معركة الوعي (277).. فضحتكم غزة وأسقطت القناع عن وجوهكم

حامد اغبارية
1)
تدور الأحداث والأزمات وتتنقل من بقعة إلى أخرى، ويدور الزمان، ويتقلب الدهر، ثم تعود إلى نقطة البداية، إلى أقوى مركز جاذبية في الأرض، إلى فلسطين، إلى غزة، إلى القدس، إلى الأقصى.
يجتهد جند إبليس في لفت الأنظار عن قضية الدنيا، عن أمّ القضايا، ويفتعلون ما يشاؤون من بؤر صراع جديدة يُلهون بها الناس، وإذا بما صنعته غيديهم يرجعهم من جديد إلى فلسطين القضية والأرض والتاريخ والحاضر والمستقبل، ذلك أنهم لا يعلمون أن ما تصنعه أيديهم وما تبتدعه شياطينهم، وما يثيرون من بؤر صراع إنما هي جزء من قدر فلسطين التي تصفع وجوههم في كل مرة يحاولون فيها إخفاءها عن الأنظار.
لذلك فإن ما يجري الآن، من إبعاد غزة عن الواجهة، وإبعاد ما يجري فيها، والأقصى وما يحل به، والضفة وما يدور فيها، عن سلم أولويات الدنيا، إنما هو سكون مؤقت يسبق العاصفة.
لقد فضحتكم غزة وأسقطت القناع عن وجوهكم، وستبقى غزة الكابوس الذي يطاردكم في منامكم وفي يقظتكم، في ليلكم وفي نهاركم… غزة بأشلاء أطفالها ونسائها وشيوخها، وركام بيوتها وأنقاضها، ستبقى تلاحقكم حيثما دُرتم، وستقضّ مضاجعكم حيثما حللتم وحيثما رحلتم. وسترحلون..
2)
تبذل دول الخليج كل ما تملك من أدوات إعلامية، وبمدد من تل أبيب وواشنطن (يا لعجائب الدنيا!) كي تبدو في المشهد الحالي الذي يسجل حربا صليبية- صهيونية ضد إيران، كي تظهر بمظهر الضحية المعتدى عليها، البريئة براءة الأطفال…!
هكذا نعيش مشهدا عبثيا غير مسبوق! واشنطن الصليبية وتل أبيب الصهيونية، تشنّان حربا على إيران الشيعية، التي ترد بصواريخ ومسيرات على دول الخليج السنيّة…! يا للهول!!
لقد فضحتكم غزة وأسقطت القناع عن وجوهكم.؟
لا… دول الخليج ليست بريئة، ولا هي ضحية، بل هي شريك أساس في تلك الحرب الصليبية -الصهيونية ضد إيران الشيعية. وأما القول بأن دول الخليج تلك تمثل أهل السنة، فلنرجع من البداية ولنفحص ما هي السُنّة، وما هي ركائزها وعناصرها ودعائمها، وما تعريفها، ثم نحدد عندها مَن هُم أبناؤها ومن هم أهلُها ومن هم الذين يمثلونها، ومن هم الناطقون باسمها والمنافحون عنها. أما دول الخليج، وأقصد الأنظمة الحاكمة، فلا علاقة لها بموضوع أهل السنّة لا من قريب ولا من بعيد. بل هي (الأنظمة) أشد قسوة على مَن أرادوا إحياء السُنة وإيقاظ أهلها من سباتهم ومن غفلتهم.
وما دول الخليج إلا ثمرة سِفاح سياسي مارسته دول الاستعمار. وما كانت هذه الدول لتستمر لولا أنها واقعة تحت سطوة الصليبية العالمية، التي حولتها إلى قواعد عسكرية، لا لحمايتها كما أوهمتها، وإنما لحماية المشروع الصهيو-صليبي في بلاد الإسلام.
لقد دفعت هذه الدول الخليجية المليارات والتريليونات من الدولارات، وفتحت عرف نومها لأمريكا ظنّا منها أنها ستحميها، فحولتها إل محميات تنهب من خيراتها ما تشاء، فكال حال تلك المحميات كحال قارون الذي غرته أمواله وفرح بها، وظن أنه بها يسود ويهيمن ويسيطر، وبها يشتري أمنه وأمانه، وبها يعزّ. فخسر كل شيء: ماله وبنيانه ونفسه وعزه وأمنه… ودنياه وآخرته، فكان هباء منثورا.
لا…! دول الخليج ليس بريئة ولا ضحية، بل هي قواعد عسكرية تنطلق منها المقاتلات الأمريكية، وتمر عبر أجوائها المقاتلات الإسرائيلية لتدكّ بلاد المسلمين، هذا حدث في الحرب على العراق عام 1991، وفي الحرب على العراق 2003، وفي الحرب على أفغانستان عام 2002، وكما يحدث الآن، وكما سيحدث غدا…
وإنه لولا أن غزة فضحت كل هؤلاء وأسقطت الأقنعة عن الوجوه الكالحة لاستمر هؤلاء في تسويق الأوهام للعامّة مِن الذين نجحت تلك الأنظمة في سوْقهم سوْق القطيع.
3)
لو لم تكن غزة لما انكشف الغطاء عن سوءات العراة..
لو لم تكن غزة لما علمنا المعنى الحقيقي للخيانة.
لو لم تكن غزة لما فهمنا حقيقة الخذلان.
لو لم تكن غزة لما استوعبنا معنى أن تكون عبدا تابعا ولو وضعوا على رأسك التيجان وفي قبضتك الصولجان.
لو لم تكن غزة لما سمع الأصم ولما رأى الأعمى حقيقة الصراع وخلفياته وجذوره….
لو لم تكن غزة لما تحددت معسكرات ولا هويات ولا انتماءات…
لقد فضحتكم غزة، وستفضحكم أكثر، وستعرّيكم أكثر…
وستدور الأحداث وسيدور الزمان، ثم ترجع الدنيا إلى غزة، وإلى القدس وإلى الأقصى، إلى قضية الأمة، إلى قضية الدنيا التي تحدد فيها مصائر دول وأنظمة وأمم.. وستنكشف خفايا وخبايا وأسرار وملفات وخطط والكثير الكثير من التفاصيل …
