بين دمعة الوداع وفرحة العيد
ليلى غليون
ها هو رمضان يطوي صفحاته الأخيرة بهدوء، كضيف عزيز كريم أقام في قلوبنا أيامًا يلملم رحاله مودعًا، لم تكن أيامه أيامًا عاديًة، بل كان مدرسة للروح، رقت فيه القلوب، واقتربت الأرواح من بارئها وتدثرت بأنوار الرحمة المفتحة أبوابها في هذه الأيام العظيمة من أيام الله تعالى، ذقنا فيه حلاوة القيام وسكينة الدعاء وطمأنينة القلب بتلاوة القرآن حين يتلى والناس نيام. فرمضان مدرسة، ولا ينبغي لمن يتخرج من هذه المدرسة أن ينسى ما تعلم، علمنا كيف يكون الصبر، ودربنا في ميادين مجاهدة النفس، وفتح لنا أبواب القرب من الله، وإنها والله لخسارة كبرى أن تُغلق هذه الأبواب بأيدينا بعد أن فًتحت.
ونحن اليوم نقف على عتبته الأخيرة، لا نقول وداعًا بل نقول: اللهم تقبله منا، واكتب لنا لقاءه أعوامًا عديدة ونحن أقرب إليك أصدق إيمانًا وأنقى قلبًا، فوداع رمضان ليس بانتهاء الشهر الكريم، بل حين ينطفئ نوره وأثره في القلوب حين يمضي، كان السلف الصالح يخافون من نهاية رمضان أكثر من فرحهم بقدوم العيد، لأنهم أدركوا أن سر العبادة ليس بكثرة العمل بل بقبوله، وكانوا يقولون: “من المقبول فنهنئه ومن المحروم فنعزيه” فكان وداع رمضان عندهم موسمًا آخر للعبادة، موسم الحفاظ على ما زرعوه في هذا الشهر.
ونحن إذ نودع الشهر الكريم، تختلط فينا المشاعر، حزن الوداع وفرحة العيد، فغدًا أو بعد غد تشرق شمس عيد الفطر، ذاك اليوم الذي أعده الله تعالى جائزة للصائمين الذين لبوا دعوته واستجابوا لأوامره، مخلصين له الدين بصوم أيام معدودات من أعظم أيام الله، فيها يتضاعف الأجر والثواب، ويزيد المسلم من رصيد حسناته، لعل وعسى أن يحظى بالجائزة الكبرى والمنزلة العظمى وهي منزلة التقوى، والتي ستكون بإذن الله جواز المرور وجسر العبور لجنان تاقت النفس لروحها وريحانها.
إنه رمضان يلوّح مودعا وقد امتلأ قلبه حزنا حتى الطفاح على هذا الحال وما آل إليه المسلمون في كل بقعة ترفع فيها راية لا إله إلا الله، فكم تعاقب مجيئه وإيابه والمسلم لا يزال يتلقى الضربات الموجعات تلو الضربات، وأهل الباطل لا يزالون يعربدون ويشددون الخناق عليه بكل همجية وعنجهية وبوسائل عجز إبليس أن يأتي بمثلها.
وإنه العيد يطرق الأبواب والحال يغني عن المقال، يأتي ونحن نحاول جاهدين لملمة شتات أمورنا وما أثقلتنا الأيام بالهموم، لنفتح قلوبنا للعيد، ونشرع أبوابه للبهجة، ونستقبله بقلوب راضية، لا هروبًا من الواقع وتشابكاته، بل هو الإيمان بأن الحياة لا تختزل في لحظات المحن، ولا تتوقف عند أبواب الابتلاءات، وأن اليأس لا يليق بالقلوب التي تعرف ربها عز وجل، إنما يمضي المؤمن واثقًا رغم كل شيء، أن العيد يحمل رسالة أمل بأن الغد أجمل، وأن الخير قادم لا محالة، وأن الله تعالى وعد: (سيجعل الله بعد عسر يسرًا) (الطلاق:7). إنه وعد إلهي مؤكد بالفرج وتيسير الأمور بعد الشدة والضيق ،وأن الله سيبدل الأحوال والظروف حين يشاء.
إنها بشريات من رب رحيم تزرع اليقين في قلوبنا أن الآلام والأوجاع مرحلة، وأن رحمة الله أوسع من كل شيء، وفرج الله أقرب مما نتخيل ونظن، وحين تتردد التكبيرات يوم العيد في جنبات الكون ويصدح بها صوت الزمان، وكأنها تقول لنا إن الله جل جلاله أكبر من كل هم تحمله صدورنا، ومن كل ابتلاء جعل نومنا شوكًا.
لذا سنفرح بالعيد رغم الواقع العصيب واشتداد المحن والفتن، فالمؤمن الحق لا ينتظر زوال الألم حتى يفرح، لأن الرجاء بالله قوة لا يعرفها إلا من عرف رحمته، ولأن الأمل لا ينطفئ سراجه من قلوب تعلقت بالله. بل يفرح ليقينه أن الله تعالى حاضر في كل حال، وفي كل محنة يتجلى لطف خفي.
سنفرح بالعيد، لأن رمضان لم يكن أيامًا عابرة ولا مجرد صيام عن شهوتي البطن والفرج، كان مدرسة للروح، علمنا الصبر حين جاعت أجسادنا، والرحمة حين شعرنا بأحوال المحتاجين، علمنا الصيام عن الكراهية والقسوة والأنانية والغفلة كل ما يورد الروح موارد الهلاك، علمنا أن الخير في الصدق مع الله ومع النفس ومع الناس، وأن القلب الحي هو ذاك الموصول بحبل الله، وأن قوته تكمن بالافتقار الدائم إلى رحمة الله.
سنفرح بالعيد لأن الفرح بفضل الله من معاني الإيمان، يقول تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون). (يونس: 58)، فرح ممزوج بشكر وامتنان عميق، كيف لا وقد أكرمنا الله تعالى وأعاننا على الصيام والقيام والدعاء، وجعل لنا موسمًا نتطهر فيه مما أثقل ظهورنا من أوزار، ومنحنا فرصة عظيمة للرجوع والإنابة إليه والوقوف بين يديه شهرًا كاملًا، نصوم ونقوم، ندعو ونستغفر ونتوب، نصل الرحم ونتصدق ونتلو كتاب الله ونرجوه جل جلاله أن يتقبل منا طاعاتنا ويغفر لنا ما قصرنا، ونسأله أن تكون تلك اللحظات التي وقفنا خاشعين بين يديه قد كُتبت في صحائف القبول.
سنفرح بالعيد لأننا بحاجة للفرح كحاجة الأرض المتشققة للمطر، بحاجة إليه ليغسل عنا متاعب الأيام ، نفرح حين نتصالح مع أنفسنا، حين نغفر لمن أساء إلينا ونفتح صفحة جديدة نكتب عليها كل مفردات المحبة والألفة والأخوة والتعاون والإيثار، سنفرح حين نزور من نحب، ونتذكر من رحلوا بدعاء صادق يضيء قبورهم، سنفرح حين ننثر الخير والدفء على من حولنا، فرب كلمة طيبة ومصافحة دافئة وابتسامة صافية كانت سببًا في تخفيف ألم وبلسمًا لمهموم.
سنفرح بالعيد، نعم، لأن إدخال السرور على القلوب عبادة، والمصافحة الدافئة ومشاركة الناس بهجتهم وصلة الأرحام كلها عبادة يؤجر المرء عليها.
سنفرح بالعيد، لأن الفرح قربة وطاعة، بل هو امتداد للعبادة حين يكون متصلًا بالله، ، فالعيد يأتي بعد عبادة، صيام أو حج… فالقلب الذي عرف طريقه إلى الله في رمضان لا يضيع ذلك الطريق بعد رمضان، فيكون فرحه شكرًا لله على أن أعانه على طاعته، فهو من معاني الشكر لله على نعمه، وهو إعلان بأن رحمة الله أكبر من كل هم سكن قلبه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا).
سنفرح بالعيد… نعم سنفرح… لأن العيد ليس نهاية رمضان، بل هو ثمرة رمضان، سنفرح بقلوب شاكرة، بدمعة من خشية الله ذرفت في ليالي رمضان، بأرواح مطمئنة، ببداية عهد جديد مع الله، بيقين لا يتزعزع بـ (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا).
ونحن إذ نودع هلال رمضان ونشيع ساعاته المباركة، ونستقبل هلال شوال غرة العيد، نرفع أكف الضراعة ندعو الكريم ونقول: اللهم رب رمضان وربنا، اجعل رمضان شاهدًا لنا لا علينا، وبلغنا رمضان القادم ونحن أقرب إليك وأنقى أرواحًا وأتقى قلوبًا، اللهم اكتبنا من المقبولين ولا تكتبنا من المحرومين، واكتب لنا فرحًا بطاعتك لا يزول وقربًا منك لا ينقطع.
اللهم ونحن على مشارف عيد فرحة الصائمين نسكب إليك العبرات الحرى مخبتين سائلين أن ترفع عن أمة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم ظلم الظالمين، وأنزل رحمتك وسكينتك وأمنك على عبادك المستضعفين تحت كل سماء وفوق كل أرض. تقبل الله طاعاتكم وكل عام وأنتم إلى الله أقرب وأتقى.
