أخبار عاجلةمحلياتمرئيات

حين تتحوّل النعمة إلى رسالة.. مبادرة في عرابة تصنع الخير وتزرع الأمل في قلوب المحتاجين

في ظلّ التحديات الاقتصادية المتفاقمة التي تعصف بالمجتمع العربي في الداخل الفلسطيني، حيث تشير التقديرات إلى ارتفاع نسب الفقر إلى نحو 40%، تبرز مبادرات محلية تسعى إلى ترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز قيم التكافل والتعاون. وبين هذه المبادرات، تلمع تجربة إنسانية تحمل في طيّاتها الكثير من العطاء والبساطة، عنوانها “حفظ النعمة”، والتي تقودها عائلات متطوعة تؤمن بأن الخير حين يُنظَّم يصبح أكثر تأثيرًا واستدامة.

عرين كناعنة، من مدينة عرابة، وهي إحدى المتطوعات البارزات في هذه المبادرة، تروي لموقع “موطني 48″، تفاصيل عمل إنساني تشارك فيه إلى جانب زوجها وأبنائها، ضمن منظومة عائلية متكاملة تسعى إلى مدّ يد العون للمحتاجين.

وتؤكد كناعنة أن العمل في “حفظ النعمة” لا يقتصر على الجهد الفردي، بل يقوم على روح جماعية تُترجم إلى نشاطات ميدانية تشمل جمع التبرعات من طعام وملابس وأغراض منزلية، وفرزها بعناية، ثم توزيعها على العائلات المستحقة داخل البلدة وخارجها.

وتشير إلى أن المبادرة تتجاوز الحدود المحلية، حيث يتم إرسال جزء من التبرعات، خاصة الملابس، إلى عائلات محتاجة في الضفة الغربية، في محاولة لتوسيع دائرة التأثير والوصول إلى أكبر عدد ممكن من المحتاجين. كما تشمل الجهود جمع فائض الطعام الصالح للاستخدام، والخضروات من الأسواق، وإعادة توجيهها بدل إهدارها.

وحول انطلاقة المشروع، توضح كناعنة أن الفكرة وُلدت من ملاحظة واقعية ومؤلمة في آن واحد: “هناك بيوت تمتلك فائضًا من الطعام والأغراض، وفي المقابل هناك عائلات تعاني من نقص حاد. كان من الصعب تقبّل فكرة رمي النعمة في وقت يحتاجها فيه الآخرون”. من هنا، نشأت المبادرة لتكون حلقة وصل تحفظ هذه النعمة وتعيد توزيعها بشكل عادل ومنظم.

وتعتمد المبادرة على آلية عمل بسيطة لكنها فعّالة، حيث يتم استقبال التبرعات، التأكد من جودتها، ثم تنسيق توزيعها وفق احتياجات العائلات. وفي الحالات الطارئة، يتم إيصال المساعدات بشكل فوري، بينما تُرتّب عمليات أخرى مسبقًا لضمان راحة وخصوصية المستفيدين. وتؤكد كناعنة أن العمل مستمر طوال العام، ولا يقتصر على مواسم معينة.

أمّا الفئات المستهدفة، فتشمل العائلات المحتاجة داخل البلدة، إضافة إلى عائلات من الضفة الغربية تقيم في المنطقة. ويتم اختيار المستفيدين بناءً على معرفة مباشرة بالحالات، مع الحرص على التعامل بإنسانية واحترام، بما يحفظ كرامة الأفراد ويجنّبهم أي حرج.

وفي سياق الحديث عن أبرز المواقف المؤثرة، تروي كناعنة قصة دراجة هوائية عثرت عليها بجانب أحد المنازل، حيث لم يكن أصحابها بحاجة إليها. قامت بإصلاحها وإرسالها لطفل في مدينة جنين. وبعد فترة، تلقت تسجيلًا صوتيًا من الطفل يعبّر فيه عن سعادته الكبيرة، قائلًا إنه يرغب في النوم إلى جانب الدراجة. “كانت لحظة بسيطة، لكنها تحمل معنى عظيمًا”، تقول كناعنة، مضيفة أن مثل هذه المواقف تمنحهم دافعًا للاستمرار.

ورغم الأثر الإيجابي للمبادرة، إلا أنها لا تخلو من التحديات، أبرزها صعوبات النقل، وضمان توزيع الطعام قبل تلفه، إلى جانب الضغط الناتج عن ازدياد عدد الحالات المحتاجة وقلة الموارد أحيانًا. ومع ذلك، تؤكد كناعنة أن التعاون وتنظيم الوقت، إلى جانب دعم أهل الخير، يشكّلون أدوات أساسية لتجاوز هذه العقبات.

وفي ختام حديثها لـ “موطني 48″، توجه كناعنة رسالة إلى المجتمع، لا سيما فئة الشباب، تدعوهم فيها إلى الانخراط في العمل التطوعي، مؤكدة أن كل فرد قادر على إحداث فرق، مهما كان بسيطًا. وتضيف: “حفظ النعمة ليس مجرد مبادرة، بل أسلوب حياة. علينا أن ندرك قيمة ما نملك، وأن نكون سببًا في إسعاد الآخرين ولو بالقليل”.

في زمن تتسع فيه فجوة الاحتياج، تظل مبادرات كهذه شاهدًا حيًا على أن روح التضامن قادرة على صناعة الأمل، وأن أبسط الأفعال قد تترك أثرًا لا يُنسى في حياة الآخرين.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى