قل لأنصار الظلام: إننا قادمون

الشيخ كمال خطيب
إن المحبطين والمتشائمين والسوداويين، فليس أنهم ينظرون إلى المستقبل بعدسة سوداء فلا يرون الدنيا والمستقبل إلا سوادًا في سواد، وأنه لا أمل بالتغيير، وإنما هم الذين يلتفتون إلى الماضي البعيد ويقلّبون صفحاته وينبشون أيامه لعلهم يعثرون من خلالها على بعض كبوات وانتكاسات يجعلونها الدليل القاطع عندهم أن هذه الأمة خائبة وفاشلة منذ نشأتها، ولأنها كذلك وفق منطقهم السوداوي، فإن الحديث عن الأمل والتفاؤل هو محض هراء أو جنون، وفي أقل تقدير حسب زعمهم فإنه هروب من الواقع ودغدغة مشاعر.
وكيف يكون المستقبل للإسلام وكيف سيواجه أعتى القوى العظمى حسب زعمهم وهو الذي وما إن تُوفي النبي ﷺ وإذا بقسم من المسلمين يرتدون عن الإسلام فلا يقيمون الصلاة ولا يؤدون الزكاة، لا بل إنهم حملوا السلاح إلى جانب أدعياء النبوة وراحوا يقاتلون من حمل الراية بعد رسول الله ﷺ.
وكيف يكون المستقبل للإسلام وأنه القادر على إنقاذ البشرية مما هي فيه حسب زعمهم، وهو الذي من بداية عهده قد شهد فتنًا داخلية كان ثمنها أن يُقتل الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم عمر وعثمان وعلي، ثم كانت الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما.
وكيف يكون المستقبل للإسلام وأنه قادر على توحيد البشرية تحت راية القرآن حسب زعمهم، بينما المسلمون أنفسهم لم يتوحّدوا إلى درجة أن منهم من خرجوا عن الإسلام، بل إن منهم طائفة اسمها القرامطة فإنهم قد هاجموا مكة المكرمة أقدس بقاع الإسلام، وكان ذلك في موسم حجّ، فقتلوا آلاف الحجاج، بل وسرقوا الحجر الأسود من مكانه وأخذوه معهم إلى عاصمتهم الإحساء، وقد بقي الحجر الأسود مسروقًا مخطوفًا لأربعين سنة.
وكيف يكون المستقبل للإسلام حسب نفوسهم المحبطة، ولم يستطع المسلمون حماية مسجدهم الأقصى، فاحتله الصليبيون سنه 1099 وجعلوه اسطبلًا لخيولهم.
وكيف يكون المستقبل للإسلام ولم يستطع المسلمون حماية عاصمتهم ومقرّ خلافتهم بغداد، فاحتلها التتار سنة 1258، وقتلوا مليونين من أهلها وقتلوا خليفة المسلمين يومها المستعصم.
رسمُنا البياني في صعود
وهكذا في عملية اختزال، بل سرقة لتاريخ الإسلام يقتنص منها السوداويون والمحبطون بعض الأحداث لتبرير سوداويتهم، بأن الإسلام لن تقوم له قائمة وأن المستقبل ليس له ولا لأبنائه، وأنه أصبح محنطًا في متحف التاريخ، بل إنه في فهم بعضهم قد مات وشُيّع إلى مثواه الأخير.
ليس أن هؤلاء محبطون ويائسون وأنهم أصحاب إعاقة في فهمهم، وإنما هم في زيادة على ذلك جهلة لا يقرؤون التاريخ جيدًا، بل إنهم يأخذون من التاريخ وأحداثه ما يبرر إحباطهم. فليس أننا ننكر تلك الأحداث والانتكاسات التي مرّ بها الإسلام، وإنما نحن الذين نعتبرها حالة طبيعية لدين يقوم عليه بشر وليسوا أنبياء، حيث النبوّة انتهت بموت رسول الله ﷺ. فالإسلام دين يجري عليه قانون التداول {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [140 سورة آل عمران]، فيوم لك ويوم عليك. ويمكن أن يكون الإسلام قويًا في جولة وضعيفًا في جولة أخرى، ويمكن أن ينتصر على أعدائه في صولة بينما تكون الصولة لأعدائه في صولة غيرها. إن أمة الإسلام تكبو لكنها تنهض من كبوتها، وتمرض لكنها تعود فتبرأ من علّتها لكنها أبدًا لن تموت.
إن حالة الإسلام هي مثل الرسم البياني حيث يكون سهمه ومؤشّره للأعلى أحيانًا، ويمكن أن يتغيّر اتجاه السهم فيه للأسفل، لكن المراقب لأحداث التاريخ الإسلامي، فإنه سيرى بوضوح أن بعد كل هبوط في الرسم البياني فإنه يعود للارتفاع، وبعد كل كبوة يكون نهوض.
فبعد حروب الردة والفتن الداخلية، بل وخلالها، فإن جحافل جيوش المسلمين كانت تطوي الأرض غربًا حتى وصلت إلى المحيط الأطلسي، ووصلت شرقًا حتى سور الصين العظيم. نعم لقد اتجه الرسم البياني خلال تلك المرحلة إلى أسفل لكنه سرعان ما عاد وصعد إلى القمة حيث بدأ المسلمون يطرقون أبواب الأندلس في العام 92 هجري وفق 711 ميلادي، وقد وقف البطل طارق بن زياد يصرخ وينادي بعباراته التي كتبت بماء الذهب يقول لجنوده: “البحر وراءكم والعدوّ أمامكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر” ولم تكن سنه يومها سوى 28 عامًا.
لقد انحنى الرسم البياني الإسلامي إلى الأسفل مع تدفق الحملات الصليبية واحتلال المشرق الإسلامي والقدس والأقصى، لكنه سرعان ما عاد للارتفاع بظهور الأبطال نور الدين وعماد الدين زنكي ثم البطل الفاتح صلاح الدين والانتصار الساحق في حطين على الصليبيين وتمريغ أنوفهم في عام 1187.
وانحنى الرسم البياني الإسلامي إلى الأسفل مع الاجتياح التتري المغولي لبلاد المسلمين واحتلالهم بغداد عاصمة الخلافة عام 1258، لكنه سرعان ما عاد وفي أقل من عامين للارتفاع من جديد والانتصار على التتار وتمريغ أنوفهم في تراب سهول بيسان في غور فلسطين.
صحيح أن الرسم البياني للمسلمين في الأندلس بدأ يتراجع ويتّجه إلى الأسفل بعد 800 سنة من حكم المسلمين هناك، وصحيح أن شمس الإسلام بدأت تغيب في غرب أوروبا في الأندلس، لكن سرعان ما كانت تشرق من جديد في شرق أوروبا حيث بدأت جيوش الدولة العثمانية تطرق أبواب القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية وفتحها عام 1453، ومنها اندفعت لا يقف في وجهها أي جيش حتى وصلت إلى قلب أوروبا إلى فيينا عاصمة النمسا.
وهكذا كانت دورة الإسلام في كل مرة كان الإسلام فيها ضعيفًا غريبًا يتكالب عليه الأعداء ويتطاول عليها السفهاء حتى يظن أن الإسلام يحتضر ويلفظ أنفاسه الأخيرة، وإذا به تعود الروح تدبّ في أبنائه من جديد، وإذا بأهل النخوة والنجدة من شباب الإسلام وعلمائه وأمرائه يحملون رايته ويرفعونها من جديد.
بين فكيّ كماشة
يقول المؤرخ الأمريكي من أصول لبنانية “فيليب حتّي” في كتابه تاريخ العرب: “إن الحضارة الإسلامية واجهت في بداية القرن الثاني عشر وضعًا غريبًا حيث اندحرت في كل جبهة وانهزمت في كل ميدان، حيث استطاع الصليبيون من الجهة الغربية أن يحتلوا بيت المقدس ووصلوا إلى شمال الجزيرة العربية وبدأوا بالتفكير بالتقدم لاحتلال المدينة المنورة ونبش قبر النبي ﷺ. وأما من جهة الشرق فقد تحركت زحوف المغول لتغزو بلاد الإسلام، فتهاوت أمامها الإمارات والممالك وصولًا إلى بغداد حتى قيل: “إذا قيل لك إن التتار قد انهزموا فلا تصدّق” ولم يبق خارج نفوذ التتار سوى مصر تنتظر أن ينطبق عليها فكا الكماشة، الصليبيون من جهة والتتار من جهة حتى كان السؤال يومها، هل سيبقى دين محمد أم أن كل العلامات تدلّ أنه سيزول ويتلاشى من هذا العالم؟.
ثم يتابع فيليب حتي ويقول: لكن ما إن انتهى نفس القرن إلا والإسلام ينهض من جديد، فكانت حطين وكانت عين جالوت حتى تغيّر الحال وأصبح يطرح من جديد السؤال، هل ستقف قوة أمام دين محمد ﷺ؟”.
نهضة بعد كبوة
إن كبوة الإسلام ثم نهضته، وإن انحساره ثم امتداده، وإن إدباره ثم إقباله، وإن ضعفه ثم عودة قوته، وإن هزيمته في جولة ومعاودة انتصاره في جولات، إن هذا كلّه لا يرجع إلى قوة أعداء الإسلام وضعفهم وإنما يعود السبب فيه إلى أبناء الأمة أنفسهم، وكيف يكون حالهم مع الله، وكيف يكون تمسكهم بدينهم، وكيف يكون حال الأمراء والعلماء الذين هم صمام أمان ومفتاح النهضة.
فلقد انتصر المسلمون يوم بدر برغم قلتهم عددًا، {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} [123 سورة آل عمران ]. ولقد انهزم المسلمون يوم حنين وهم كثرة، لكن ولأنهم قد أعجبوا بكثرتهم وظنّوا أنها كافية للانتصار على عدوّهم، أذاقهم الله طعم الهزيمة {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} 25 سورة التوبة .
وهُزم المسلمون على يد الصليبيين واحتُل مسجدهم الأقصى بسبب ما كانوا عليه من فرقة ووهن وتردٍ في الحالة الاجتماعية والأخلاقية، حتى أن فرنسا والفاتيكان كانوا يعينون الأمراء والحكام من طرفهم على بيت المقدس، لكن هذا الحال سرعان ما تغيّر وإن كان بعد تسعين سنة، حيث عادت المنارات والمآذن الخرساء لينطلق منها نداء التوحيد بعد أن كانت قد أخرست.
إن تغيّر الحال من هزيمة إلى نصر، ومن انخراس مآذن الأقصى لتعود تصدح بالآذان، كان سببه التغيّرات الاجتماعية والصحوة الدينية التي رعاها صلاح الدين وقادها العلماء والمصلحون، وفي مقدمتهم سلطان العلماء العز بن عبد السلام.
وهزم المسلمون على يد التتار، وليس أن المسلمين عادوا وانتصروا على التتار في عين جالوت، بل إن التتار أنفسهم قد دخلوا في دين الإسلام وأصبحوا جنوده وأنصاره وحملة رايته. وما كان هذا التغيير ليحدث لولا إدراك المسلمين لخطورة ضعف الإيمان والبعد عن الدين، فكانت الاستجابة لنداء الإيمان الذي وقف على رأسه شيخ الإسلام ابن تيمية.
إننا قادمون
وهكذا تكون قراءة التاريخ وفق منطق سنن الله ونواميسه وقانونه {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [140 سورة آل عمران] وليس وفق منطق اليائسين والمحبطين والسوداويين.
وإذا كان الإسلام مطلع القرن العشرين قد ضعف وترنح بعوامل داخلية وأخرى خارجية حتى كانت النتيجة هدم الخلافة الإسلامية العثمانية وتقسيم تركتها على الدول الأوروبية، وليصبح المسلمون كالأيتام على موائد اللئام، أما هذه فكانت كبوة وضعفًا وجولة، لكن حتمًا وفق منطق التاريخ سيكون بعدها نهضة وقوة وجولات للإسلام وصولات بإذن الله تعالى.
وإذا كان الغرب قد حرّك باتجاه بلاد المسلمين حملات صليبية دينية، وإن كانت قد آتت أكلها في البداية لاحتلال الشرق الإسلامي والقدس والأقصى، لكنها لم تنته إلا وأمراء الصليبيين أسرى بيد صلاح الدين، إلا والمسجد الأقصى حر عزيز، بينما الذين دنّسوه قد لبسوا ثوب العار والخزي والهزيمة.
لقد غيّر الغرب بعدها آليته ووسائله في الحرب على الإسلام، فبدل السنان كان اللسان. إنها الحرب الاستعمارية الثقافية، وإنه الاستشراق وإنها الحملات التبشيرية الهادئة، تستعمل فيها حبة الدواء للمريض ولقمة الخبز للجائع لنشر التعاليم المسيحية بين المسلمين. ولأن هذه قد حققت نتائج ونجاحات في بداياتها إلا أنها سرعان ما انكشفت وفضحت وأصبح للمسلمين حصانة ثقافية وعقائدية وفكرية.
لكننا الآن نشهد العودة الصريحة والقوية لحرب صليبية ، إنها الحرب التي تشنّها أمريكا هذه الأيام بقيادة الإنجيليين الأصوليين وفي مقدمتهم ترامب ووزير حربه بيتر هيغست، الذي سبق وألّف كتابًا أسماه “الحملة الصليبية الأمريكية”، وهو الذي نقش بالوشم على جسده صليبًا كبيرًا هو شعار الحملات الصليبية القديمة. وحتى وإن كان ظاهر الأمر أنها حرب سياسية واقتصادية . إلا أنها ما عادت تخفى على أحد أن دوافعها دينية صليبية تستهدف أمّة الإسلام وليس فقط إيران، تستهدف أهل السنة وليست كما قيل تستهدف الشيعة، تستهدف كل المسلمين ولا تستهدف المتطرفين كما زعموا.
وما كل هذه الحملة إلا لعلمهم أن الأمة الإسلامية الآن تعيش حالة نهضة وصحوة دينية وفكرية، إلا لعلمهم أن الأمة الإسلامية انطلقت في دورة حضارية جديدة لن تنتهي إلا بعودة الإسلام لقيادة العالم كما كان من قبل.
فكما مرّ الإسلام بكبوات وانتكاسات فتجاوزها ونهض منها، فإنه الآن والحمد لله قد نهض من تلك الكبوة والانتكاسة التي بدأت مطلع القرن العشرين، وها هي الأمة تعيش مرحلة عودة المارد الإسلامي من جديد.
وإذا كان أعداء الإسلام قد جنّ جنونهم مما حصل من ثورات الربيع العربي مطلع العام 2011، فإن عليهم أن يستعدوا لما سيحصل ولما حتمًا سيكون وقريبًا بإذن الله تعالى من ثورات الشتاء الإسلامي العاصف القاصف.
وعليه فإنه لا عذر للسوداويين والمحبطين أنصار الظلام في تبرير قعودهم وتقصيرهم، وما عليهم إلا أن يخلعوا نظاراتهم وعدساتهم السوداء حتى يروا الواقع والمستقبل على حقيقته.
فأمّلوا وأبشروا يا أيها المضيعون والمحبطون.
وهللوا وكبروا يا مؤمنون
فالفجر لاح والديك صاح
والعطر عطر الحق فاح
والنهار قادم والمسلمون قادمون
فقل لأنصار الظلام ما لكم لا تعقلون
من ذا يؤخر النهار
من يصارع الأقدار
من يعاند القهار
من يناطح المريخ
من يوقف التاريخ
إلا بلهاء يجهلون، أو صغار يعبثون
فليتهم يفكّرون ساعة ويصدقون
وليعلموا علم اليقين إننا قادمون
أجل أجل المسلمون قادمون.
وإن غدًا لناظره قريب
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا .
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.