الحكم على الأشياء يحتاج إلى تريّث
د. نواعم شبلي جبارين
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتزاحم فيه الآراء، أصبح الحكم على الأشياء فعلًا يوميًّا يمارسه الإنسان بشكلٍ شبه تلقائي، دون أن يمنح نفسه فسحةً كافيةً للتفكير، أو التحقق، أو الفهم العميق. ولعلّ من أخطر ما يواجه المجتمعات المعاصرة هذا الاستعجال في إصدار الأحكام، الذي قد يبني مواقف خاطئة، ويؤسس لسوء فهم، ويُنتج قرارات تفتقر إلى الحكمة والاتزان.
إنّ التريّث في الحكم ليس ضعفًا ولا ترددًا، بل هو سلوك عقلي راقٍ يعكس نضجًا فكريًّا واتزانًا نفسيًّا. فالعقل العلمي الرصين لا يقبل بالانطباعات الأولية، ولا يركن إلى الظواهر السطحية، بل يسعى إلى جمع المعطيات وتحليلها، وربطها بسياقها الزمني والاجتماعي والنفسي قبل إصدار أي استنتاج.
وقد أثبتت الدراسات في علم النفس المعرفي أن الإنسان يميل بطبيعته إلى التحيزات الذهنية، مثل التعميم السريع، أو الحكم بناءً على تجربة واحدة، أو التأثر بالمشاعر اللحظية. وهذه التحيزات قد تقود إلى أخطاء جسيمة إذا لم تُكبح بالتفكير المتأني والنقدي. فكم من موقفٍ أُسيء فهمه! وكم من شخصٍ ظُلم بسبب حكمٍ متسرع! وكم من فرصةٍ ضاعت لأننا لم نمنحها الوقت الكافي للفهم!
التريّث في الحكم يتطلب مهاراتٍ عدة، من أهمها: القدرة على الاستماع الجيد، والتمييز بين الرأي والحقيقة، والتحقق من المصادر، والنظر إلى الأمور من زوايا متعددة. كما يتطلب شجاعة الاعتراف بعدم المعرفة الكاملة؛ لأن الجزم في غياب الأدلة الكافية ليس دليلًا على القوة، بل قد يكون مؤشرًا على قصور في الإدراك.
ومن الناحية الاجتماعية، فإن التسرع في الحكم يهدد العلاقات الإنسانية؛ إذ يولد سوء الظن، ويُضعف الثقة، ويُعمّق الفجوة بين الأفراد. بينما يساهم التريّث في بناء جسور التفاهم، ويعزز الحوار، ويُرسخ ثقافة الاحترام المتبادل.
أما من الناحية الأخلاقية، فإن التريّث في الحكم يُعد قيمة إنسانية نبيلة؛ لأنه يمنح الآخرين حقهم في أن يُفهموا قبل أن يُدانوا، ويُجنبنا الوقوع في الظلم أو الافتراء. وهو في جوهره دعوة إلى العدل، الذي لا يتحقق إلا بعد التحقق والتبصّر.
إننا اليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، بحاجة إلى إعادة إحياء ثقافة التريّث، لا سيما في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي تُسرّع نقل الأخبار وتُضخّمها، دون ضمان دقتها أو اكتمالها. فالمعلومة التي تصلنا ليست بالضرورة الحقيقة الكاملة، والرأي الذي نسمعه قد يكون جزءًا من صورةٍ أكبر لم تتضح بعد.
وفي الختام، فإن الحكم الرشيد لا يُبنى على العجلة، بل على التأمل، ولا على الظن، بل على اليقين، ولا على الانفعال، بل على الوعي. فليكن التريّث منهجًا، والتفكير العميق عادةً، حتى نرتقي بأحكامنا ونحفظ إنسانيتنا من الزلل. والله وليّ التوفيق.
