خنق اقتصادي ممنهج.. سياسات الاحتلال تدفع الاقتصاد الفلسطيني نحو الانهيار

أفاد تقرير نُشر أمس الأحد، في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، وترجمه موقع “موطني 48″، أن السلطة الفلسطينية وسكانها يعيشون حالة اختناق اقتصادي حاد، ناتجة بشكل مباشر عن قرارات سياسية إسرائيلية متعمدة، أدت إلى شلّ مواردها المالية الأساسية وتعميق أزمتها المستمرة منذ سنوات. وتحتجز السلطات الإسرائيلية نحو 14 مليار شيكل من أموال المقاصة الفلسطينية، التي تُجبى أساسا من الرسوم الجمركية على الواردات المخصصة للفلسطينيين، بزعم استخدامها في دعم “الإرهاب”.
ومع تراكم هذه الأموال شهريا في خزينة الاحتلال، تجد الحكومة الفلسطينية في رام الله نفسها مضطرة لاتخاذ إجراءات تقشف متزايدة لمواجهة التدهور الاقتصادي المتواصل منذ نحو ثلاث سنوات، وسط آمال بأن يتمكن المواطنون من الاستمرار في التكيف مع شح الموارد، بالاعتماد على ما يتبقى من إمكاناتهم الذاتية والمساعدات الخارجية المحدودة.
وبحسب التقرير، فإن الأموال المحتجزة منذ عام 2019 تزداد بنحو 400 مليون شيكل شهريا. ونقل عن قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، أفي بلوت، تحذيره لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من أن استمرار حجز أموال السلطة قد يؤدي إلى تصعيد في الضفة الغربية.
إلى جانب ذلك، يشكل منع العمال الفلسطينيين من العمل داخل البلاد عاملا رئيسيا آخر في تفاقم الأزمة، رغم تأييد معظم الأجهزة الأمنية الإسرائيلية (باستثناء الشرطة) رفع هذا الحظر. فقبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان نحو 172 ألف فلسطيني يعملون في الداخل، بدخل شهري إجمالي لا يقل عن مليار شيكل. أما اليوم، فقد تقلص العدد إلى نحو 50 ألفا فقط، بينهم 14 ألفا يحملون تصاريح رسمية، فيما يعمل الباقون في المستوطنات أو يدخلون دون تصاريح، معرضين حياتهم للخطر.
وتفيد بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) بأن 17 فلسطينيا ارتقوا وأصيب 262 آخرون منذ نهاية 2023 وحتى فبراير/شباط 2026 أثناء محاولتهم الوصول إلى أماكن عملهم.
هذا الواقع أدى إلى تأثيرات متسلسلة خطيرة، حيث لم تعد السلطة قادرة على دفع الرواتب كاملة لنحو 170 ألف موظف، إضافة إلى عشرات آلاف المتقاعدين. ومع تراجع الدخل، اضطر هؤلاء إلى تقليص نفقاتهم، ما أدى إلى تزايد الديون واستنزاف المدخرات. كما شهدت قطاعات البناء والتجارة والنقل والصناعة انكماشا حادا، ما انعكس سلبا على إيرادات السلطة.
وارتفع عدد العاطلين عن العمل في الضفة الغربية من نحو 129 ألفا عام 2023 إلى نحو 290 ألفا بنهاية 2025، من أصل قوة عاملة تبلغ نحو مليون شخص. كما تعمل منظومتا التعليم والصحة بشكل جزئي، ما أدى إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية.
ولا تتجاوز الإيرادات التي تجبيها السلطة من الضرائب المحلية 32% من إجمالي دخلها، الأمر الذي أدى إلى تأخير صرف الرواتب وتقليصها بنسبة تراوحت بين 20% و50%. وقررت الحكومة الفلسطينية مؤخرا صرف راتب موحد بحد أدنى يبلغ 2000 شيكل لجميع الموظفين، بمن فيهم عناصر الأجهزة الأمنية.
وفي ظل البطالة، يلجأ بعض سكان القرى إلى العمل الزراعي، غير أن اعتداءات المستوطنين ومنع الوصول إلى الأراضي، إضافة إلى القيود الإسرائيلية على الوصول إلى الأراضي الواقعة خلف الجدار، تعيق هذا القطاع من لعب دوره في التخفيف من الأزمة. كما تسهم مئات الحواجز العسكرية في تعطيل الحركة الاقتصادية ورفع تكاليف الإنتاج.
ورغم بعض المساعدات الدولية وبرامج الدعم الفني، فإنها تبقى غير كافية لسد الفجوة المالية المتفاقمة. وتشير تقديرات الموازنة الفلسطينية لعام 2026 إلى إيرادات بنحو 5.16 مليارات شيكل مقابل نفقات تصل إلى 17 مليار شيكل، ما يعني عجزا فعليا يقارب 11.9 مليار شيكل.
وتلجأ السلطة إلى سياسة “ترحيل الأزمات”، عبر تدوير الديون بين الجهات المختلفة، حيث بلغ إجمالي ديونها نحو 50 مليار شيكل حتى نهاية 2025، تشمل التزامات للبنوك وصناديق التقاعد والموردين. كما تدين بنحو 8 مليارات شيكل لموظفيها.
وتُعرف الأموال التي تتحكم بها سلطات الاحتلال باسم “أموال المقاصة”، وتشمل الضرائب والجمارك على السلع، إضافة إلى ضرائب الدخل على العمال الفلسطينيين. ومنذ تأسيس السلطة، تقوم إسرائيل باقتطاع تكاليف المياه والكهرباء والعلاج والعمولات قبل تحويل ما تبقى.
وقد مرت سياسة حجز هذه الأموال بثلاث مراحل: بدأت بقانون أُقر عام 2018 يقضي باقتطاع مبالغ تعادل ما تدفعه السلطة للأسرى وعائلاتهم، ثم توسعت في 2023 لتشمل مخصصات قطاع غزة، وصولا إلى قرار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في مايو/أيار 2025 بحجز كامل الأموال المتبقية.
وفي ظل هذا الواقع، لا تكفي المساعدات الدولية المحدودة لتغطية العجز المتزايد، فيما دعت السلطة الفلسطينية الاتحاد الأوروبي إلى الضغط من أجل الإفراج عن الأموال المحتجزة. غير أن المواقف الأوروبية، وفق وصف مسؤولين فلسطينيين، لا تزال خجولة وغير كافية أمام حجم الأزمة الإنسانية والاقتصادية المتفاقمة.
ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن هذا المشهد يعكس حالة عجز دولي واضح، في وقت يواصل فيه الفلسطينيون مواجهة تداعيات سياسات اقتصادية تُفاقم معاناتهم اليومية وتضع مستقبلهم أمام تحديات غير مسبوقة.
