهم أصحاب أوثان مثلهم، وكان المسلمون يحبون أن تغلب الروم لأنهم أهل كتاب. فجاء التحدي لمشركي قريش الذين كانوا يَستفزون المسلمين في إظهار فرحهم لانتصار الفرس على الروم، رغم أنه لا ناقة لهم ولا بعير في تلك الحرب، وإنما هو الكيد والحقد والتربص. فكان هذا النصر الذي حققه الروم، رغم انحراف عقيدتهم، نصر تفضُّل من الله، أغاظ به مشركي قريش، كما حمل بشرى للمسلمين بانتصار دينهم وعلوِّه رغم ما يتعرضون له من مشركي قريش وسائر قبائل العرب.
  3. نصر المبدأ: وهذا أكثر ما يجب أن يهمنا في زماننا هذا، في ظل انتفاش الباطل وهيمنته العسكرية، وتحقيقه ما يصورونه انتصارات ميدانية. وهذا النوع من النصر يمنّ الله تعالى به على فئة خاصة جدا من المؤمنين، وهي الفئة القابضة على مبدأ عقيدتها كالقابض على الجمر. وإنك حين تنظر إلى حال هذه الفئة وهي تخوض معارك تبدو في ظاهرها خاسرةً، لأن موازين القوة المادية لصالح معسكر الباطل، ولأن هذه الفئة تقدم من التضحيات ما لا يتخيله العقول، ولا تستوعبه النفوس، فترى أبناءها يُستشهدون بأعداد كبيرة، وترى حواضنهم الأهلية تدفع من الأثمان من أنفسها: من رجالها ونسائها وأطفالها، وحتى من الأجنة في بطون أمهاتها، ومن أموالها وبيوتها وأملاكها ما تنوء به الجبال الرواسي، فإن عينك البشرية تعد ذلك هزيمة، ذلك لهول الحدث وحجم الثمن، غير أن من يملك عينا مبصرة يضع كل هذا في كفة، ويضع الثبات على المبدأ وعدم التراجع عنه في الكفة الأخرى، فترجح كفة المبدأ، ذلك أن النصر والهزيمة لا يقاسان في هذا السياق بما يقيسه به العامة، وإنما تنظُر: هل خسارة معركة في ميدان حرب يعدّ هزيمة، أم أن الثبات على المبدأ، رغم الثمن الباهض، هو في حقيقته نصر؟

2) إن في التاريخ من المواقف ما يُعتبر به، في الثبات على المبدأ. وهذا موقف الصحابي خبيب بن عدي الأنصاري رضي الله عنه، الذي أسرته قريش غدرا بعد غزوة أحد، ثم صلبوه على جذع وعذبوه، قبل أن يقتلوه، دون أن يرف له جفن. بل أنشد يقول:

ولست أبالي حين أقتَل مسلما   على أي جنب كان في الله مصرعي

فهل بعد هذا من ثبات على مبدأ؟ ومن الذي انتصر في هذه المواجهة التي تفاوتت فيها موازين القوة المادية تفاوتا عظيما؟ هل انتصرت قريش بقتلها خبيبًا، أم انتصر خبيب بثباته على المبدأ؟ لقد انتصر خبيب قبل أن يدفع حياته ثمنا للثبات، وذلك حين قال وهو مصلوب على الجذع: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يُصنع بنا، ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا. فما الذي حدث بعد ذلك؟ لقد أحصاهم الله عددا، وقتلهم بددا، ولم يغادر منهم أحدا. ثم إن أصحاب المبدأ، من إخوة خبيب، قد أصبحوا سادة الدنيا وأمل البشرية.

3) إن النصر ليس مجرد تفوّق طرف على آخر في ميدان المعركة، وإنما بذلك الشعور الخفي الذي يخالج قلوب الثابتين على المبدأ بأنهم بثباتهم قد انتصروا رغم أنهم دفعوا حياتهم ثمنا لذلك. فكم من قتيل يضحكُ من قاتِله ويسخر من غبائه!! وكم من قاتل يرقص فرحا بــ “نصره” (أمام الكاميرات) بينما تحترق أحشاؤه بنار الهزيمة حين فشل في زحزحة ضحيته عن مبدأها! هل تشاهد الإعلام؟ ألا تقرأ من يُكتب؟ ستجد هذا في ثنايا ما يكتبون!

4) وهذا إمام أهل السنة، أحمد بن حنبل رضي الله عنه، الذي ثبت على المبدأ، وما تزحزح عنه قيد أنملة، فأنقذ بثباته أمة من ضياعها. كان مطلوبا منه أن يقول كلمة فينجو بنفسه. إنها مجرد كلمة يقولها “يطيعُ بها وليّ الأمر”، وانتهى الأمر. ولقد ساومته ثلة من علماء عصره أن يقولها لينجو فأبى. فكان ثبات ساعة في ميدان الابتلاء سببا في نجاة الإمام ونجاة الأمة. فكم من أحمد بن حنبل في زماننا اليوم؟ وكم من أمثال الذين ساوموه على مبدأه يملأون الشاشات ويعتلون المنابر ويزعقون بكل بوق كي يدفعوا أهل المبدأ أن يقولوا تلك الكلمة؟!!

5) والآن اسأل نفسك: في الحرب الجارية منذ ثلاث سنوات، من الذي انتصر؟ من هو المنتصر حقا؟ أهي آلة الحرب، أم آية المبدأ؟!

6) ولا تكن إجابتك متسرعة أو مترددة أو مرتبكة. بل خذها من سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم، الذي قال ذات يوم لأصحابه: “بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ”، والذي قال: “ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر”. وهو الذي قال لابن حوالة وهو يضع يده الشريفة على رأسه: “… يا ابنَ حوالةَ، إذا رأيتَ الخلافةَ قد نزَلَت الأرضَ المقدَّسةِ فقَد دنَتِ الزَّلازِلُ والبَلابلُ والأمُورُ العِظامُ، والسَّاعةُ يومَئذٍ أقرَبُ منَ النَّاسِ من يدي هذِهِ من رأسِكَ”. وهو الذي قال: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت”. فاجمَعْ كل هذا وضعهُ في معنى انتصار المبدأ، ثم أجمِعْ أمرك، ووطِّنْ نفسك، ولا تكن إمّعة، في زمن الإمّعات الذين يسوقهم إعلامٌ مضلل كالقطيع، أو تسوقهم مذيعة تلفزيون نابحة سوْق الأنعام، أو يقودهم زعيم فاشل، أو سياسي رخيص، أو حزبيّ منتفع كي يدعوا بالويل والثبور وعظائم الأمور ويصرخون صرخة ذَكَرٍ ميّت: لقد ضيعتمونا…..!!!

7) فلا تضيّع البوصلة…..!

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى