معركة الوعي (278) الأقصى بين تصريحات بورغ وأوهام فيجلين
حامد اغبارية
1)
لم يكن هناك، ولا يوجد أي مبرر أمني حقيقي لإغلاق الاحتلال المسجد الأقصى المبارك أثناء شهر رمضان المبارك وطيلة أيام عيد الفطر، لأول مرة منذ احتلاله! وكل المبررات التي ساقها الاحتلال لهذه الجريمة لا علاقة لها بواقع الأحداث الجارية، والتي تشهد جولة أخرى من جولات الصراع، والتي يبدو أنها لن تتوقف حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
لقد برر الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى بتوفير الأمن للناس أثناء الحرب الجارية، غير أن واقع الحال يؤكد أن أسباب الإغلاق لا علاقة لها بتلك المبررات الفارغة، وإنما لها علاقة بمسألتين: الأولى آنيّة -التحسب من وقوع أحداث مناهضة للعدوان الأمريكي- الإسرائيلي على إيران، والثانية إستراتيجية لها علاقة وثيقة بأطماع الاحتلال ومخططاته الرامية إلى بسط الهيمنة الكاملة على المسجد، وإلغاء أية سيادة إسلامية عليه. وإن الأمر لا يتعلق بمجرد بسط الهيمنة، وإنما يتجاوز ذلك إلى تجهيز الأجواء لتنفيذ مخططات توراتية- تلمودية تهدف إلى بناء الهيكل الثالث المزعوم على أنقاض الأقصى!
السؤال: أي خطر كان سيتعرض له المسلمون لو أن المسجد بقي مفتوحا؟! هل هو خطر الصواريخ الإيرانية مثلا؟! أي ساذج يمكن أن يصدق مثل هكذا تضليل؟!
2)
لم نكن بحاجة إلى من يخرج ليقول لنا إن هناك من خططوا ويخططون لهدم المسجد الأقصى المبارك! فمنذ احتلاله عام 67، بل قبل ذلك، كان واضحا أن أكبر وأهم وأخطر مخطط للمشروع الصهيوني هو بناء الهيكل الذي يزعمون، كذبا، أن المسجد الأقصى المبارك أقيم على أنقاضه، على الرغم من أنه لم يقم دليل ديني ولا تاريخي ولا علمي ولا أثري على وجود ما يسمونه (هيكل سليمان) في هذا المكان. غير أن هناك من كان وما يزال يشكك بهذه الحقيقة، ويطالب بالأدلة والشواهد! على الرغم من وجود هذه الأدلة على أرض الواقع، بالصوت والصورة والكلمة والسلوك!
3)
وهنا لا بد من تحديد مصطلح “المسجد الأقصى” كي لا تلتبس الأمور على بعض الناس، ومنهم مسلمون.
إن المسجد الأقصى المبارك هو تلك المساحة الواقعة داخل الأسوار، والتي تقدر مساحتها بـ 144 دونما (144 ألف متر مربع)، وهو ثاني مسجد عرفته الإنسانية منذ خلق الله الأرض ومن عليها، بدليل الحديث الشريف الذي أورده البخاري ومسلم في صحيحيهما: {عن أبي ذرٍّ قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ مسجدٍ وُضعَ في الأرضِ أولَ؟ قال: المسجدُ الحرامُ، قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: المسجدُ الأقصى، قلتُ: كم بينهما؟ قال: أربعون سنةً، ثم حيثُما أدركتْكَ الصلاةُ فصلِّ، فهو مسجدٌ}. ولاحظ لفظ (وُضعَ)، فالوضع غير البناء. ومعناه تقدير القدسية للمكان وإن لم يكن هناك بناء يراه الناس. وهذا ينطبق على مكان المسجد الحرام كما ينطبق على مكان المسجد الأقصى. فالقدسية للمكان، ويُلحق بها البناء حين يوجد، فإن لم يكن هناك بناء قائم فهذا لا يعني انتفاء القدسية. لذلك فإن قدسية المسجد الأقصى المبارك تشمل كل المساحة المذكورة. وقد بقيت هذه القدسية وما تزال وستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولو حدث وأزيلت كل الأبنية القائمة اليوم في المسجد الأقصى المبارك، فإن زوالها أو إزالتها من أي طرف كان لا يلغي قدسية المكان. والإسلام هو الوحيد الذي أعطيت فيه القدسية لمكان دون ربط قدسيته بأشخاص، حتى لو كانوا أنبياء، وذلك على العكس من اليهودية والنصرانية اللتين ربطتا قدسية أماكن معينة بأشخاص، سواء كانوا أنبياء أو غيرهم. لذلك باطلٌ زعمُ من يُطلقون على أنفسهم لقب باحثين ومؤرخين من الذين ربطوا مصيرهم بالاحتلال وبالمشروع الصهيو- صليبي، من أن قدسية المسجد الأقصى جاءت فقط بسبب حادثة الإسراء والمعراج!
4)
إن الأبنية التي نعرفها اليوم في المسجد الأقصى، إنما بدأ إنشاؤها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث إلى خمس سنوات، ما يعني أن قدسية المكان كمسجد كانت قائمة أصلا. وقد بُني المصلى القبلي في عهد الفتح العمري، وكان عبارة عن بناء صغير بسيط، ثم جُدد بناؤه في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي بنى قبة الصخرة، ثم استكمل ابنه الوليد بن عبد الملك بناء المصلى القبلي، الذي تهدم بزلزال سنة 746 ميلادية، ليعاد بناؤه في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، ولمّا تهدم بزلزال آخر سنة 1033 ميلادية جدده الخليفة الفاطمي الظاهر لدين الله، ثم رُمم في عهد صلاح الدين الأيوبي وبعده في عهد الخلافة العثمانية، وسبق واهتم به سلاطين المماليك الذين بنوا حوله مباني مختلفة حملت أسماءهم. وهناك عشرات المعالم من المصليات، التي أهمها المصلى المرواني المعروف تاريخيا باسم “التسوية الشرقية”، ومسجد عمر، وجامع النساء، ومصلى الأقصى القديم، وجامع البراق، وجامع المغاربة، والقباب والمآذن والمحاريب والأروقة والمدارس والبوائك والأسبلة والمصاطب، التي تشكل شواهد على قدسية المكان بكل مساحته وأبنيته الموجودة داخل الأسوار.
5)
لذلك فإن خروج أبراهام بورغ، رئيس الكنيست الأسبق، وأحد كبار السياسيين الإسرائيليين في حزب “المعراخ” الصهيوني (حزب العمل)، والذي انتقل قبل سنوات نقلة فكرية كبيرة حين انضم إلى الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، تاركا خلفه إرثا صهيونيا مليئا بجرائم لا تحصى أوقعها مؤسسو حزبه وقادته من بعدهم في الأرض الفلسطينية منذ النكبة؛ إن خروجه قبل أيام في مقابلة تلفزيونية وحديثه عن علمه بوقوع خمس محاولات مؤكدة لتفجير المسجد الأقصى ليس مفاجئا بالنسبة لنا، وهو لم يأت بجديد لا نعلمه، وإن دندن وطنطن حول تصريحاته كثيرون. أما اللافت فيما قاله فيستدعي مجموعة من الملاحظات:
أولا: لماذا صمت بورغ طوال تلك السنوات، ولم يكشف عما يعرفه في حينه، عندما كان في مركز التأثير السياسي؟! إن الصمت عن جريمةٍ ما يعتبر – وفق القانون ووفق كل الاعتبارات السياسية- مشاركة فيها. وفي التالي فإن بورغ شريك فيها حين سكت عنها وهو في أوج “مجده” السياسي، في أحد أعلى المناصب في دولته. ومجرد كشفه عنها اليوم لا يعفيه من المسؤولية ولا يجعله “نظيفا”!
ثانيا: إذا كان بورغ يعرف بوقوع تلك المحاولات لتفجير المسجد الأقصى، فمن المؤكد أنه يعرف أوقات وقوعها، ومن هي الجهات المباشرة التي وقفت خلفها. فمتى وقعت تلك المحاولات؟ ومن هم الذين وقفوا وراءها؟ وهل وقعت كلها أو بعضها عندما كان رئيسا للكنيست أو عضو كنيست عن حزبه “اليساري”؟!!
ثالثا: إن وقوع محاولات لارتكاب جريمة والعلم بها يلزم الجهات المختصة بمحاسبة منفذيها. فهل جرت محاسبة من حاولوا تنفيذ تلك التفجيرات؟!! معلوماتنا المؤكدة تفيد بأنه لم يحاسب أحدٌ، ولم تُعقد محاكمات لأحد، بل مُنح هؤلاء وغيرهم النياشين، وما زالوا هم وأمثالهم يظهرون في الإعلام يتحدثون، بكل وقاحة، عن خططهم وأطماعهم في المسجد الأقصى وأوهامهم ببناء هيكلهم المزعوم على أنقاضه!
رابعا: يزعم بورغ في تصريحاته تلك أن جهات يهودية متطرفة هي التي وقفت وراء تلك المحاولات. وهو بذلك لا يختلف عن غيره في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي كانت وما تزال تنسب الاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك إلى جماعات متطرفة، وأنه لا علاقة للحكومات بها، وهذا يخالف الواقع الذي يعرفه الجميع، والذي يؤكد أن الحكومات الإسرائيلية، على اختلاف انتماءاتها، سعت، وما تزال، إلى بسط سيادتها على المسجد الأقصى، وتجريد المسلمين من حقهم في مسجدهم، منذ لحظة احتلال المسجد وإطلاق تلك الصرخة التي قالوا فيها: “جبل الهيكل أصبح في أيدينا”!! وكان الذين دنسوا ثالث أقدس بقعة على الأرض هم قادة الحزب الذي كان بورغ ينتمي إليه طوال عشرات السنين. فهل يعلم بورغ (وهو يعلم) ماذا يعني مصطلح “جبل الهيكل” بالنسبة للصهيونية التي نشأ فيها ونبت فيها لحمه؟!
خامسا: كرئيس كنيست سابق، وسياسي مخضرم في حزب “المعراخ”، فإنه بالتأكيد لديه معلومات أكثر بكثير مما صرح به في ذلك اللقاء، منها ما يتعلق بالمسجد الأقصى، ومنها ما له علاقة بمختلف الملفات الملتهبة. ويبدو لي أن ما صرح به ليس سوى نقطة في بحر مما لديه من معلومات.
6)
إن أطماع الصهيونية في المسجد الأقصى المبارك لا تتوقف عند مجرد محاولات تحدث عنها أبراهام بورغ، بل هي أطماع تشكل خطرا حقيقيا على المسجد، وإن إغلاق المسجد أمام المسلمين في رمضان وفي عيد الفطر هو جزء من هذا الخطر الذي يزداد يوما بعد يوم خاصة منذ الحرب المجنونة على غزة، وأمام حالة الهوان التي تعاني منها الأمة، وإزاء الحرب الحالية التي تشنها الصهيونية- الصليبية على إيران، والتي يمكن أن يستغلها الاحتلال لارتكاب جريمة بحق المسجد الأقصى بينما الأمة في حالة من الغفلة! إلى درجة جعلت مخلوقا طفيليا مثل المستوطن المتطرف موشيه فيجلين يكتب، معبرا عن فرحه الشديد وبنشوة انتصار، ما معناه أنهم أغلقوا المسجد الأقصى في وجوهنا ومنعونا من الصلاة فيه في رمضان وفي صلاة العيد دون أن ينبس أحدٌ ببنتٍ شَفة!!
فأيُّ عار لطخ جباه من يستطيعون ولا يتحركون من لصوص الحكم في أمتنا؟!
أما فرحة فيجلين ذاك وأمثاله “ببطولات” احتلالهم، فإنها فرحة غبيّ ورقصة أحمق! وفي التاريخ عِبر ومحطات تقول لهؤلاء: ما مرّ على الأقصى ظالم إلا قُصم، وما مرّ احتلال إلا زال ولو بعد حين…
