أخبار رئيسيةالضفة وغزةتقارير ومقابلاتمرئياتومضات

وفيات في قوائم الانتظار.. الفئات الأكثر تضررا من إغلاق معبر رفح (شاهد)

لم يكن الشاب الفلسطيني بلال المبحوح يتخيّل أن البشارة التي حملها إليه الأطباء في اللحظات الأولى لإصابته وهي إمكانية استرداد بصره إذا خضع لعمليات جراحية خارج قطاع غزة، ستتلاشى تدريجيا عند عتبات معبر رفح الذي لا يغادره المرضى إلا بالقطَّارة، كونه المنفذ الوحيد لأهالي غزة نحو العالم الخارجي.

قبل أيام فقط، تلقّى بلال صدمة من الأطباء الذين قالوا له: “لقد فقدت الإبصار في عينك اليمنى كليا”، إذ مرّ عام كامل على إصابته لم يحصل فيه على العلاج المناسب، فيما يتشبّث اليوم بأمل أخير في إنقاذ بصر عينه اليسرى إن استطاع الخروج خلال الأيام القريبة.

وتعود قصة المبحوح إلى 5 مارس/آذار 2025، حين توجه مع فريق هندسي لتحييد ذخائر في مخيم جباليا بعد بلاغ عن وقوع انفجار، لكن بمجرد وصوله للمكان باغتته قذيفة ثانية وانفجرت به قبل أن يكمل مهمته.

أصابه الانفجار في وجهه وأتلف أذنيه، ومنذ أيام الإصابة الأولى حصل على تحويلة طبية، إذ يحتاج إلى تدخل دقيق لرقع طبلتي أذنيه واستعادة جزء من السمع، إضافة إلى رعاية عاجلة لإصاباته الأخرى. وأضاف “أصبحت بحاجة لمن يساعدني في كل شيء، في الحركة واللباس وحتى شرب الماء. أنا شاب، كان يفترض أن أكون في عز قوتي لأؤمّن مستقبل أطفالي، لكنّي قعيد الانتظار في قائمة لم يحن فيها دوري بعد”.

موتى في قوائم الانتظار
وما يعيشه بلال ليس إلا جزءا من مشهد أوسع يضم آلاف المرضى العالقين بين الحياة والموت، فهو واحد من 21 ألف مريض يحملون تحويلات طبية جاهزة ويترقبون فرصة للخروج للعلاج.

وقال رئيس وحدة المعلومات في وزارة الصحة، زاهر الوحيدي -في تصريحات صحفية- إن من بين هؤلاء 197 مريضا من حالات إنقاذ الحياة يفترض إجلاؤهم فورا، لأن “أي يوم تأخير قد يكون الأخير”. كما توجد 2144 حالة طارئة يتدهور وضعها الصحي مع كل يوم يتعثر فيه السفر.

وهذا الانتظار القاتل راح ضحيته قرابة 1562 مريضا حتى لحظة إعداد التقرير، بينهم 550 مريض سرطان لا تتوفر لهم علاجات داخل القطاع، وفق المسؤول الفلسطيني.

ورغم الاتفاق مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي على السماح بخروج 150 مريضا يوميا، فإن عدد من تمكنوا من المغادرة منذ 1 فبراير/شباط الماضي لا يتجاوز 665 مريضا، بإجمالي 1952 شخصا مع المرافقين، أي نحو 20% فقط من الحد الأدنى المتفق عليه.

مؤيد إسماعيل ينتظر فتح المعبر لاستكمال مشروعه العلمي في الدكتوراه لتطوير مجال التصوير الطبي

حلم يتبدد
ولم يكن الانتظار عند بوابة معبر رفح ينهش أجساد المرضى وحدهم، فثمة طابور آخر لا يقل وجعا، وإن بدا أقل صخبا، يُقاس فيه الفقد بعمر علمي يتآكل، وبفرص تضيع من طلاب وباحثين يشاهدون أحلامهم وهي تتلاشى.

من بين هؤلاء الدكتور مؤيد إسماعيل، الذي كان ينتظر فتح الطريق ليكمل مشروعه العلمي الذي بدأه في الأردن حين درس الفيزياء الطبية الإشعاعية، وأجرى دراسات متقدمة في تخصصه، قبل أن يعود إلى غزة قبل الحرب ليكون أول فيزيائي طبي معتمد يشغّل جهاز المسح الذري في المركز الفلسطيني الألماني، ويتعامل مع حالات أورام الغدة الدرقية.

كان هدف مؤيد قبل الحرب وبعدها تطوير قدرات التشخيص والعلاج داخل قطاع غزة الذي يعاني أصلا من نقص حاد في الإمكانات الطبية، لكن هذا المسار توقف تماما عند المعبر، فقد خسر بسبب إغلاقه 4 فرص متتالية لمتابعة دراسة الدكتوراه في الخارج. وفي الفرصة الخامسة، حين حصل على قبول أكاديمي في جامعة كندية، تحوّل القبول إلى سباق مرهق مع الزمن.

وعن ذلك، قال مؤيد في تصريحات صحفية “تلقيت 7 تحذيرات من الجامعة بإمكانية خسارة مقعدي الأكاديمي بسبب تأخري عن السفر، وفي كل مرة كنت أطلب تمديد المهلة، لكن الطريق إليها لم يُفتح”. ويصف هذا النوع من الانتظار بأنه “محبط ومربك”، متسائلا “هل أتمسك بحلمي حتى النهاية، أم أتنازل عنه لأنني أعيش ظرفا لا أملك تغييره؟”.

وبهذا يفرض إغلاق المعبر تعليقا قسريا لمسار علمي كامل، ويحاصر آلاف الطلبة الذين يطمحون إلى استكمال تعليمهم خارج مدينة الحرب ثم العودة لإعمارها.

لقاء مؤجل
ومثلما ينعكس إغلاق المعبر على مستقبل الباحثين والطلبة، فإنه يترك أثرا أعمق على بنية الأسرة نفسها، إذ تتسع في غزة فجوة التشتّت العائلي، حين تمزّق الحرب العائلات إلى “أنصاف” موزعة بين الداخل والخارج، فيما يتحوّل اللقاء إلى وعد مؤجل لا يعرف أحد متى سيحين.

في هذا المشهد، تقف قصة الصحفي عاصم النبيه بوصفها نموذجا صارخا لهذا الانقسام المكاني، فهو يعيش في غزة، بينما زوجته وطفلاه خارجها. ولم يتخيّل أن يتحوّل شوقه إلى ابنته “فرات” إلى أمنية بلمس شعرها، وقد صار عمرها اليوم 5 سنوات، نصفها الأول عاشت فيه بعيدا عنه. وقال “تركتها تتلعثم بالكلمات، وتتعثر في مشيها، اليوم تتحدث لغتين وتقفز وتكبر مع أخيها بعيدا عن عينيّ”.

ومن خلف الشاشة، لا يُطارد عاصم طفولتهما فقط، بل يلاحق أيضا محطات غابت عنه بالكامل، إذ تخرّجت زوجته من الدكتوراه، وتفاصيل نمو أطفاله، وأيامهم الصغيرة التي مرّت من دونه.

كان عاصم قد سبق عائلته إلى غزة قبل الحرب بشهرين، بعد إنهاء دراسته العليا في الخارج، على أمل أن يهيّئ الظروف ثم يُلحقهم به لاحقا. لكن اندلاع الحرب أغلق هذا الاحتمال، ومع ذلك اختار البقاء، إذ ألغى فرص مغادرة سنحت له في بدايات الحرب، متمسكا بوجوده في القطاع، حيث عمل في بلديتها، وبقي في شمالها، ثم انتقل إلى العمل الصحفي الميداني، معتبرا أن وجوده هناك ضرورة ملحّة.

عاصم النبيه صحفي ينتظر فتح معبر رفح للاجتماع بعائلته الموجودة خارج القطاع والتي لم يرها منذ عامين ونصف

شتات وانفصال
كما امتد أثر إغلاق المعبر ليعيد تشكيل العلاقات الأسرية ذاتها، إذ سُجّلت في محاكم غزة حالات تباعد بين الأزواج انتهت إلى انفصال فعلي أو طلاق، بفعل اختلاف المسارات والرغبات؛ بين من تمسّك بالبقاء داخل غزة رغم المخاطر، ومن وجد نفسه خارجها أو عالقا في عدم القدرة على العودة، لتتحوّل المسافة إلى اختبار قاسٍ للعلاقات عبر الحدود.

وبحسب تصريح صحفي لهيئة المعابر، فقد أُغلق معبر رفح منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأعيد فتحه بشكل متقطع حتى وقف إطلاق النار، وكان فتحه الأخير في 2 فبراير/شباط 2026، بناء على اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ومنذ ذلك الحين غادر ما يقارب 2000 مريض ومرافق.

وتشير البيانات إلى أن المعدل اليومي لخروج المرضى حتى الأسبوع الأخير بلغ نحو 20 مريضا يوميا، باستثناء يومي الجمعة والسبت، حيث يتوقف العمل في المعبر. أما قبل الحرب، فكان يجتازه نحو 800 مسافر يوميا من مختلف الفئات، بينهم مرضى وطلاب وأصحاب إقامات وجوازات أجنبية.

غير أن السفر في غزة لم يعد حقا مفتوحا، بل تحوّل إلى امتياز استثنائي محكوم بشروط “إنسانية” صارمة، لا يُمنح إلا في حدود المرض أو الدراسة أو لمّ الشمل أو امتلاك جنسية غير فلسطينية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى