هزيمة أوربان: ضربة لليمين العالمي وصفعة لنموذج نتنياهو
علي أحمد حماد- طالب علوم سياسية
لم تكن نتائج الانتخابات المجرية الأخيرة مجرد تداولٍ عاديٍّ للسلطة، بل كانت زلزالًا سياسيًا حقيقيًا في أوروبا. بعد ستة عشر عامًا من الحكم، سقط فيكتور أوربان، الرجل الذي قدّم نفسه طويلًا بوصفه أحد أكثر قادة اليمين الشعبوي ثباتًا في العالم، وفازت قائمة بيتر ماغيار بأغلبية كاسحة وصلت إلى 138 مقعدًا، مقابل 55 فقط لحزب فيدس، وسط احتفاء أوروبي واسع اعتبر ما جرى “لحظة تاريخية”، وعودةً للمجر إلى قلب أوروبا.
أهمية هذه النتيجة لا تنبع فقط من الداخل المجري، بل من رمزيتها العالمية. ففي السنوات الأخيرة، بدا وكأن اليمين القومي والشعبوي يحقق صعودًا متواصلًا: في إسرائيل، وفي الولايات المتحدة مع عودة ترامب، وفي الأرجنتين، وفي عدد من البرلمانات الأوروبية. في هذا السياق، كان أوربان أكثر من مجرد رئيس حكومة في دولة أوروبية؛ كان نموذجًا سياسيًا كاملًا: نموذج “الديمقراطية غير الليبرالية” التي تُبقي صندوق الاقتراع قائمًا، لكنها تُضعف القضاء، وتُفرغ مؤسسات الرقابة من مضمونها، وتُخضع الإعلام، وتحوّل الدولة إلى أداة بيد الحزب الحاكم. وهذا بالضبط ما جعل تجربته مُلهمة لليمين في أنحاء مختلفة من العالم.
ولذلك، فإن سقوط أوربان مهمٌّ لنا نحن أيضًا في الداخل. فالمجر لم تكن حليفًا عاديًا لإسرائيل، بل كانت، في كثير من الأحيان، رأس الحربة في الدفاع عنها داخل الاتحاد الأوروبي، تمامًا كما تقوم الولايات المتحدة بهذا الدور في مجلس الأمن. وقد أوضحت التقارير التي نشرتها “هآرتس” أن أوربان كان يعرقل مرارًا أهدافًا مركزية للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك ملفات العقوبات على روسيا وقضايا سياسية كبرى، وأن حكومته كانت تُنظر إليها في بروكسل بوصفها عامل تعطيل دائم. وفي الوقت نفسه، شكر جدعون ساعر أوربان صراحةً على “دعمه المتواصل لإسرائيل”، بينما وصفه نتنياهو، بعد الانتخابات، بأنه “صديق حقيقي لإسرائيل” وقف معها في وجه ما سماه “الافتراءات الدولية”. وهذا ليس تفصيلًا ثانويًا، بل يوضح لماذا كان نتنياهو يرى في بودابست شريكًا استراتيجيًا، لا مجرد صديق سياسي.
وبالنسبة لنتنياهو تحديدًا، كانت التجربة المجرية مغرية للغاية، ليس فقط لأنها وفّرت له غطاءً سياسيًا داخل أوروبا، بل لأنها عرضت أمامه نموذج حكمٍ يزاوج بين الانتخابات وتقليص القيود على السلطة التنفيذية. صحيح أن إسرائيل ليست المجر، وأن “الانقلاب القضائي” الذي حاول نتنياهو تمريره عام 2023 لم يكن نسخة حرفية عن النموذج المجري، لكن الروح واحدة: إخضاع القضاء لإرادة الأغلبية البرلمانية، وإضعاف منظومة الضوابط والتوازنات، وتقديم ذلك كله باعتباره “إصلاحًا” أو “استعادةً لسيادة الشعب”. من هنا، فإن سقوط أوربان لا يعني فقط خسارة حليف لنتنياهو، بل اهتزاز النموذج الذي استلهمه وراهن عليه.
المهم أيضًا أن ما جرى في المجر لا يمكن قراءته بوصفه انتصارًا بسيطًا لـ“اليسار” على “اليمين”. فبيتر ماغيار نفسه ليس زعيمًا يساريًا كلاسيكيًا، بل هو سياسي محافظ من الوسط اليميني، وله مواقف متحفظة تجاه بعض سياسات الاتحاد الأوروبي، خصوصًا في قضايا الهجرة. لكن الفارق الجوهري أنه طرح نفسه بديلًا عن حكم الفرد، ووعد بإعادة التوازن بين السلطات، وإعادة بناء استقلال المؤسسات، وفرض تحديدٍ زمنيٍّ لولاية رئيس الحكومة، واستعادة ما سمّاه “سيادة القانون”. لذلك، فالمسألة ليست انتقالًا حادًا من يمين إلى يسار، بل هزيمة ليمينٍ شعبويٍّ سلطوي، وصعود خطاب يرفض احتكار الدولة والمجتمع من قبل حزب واحد أو زعيم واحد.
وهنا، بالذات، تكمن دلالة الدرس. كما كتب ليئام هور في “هآرتس”، فإن ما حدث في المجر بدا كتصويتٍ من أجل العودة إلى “الوضع الطبيعي”، لا مجرد تبديل أسماء في السلطة. وكما نقلت “هآرتس” عن أندرو هيغينز في “نيويورك تايمز”، فإن أوربان أحاط نفسه بآلة إعلامية ضخمة روّجت له وخوّفت الناس من خصومه، لكنها تجاهلت أزمات الحياة اليومية: الصحة، والتعليم، ويوميات الناس الاقتصادية. وحين تتسع المسافة بين الدعاية والواقع، وبين “التلفزيون” و”الثلاجة”، كما ورد في التحليل، يبدأ السحر السياسي بالتكسر. وهذه ليست مسألة مجرية فقط؛ إنها قاعدة عامة في كل مكان.
بالنسبة لنا في الداخل، لا يجوز أن نقرأ ما جرى في بودابست بفرحٍ ساذج أو بأوهامٍ سياسيةٍ متعجلة. فسقوط أوربان لا يعني، تلقائيًا، انقلابًا جذريًا في سياسة المجر تجاه إسرائيل، ولا يعني أن العالم قد انتقل دفعة واحدة إلى موقع الإنصاف لحقوق شعبنا. لكنه، مع ذلك، يحمل دلالة عميقة: أن مشاريع اليمين، حين تبني سلطانها على التخويف واحتكار المؤسسات وإضعاف موازين العدل، ليست قدرًا لا يُردّ، ولا حكمًا أبديًا مفروضًا على الناس. وهذه من سنن الله في التاريخ الإنساني التي لا تتبدل؛ فكم من قوة ظنت أن أسباب الغلبة قد اكتملت لها، ثم دبّ إليها الوهن من داخلها. ويعني هذا أيضًا أن الشبكة الدولية التي منحت نتنياهو شرعية إضافية، ووفّرت له غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا في محافل العالم، ليست حصنًا مغلقًا، بل يمكن أن يصيبها التصدع حين تتغير موازين الشعوب وتتبدل أولوياتها.
ومن هنا، فلعلّ أهم ما تكشفه الانتخابات المجرية ليس فقط سقوط رجل، بل سقوط وهمٍ كامل: وهم أن اليمين الشعبوي لا يُهزم، وأن القبضة على الإعلام والقضاء والمال كافية لضمان البقاء، وأن الشعوب يمكن أن تُساق إلى ما لا نهاية بمنطق الخوف والتحريض. غير أن سنّة الله في الاجتماع البشري جارية بأن الظلم لا يدوم، وأن الاستبداد، مهما اشتد، فإن في داخله بذور تآكله، وأن الأيام دول: ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیۡنَ ٱلنَّاسِ﴾.
وما جرى في المجر لا يغيّر العالم وحده، لكنه يفتح نافذةً سياسيةً وأخلاقية تؤكد أن أكثر النماذج التي ألهمت اليمين العالمي يمكن أن تنكسر، وأن إرادة الشعوب، حين تتجمع على طلب العدل ووقف التغوّل، قادرة، بإذن الله، على كسر هيبة الباطل. وحين يحدث ذلك، فإن صداه لا يبقى في بودابست وحدها، بل يصل أيضًا إلى القدس، وإلى كل من ظن أن ميزان القوة قد استقر نهائيًا لصالحه.
