بعد إسقاط تهم معاداة السامية.. “الطبي البريطاني” يطعن في تبرئة غسان أبو ستة

انتقد الجراح البريطاني من أصل فلسطيني الدكتور غسان أبو ستة قرار هيئة تنظيم الأطباء في بريطانيا الطعن على حكم برّأه من مزاعم معاداة السامية ودعم الإرهاب، متهماً الجهة المنظمة بالسعي إلى “نتيجة مقبولة سياسياً”، في قضية أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الطبية والقانونية.
وكانت هيئة خدمات محاكمة الممارسين الطبيين (MPTS) قد برّأت أبو ستة في كانون الثاني/يناير الماضي من تهم سوء السلوك المهني، بعد جلسات استماع تناولت مقالاً صحفياً نشره وتدوينات على منصة “إكس”. إلا أن المجلس الطبي العام General Medical Council أعلن عزمه الطعن في القرار أمام المحكمة العليا، ما أعاد القضية إلى الواجهة.
خلفية القضية
تعود القضية إلى شكوى تقدمت بها مجموعة الضغط “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل”، على خلفية مقال كتبه أبو ستة في صحيفة لبنانية ومنشورين على منصة “إكس”، اعتُبر أنهما يتضمنان إشارات إلى حركتي حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وخضع أبو ستة في البداية لجلسة أمام هيئة أوامر مؤقتة، التي خلصت إلى أنها “غير قادرة على قبول” دفع المجلس الطبي العام بوجود خطر تمييزه ضد مرضى يهود أو إسرائيليين، مشيرة إلى أن الأدلة المعروضة أمامها كانت تشير إلى العكس. وفي الجلسة الكاملة اللاحقة أمام هيئة MPTS، تمت تبرئته من جميع الادعاءات.
وقال رئيس اللجنة إيان كومفورت إن الهيئة لم تنتقِ اقتباسات من المقال، بل نظرت إليه في سياقه الكامل، ولم تجد ما يمكن اعتباره معادياً للسامية أو داعماً للعنف أو الإرهاب. كما اعتبر محامي الدفاع أن التغريدات موضوع الشكوى لا يمكن تفسيرها على أنها تحريض أو دعم لأعمال عنف.
أبو ستة: محاولة لتقويض عملي الإنساني
الدكتور أبو ستة، الذي قدّم شهادة أمام International Criminal Court وكذلك أمام International Court of Justice بشأن الهجوم الإسرائيلي على غزة، قال إن قرار الاستئناف أعاد فتح ملف كان يعتقد أنه أُغلق.
وأضاف: “عندما رفضت الهيئة الادعاءات، شعرت أن فترة عامين من المضايقات المستمرة ومحاولات تقويض مصداقيتي ـ بما في ذلك شهادتي أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية ـ قد انتهت أخيراً”.
وتابع: “ما يقوله المجلس الطبي العام هو أنه سيواصل المضي قدماً حتى يحصل على القرار الذي يراه مقبولاً سياسياً”.
وأشار أبو ستة، الذي يشغل أيضاً منصب رئيس جامعة غلاسكو، إلى أنه اضطر إلى إطلاق حملة تمويل جماعي بقيمة 150 ألف جنيه إسترليني لتغطية تكاليف الدفاع مجدداً، معتبراً أن “الكلفة الكبيرة لمتابعة هذا الاستئناف، والتي يتحملها الأطباء المسجلون لدى المجلس عبر رسومهم، تثير تساؤلات جدية حول حجم الضغوط السياسية الخارجية على الجهة المنظمة”.
وشدد على أنه “لا يدعم ولم يدعم يوماً العنف ضد المدنيين”، معتبراً أن الاتهامات الموجهة إليه تندرج ضمن “محاولة أوسع لتشويه عملي المهني والإنساني”.
جدل حول حق الاستئناف
تأتي هذه التطورات، وفق تقرير لصحيفة “الغارديان” البريطانية نشرته أمس الاثنين، في وقت أعلنت فيه الحكومة البريطانية نيتها سحب حق الاستئناف من المجلس الطبي العام، وهو إجراء مطروح منذ سنوات. وكان تقرير مراجعة صدر عام 2018 قد أشار إلى وجود انطباع بأن الجهة المنظمة “تحصل على فرصتين لعرض قضيتها”؛ الأولى أمام هيئة MPTS، والثانية عبر الطعن إذا لم يتوافق القرار مع موقفها.
من جانبه، قال متحدث باسم المجلس الطبي العام إن ممارسة حق الاستئناف “تتم بعناية فائقة وبعد دراسة مفصلة”، مضيفاً أن تركيز المجلس ينصب على “حماية الجمهور”، وأن طبيعة الادعاءات تبرر ـ في رأيه ـ الطعن على القرار.
أما مجموعة “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل”، فأكدت في بيان أن لا علاقة لها بقرار المجلس الاستئناف، لكنها تقدمت بشكوى منفصلة إلى هيئة المعايير المهنية بشأن طريقة تعامل المجلس مع القضية وقرار هيئة MPTS، مدعية أن المجلس “لم يعرض معظم الأدلة المتعلقة بسلوك الدكتور أبو ستة في إحياء ذكرى ودعم الإرهاب”.
أبعاد سياسية وقانونية
تعكس القضية حساسية متزايدة في بريطانيا تجاه التداخل بين حرية التعبير، والمواقف السياسية المرتبطة بالحرب على غزة، والضوابط المهنية المفروضة على الأطباء. كما تثير أسئلة حول حدود صلاحيات الهيئات التنظيمية، خاصة في القضايا التي تتقاطع مع ملفات دولية شائكة.
وفي انتظار ما ستقرره المحكمة العليا بشأن الاستئناف، تبدو قضية أبو ستة مرشحة لمزيد من الجدل، ليس فقط بوصفها نزاعاً مهنياً، بل كاختبار لمدى استقلالية الهيئات التنظيمية في مواجهة الضغوط السياسية واللوبيات المؤثرة.
والدكتور غسان أبو ستة هو جراح بريطاني من أصل فلسطيني ورئيس جامعة غلاسكو، معروف بنشاطه الطبي والأكاديمي ومشاركته في قضايا حقوق الإنسان. وقد قدم شهادته أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية بشأن الهجوم الإسرائيلي على غزة، مركزًا على تأثير العمليات العسكرية على المدنيين والبنية التحتية الطبية.
نشاطه السياسي والإنساني جعله هدفًا لشكاوى سياسية، أبرزها من مجموعة “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل”، التي اعتبرت مقالاً كتبَه وتدوينات على منصة “إكس” تحتوي على إشارات إلى حركتي حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
رغم هذه الاتهامات، برأته هيئة خدمات محاكمة الممارسين الطبيين من جميع المزاعم، مؤكدين التزامه الأخلاقي تجاه جميع المرضى، بمن فيهم اليهود والإسرائيليون الذين قدموا شهاداتهم دعماً له أمام المحاكم.
