لماذا أعلن ترامب الحرب على إيران رغم التقدم في المفاوضات؟

توفيق محمد
في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر “صرحت إدارة الرئيس جو بايدن بأنَّ إسرائيل ستحصل على “كل ما تحتاجه” لدعم هجومها على قطاع غزة الذي تحكمه حركة المقاومة الإسلاميَّة )حماس(” (موقع الجزيرة 6/10/2024) وقد شهدت رئاسة الرئيس الأمريكيّ جو بايدن منذ ذاك إلى أن انتهت ولايته في شهر كانون ثانٍ (يناير) 2025 جسرا جويا زوَّد إسرائيل بكل ما تحتاجه من أسلحة وقدرات عسكريَّة، ناهيك عن المساعدات الماليَّة ومساعدات برامج الصواريخ، ودون الخوض في الأرقام والكميات، فهي في الحقيقة مهولة وكثيرة جدا لدرجة ان الخبراء العسكريين أكَّدوا أن كمية القنابل والمتفجرات والصواريخ التي ألقيت على غزة تعادل 5 قنابل ذريّة من التي أُلقيت على هيروشيما خلال الحرب العالمية الثانية، ناهيك عن أنَّ كميَّة الذخائر غير المنفجرة في قطاع غزة تتجاوز 7 آلاف طن حسب بيانات للأمم المتَّحدة وتقديرات ميدانية من منظمات الإغاثة، وتشير تقديرات أمميَّة إلى أنَّ هذه الذخائر منتشرة في حوالي 40% من الأحياء السكنية في غزة، ويتركز أكثر من 3 آلاف طن في بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا. (موقع الجزيرة 14/11/2024).
ورغم الدعم اللامحدود الذي قدمه الرئيس الامريكيّ السابق جو بايدن لإسرائيل ولنتنياهو الّا أنّ هذا الاخير وخلافا للأدبيات الدبلوماسيَّة المتعارف عليها بين الدول قد دعم صراحة المرشح دونالد ترامب في سباقه الرئاسيِّ في العام 2024 أمام كاميلا هاريسون التي شغلت منصب نائب الرئيس جو بايدن، وكانت شريكة في قرارات الدعم العسكريِّ والسياسيِّ والماليِّ للحكومة الاسرائيليَّة في حرب الإبادة التي شنَّتها على قطاع غزة، والسؤال الذي يُسأل هنا هو: لماذا دعم نتنياهو ترامب بقوَّة رغم أنَّه حصل على كل ما يريد من بايدن وهاريسون، ورغم أنَّ ترامب كان يخطب ودَّ مسلمي أمريكا في حملته الانتخابيَّة ويعدهم بإنهاء الحرب على غزَّة خلافا لرغبة وإرادة نتنياهو.
الفائز في السباق الرئاسيِّ دونالد ترامب الذي خطب ودَّ أصوات العرب والمسلمين في أمريكيّا خلال حملته الانتخابيّة كما أسلفنا، وكان معنيَّا بإنهاء الحرب على غزَّة قبل استلام مهامه الرئاسيَّة في 20/1/2025، ولكن سلسلة من الزيارات المكوكية لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو غيَّرت مواقفه في كلِّ مرَّة وأطالت مدَّة الحرب حسب مقاسات نتنياهو، وحتى الخطة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكيُّ ترامب والتي لا تلبِّي أدنى المطالب الفلسطينيَّة عدل عليها نتنياهو عدَّة مرات، وفي كلِّ زيارة مكوكيَّة لنتنياهو كانت ترامب يرضخ لطلباته.
في واقع الحرب على إيران لم يكن الرئيس الامريكيّ ترامب معنيا بهذه الحرب بالدرجة الأولى بقدر ما أنّه كان معنيّا بالتوصل الى اتفاق مع الإيرانيّين، لكن كالعادة جاءت زيارات رئيس الوزراء الاسرائيليّ إلى البيت الأبيض، ليغيَّر ترامب مواقفه، ويرسل أساطيله وطائراته وبوارجه إلى الشرق الأوسط، ومن ثمّ أن يبدأ حرب نتنياهو على إيران يوم السبت 28/2/2026.
تزامن كلُّ ذلك مع الكشف عن الوثائق المعروفة بوثائق ابستن، وتزامن بدء الحرب على إيران بحجب عدد من الوثائق المتعلقة بترامب، وذلك يضعنا أمام السؤال المهمَّ: وهو هل يملك نتنياهو هذا القدرة الفذَّة لإقناع ترامب بتغيير مواقفه بنسبة مائة وثمانين درجة حتى ولو كان ذلك يتعارض مع المصالح الأمريكيَّة؟ أم أنَّ نتنياهو يملك من أوراق الضغط على ترامب ما يُمَكِّنه من دفع ترامب إلى تغيير مواقفه بنسبة مائة وثمانين درجة، ثمَّ ما هي علاقة منظومة ابستن في ذلك؟ وما هي علاقة حجب قسم من هذه الوثائق تزامنا مع الإعلان عن بدء الحرب على إيران، رغم أنَّ المفاوضات التي سبقت زيارة نتنياهو للبيت الأبيض كانت تشير إلى تقدم في المفاوضات، وفجأة تغيَّر كلُّ شيء؟ ثمَّ ماذا تحتوي تلك الوثائق المحجوبة من معلومات حتى تكون على هذه الدرجة من الأهميَّة؟
الأيام القادمة هي من ستجيب على كلِّ الأسئلة، والأسئلة كثيرة ومتعلقة بالكثير من القيادات الفكريَّة والأدبيَّة والماليَّة والإعلاميَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والمؤسساتيَّة التي أخضعتها رغباتها الضعيفة لتلك المنظومة.