سيرة الذات بين الحقيقة والتخييل.. حين يصبح “الأنا” سؤالًا أخلاقيًا وجماليًا

في تقاليد الكتابة الإنسانية، تظل السيرة الذاتية أحد أكثر الأجناس الأدبية إغراءً والتباسًا في آن. فهي، من جهة، وعدٌ بالصدق وكشف الداخل، ومن جهة أخرى، حقلٌ مفتوح للتخييل وإعادة بناء الذاكرة. ذلك أن “الأنا” التي تُكتب ليست هي نفسها التي عاشت، بل هي ذاتٌ مُعاد تشكيلها باللغة، تُنتقى تفاصيلها، وتُرتّب أحداثها، وتُضاء مناطق فيها وتُترك أخرى في الظل. ومن هنا، لا تعود السيرة مجرد تسجيل لحياة، بل تصبح فعلًا تأويليًا يطرح أسئلة عميقة حول الحقيقة، والذاكرة، والهوية.
ضمن هذا الأفق الإشكالي، يبرز اسم الكاتب البريطاني بلاك موريسون بوصفه واحدًا من أبرز الأصوات التي اشتغلت على تخوم السيرة بين الأدب والتفكير النقدي. فقد راكم موريسون تجربة متعددة الوجوه: شاعرًا وناقدًا ومحررًا أدبيًا، قبل أن يرسّخ حضوره الواسع من خلال أعماله في كتابة الحياة، ولا سيما في كتابه الشهير “ومتى كانت آخر مرة رأيت فيها والدك؟”، الذي قدّم فيه نموذجًا مؤثرًا لكيف يمكن للسيرة أن تكون في آن واحد اعترافًا شخصيًا وتأملًا إنسانيًا في الفقد والذاكرة.
في كتابه الجديد عن المذكرات On Memoir، لا يكتفي موريسون بتقديم خبرته ككاتب، بل يذهب أبعد من ذلك ليحوّل السيرة الذاتية إلى موضوع تفكير بحد ذاته. إنه لا يسأل فقط: كيف نكتب حياتنا؟ بل: ما الحياة التي تستحق أن تُكتب؟ وهل يمكن للإنسان أن يروي ذاته من الداخل دون أن يعيد اختراعها؟ بهذه الأسئلة، ينقل موريسون السيرة من مستوى الحكي إلى مستوى الإشكال الفلسفي، حيث تتقاطع الحقيقة مع التخييل، ويصبح “الأنا” ليس معطى جاهزًا، بل سؤالًا مفتوحًا على الأخلاق والجمال معًا.
وتكتسب هذه الأسئلة عمقًا إضافيًا حين نقرأ الكتاب بعين نقدية مغايرة، كما تفعل الناقدة البريطانية أليكس كلارك، التي لا تتعامل مع كتاب On Memoir بوصفه دليلًا إرشاديًا للكتابة، بل كمساحة مفتوحة للتفكير في هشاشة الذاكرة وتعقيداتها. فقراءتها التي نشرتها في صحيفة “الغارديان” اليوم، تنزاح عن التقنيات إلى الأسئلة، وعن “كيف نكتب” إلى “لماذا نكتب”، كاشفةً أن كتاب موريسون ليس فقط عن استعادة الماضي، بل عن مساءلته، وعن إدراك أن كل سيرة هي، في جوهرها، إعادة تفاوض مستمرة مع ما نتذكره وما نختار أن ننساه.
السيرة كمسألة تعريف.. من يعيش؟ ومن يكتب؟
يؤسس موريسون أطروحته على مفارقة لافتة: “لقد عشت حياة، وعشت أيضًا ككاتبٍ للحياة”. هذه الثنائية تكشف التوتر الجوهري في أدب السيرة: هل نحن نكتب ما عشناه، أم نعيد خلقه؟ وهل يمكن للذات أن تكون شاهدًا محايدًا على نفسها؟
السيرة، بهذا المعنى، ليست استعادة ميكانيكية للوقائع، بل هي إعادة تشكيل للخبرة. فالكاتب لا يكتفي بسرد ما حدث، بل ينتقي، ويعيد ترتيب الزمن، ويمنح الوقائع معنى لم تكن تحمله لحظة وقوعها. هنا تتحول “الحياة” إلى مادة خام، بينما يصبح “الكتابة” فعلًا تأويليًا.
بين الحقيقة والذاكرة.. أزمة الصدق في السرد الذاتي
أكثر الأسئلة إلحاحًا في الكتاب يتمثل في: هل يجب أن تكون السيرة “حقيقية”؟
موريسون لا يقدّم جوابًا حاسمًا، لكنه يعرّي المشكلة: الذاكرة بطبيعتها انتقائية، بل وخادعة أحيانًا. وفي زمن يرفع شعار “قل حقيقتك”، تتصادم الحقائق الفردية، إذ لكل شخص روايته الخاصة للحدث ذاته. وهنا تنتقل السيرة من كونها خطابًا شخصيًا إلى ساحة نزاع سردي.
القضية ليست في الكذب الصريح فقط ـ كما في حالة Binjamin Wilkomirski ـ بل في المساحات الرمادية: ماذا عن التفاصيل التي نسيها الآخرون؟ أو التي نتذكرها بشكل مختلف؟ هل يصبح الخطأ في التذكر نوعًا من الخيانة؟
السيرة إذن ليست فقط سؤال “ماذا حدث؟” بل “كيف نتذكر ما حدث؟” ـ وهو سؤال أقرب إلى الفلسفة منه إلى الأدب.
أخلاقيات السرد بين الجرأة والاعتبار الإنساني
يضع موريسون الكاتب أمام معضلة أخلاقية حادة: إلى أي حد يحق لك أن تكشف حياة الآخرين وأنت تكتب حياتك؟ فالسيرة لا تخص صاحبها وحده؛ إنها تتقاطع مع حيوات الآخرين: العائلة، الأصدقاء، وحتى الخصوم. وهنا يصبح الصدق سلاحًا ذا حدين. فالإفصاح قد يكون شجاعة أدبية، لكنه قد يتحول أيضًا إلى انتهاك للخصوصية.
يوازن موريسون بين حدّين: رفض التلفيق والتلاعب المتعمّد، وفي الوقت نفسه، رفض الرقابة الذاتية التي تفرغ التجربة من صدقها.. هذه المنطقة الوسطى ـ بين الجرأة واللياقة ـ هي ما يجعل كتابة السيرة فعلًا أخلاقيًا بامتياز، لا مجرد تمرين سردي.
السيرة كقراءة أيضًا.. لماذا نحب حياة الآخرين؟
لا يتوقف الكتاب عند فعل الكتابة، بل يمتد إلى فعل القراءة. لماذا نقرأ السير الذاتية بشغف؟ هنا تبرز فكرة عميقة: السيرة ليست فقط بحثًا عن الذات، بل أيضًا عن الآخرين. نحن نقرأ لنفهم أنفسنا عبر تجارب غيرنا، أو لنشعر ـ كما تقول اللغة المعاصرة ـ أننا “مرئيون”.
الفضول (Nosiness) قد يكون دافعًا سطحيًا، لكن خلفه تكمن رغبة أعمق: كسر العزلة الوجودية. فحين نغوص في تفاصيل حياة شخص آخر، نحن في الحقيقة نبحث عن معنى مشترك، عن تجربة إنسانية يمكن أن نتقاطع معها.
تفكيك الشكل.. الأبجدية كخدعة ذكية
اختيار موريسون تنظيم كتابه وفق ترتيب أبجدي يبدو للوهلة الأولى تبسيطيًا، لكنه في الحقيقة استراتيجية ذكية. فهو يمنح القارئ إحساسًا بالخفة، بينما يمرر أسئلة ثقيلة: عن الذاكرة، الحقيقة، الأخلاق، والهوية. هذا الشكل المفتوح يدفع القارئ أيضًا إلى المشاركة، إلى إضافة “مدخلاته” الخاصة. وكأن السيرة، في نهاية المطاف، ليست نصًا مغلقًا، بل مشروعًا جماعيًا لفهم الإنسان.
ما يقدمه On Memoir ليس وصفة للكتابة، بل اختبارًا للوعي. فكتابة السيرة ليست مجرد مهارة، بل موقف من الحقيقة، ومن الآخرين، ومن الذات نفسها.
إنها مغامرة محفوفة بالمخاطر: خطر الكذب، خطر الجرح، وخطر مواجهة الذات كما هي.. لكنها، في المقابل، تظل أحد أصدق أشكال الأدب، لأنها تنبع من السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن لحياة أن تُروى دون أن تُختزل؟
وإذا كان بلاك موريسون يعيد طرح السيرة بوصفها سؤالًا مفتوحًا على الحقيقة والتخييل في السياق الغربي، فإن هذا القلق ليس غريبًا عن أدبنا العربي، وإن اتخذ أشكالًا مختلفة. فمنذ الأيام لـ طه حسين، حيث تتداخل الذاكرة مع البناء الفني، وصولًا إلى “الخبز الحافي” لـ محمد شكري، حيث تبلغ الجرأة حدّ تفكيك المحظور، ظلّت السيرة العربية تتأرجح بين نزعتين: نزعة التوثيق التي تسعى إلى تثبيت “الحقيقة”، ونزعة الاعتراف التي تذهب إلى تعرية الذات ولو على حساب يقينها.
غير أن الفارق الدقيق يكمن في أن السيرة العربية، تاريخيًا، كانت أكثر حذرًا في مساءلة “الأنا” بوصفها بناءً سرديًا، إذ غالبًا ما انشغلت بتبرير الذات أو تقديمها في سياق اجتماعي وأخلاقي، بينما تميل المقاربات الحديثة ـ كما عند موريسون ـ إلى زعزعة هذه الذات نفسها، والنظر إليها ككائن متحوّل، لا كحقيقة مستقرة. ومع ذلك، فإن التحولات الراهنة في الكتابة العربية، خاصة مع صعود أدب الاعتراف واليوميات، تشير إلى اقتراب متزايد من هذا الأفق الإشكالي، حيث لم تعد السيرة مجرد حكاية حياة، بل مختبرًا لأسئلة الهوية والذاكرة والصدق.
هكذا، يلتقي المساران ـ العربي والغربي ـ عند نقطة جوهرية: أن السيرة ليست مرآة صافية، بل سطحٌ قلقٌ يعكس ويشوّه في آن. وأن كتابة الذات، في نهاية المطاف، ليست استعادةً لما كان، بل إعادة خلق لما نظن أنه كان. ومن هنا، يبقى السؤال الذي يعلّق عليه موريسون، ويتردد صداه في أدبنا أيضًا: ليس كيف نكتب حياتنا فقط، بل كيف نجرؤ على مواجهتها حين تتحول إلى نص؟
