أخبار وتقاريرمقالاتومضات

لبنان يدخل التطبيع من الباب الخلفي لتوسيع “اتفاقات أبراهام”

الإعلامي أحمد حازم

كانوا يقولون في السابق إنّ لبنان هو آخر بلد عربي يمكن أن يسير في مسار التطبيع مع إسرائيل، لاعتبارات وظروف سياسية، مثل وجود حزب الله كأكبر قوة عسكرية وسياسية في لبنان، بحكم ارتباط هذا الحزب مع نظام الأسد في سوريا، ومع النظام الإيراني. لكن الظروف السياسية تغيّرت في المنطقة؛ فقد ذهب نظام الأسد بدون رجعة في أواخر عام 2024، وتقهقرت قوة حزب الله عسكريًا بشكل دراماتيكي في لبنان، بعد مقتل زعيمه حسن نصر الله وقادة آخرين من الصف الأول، وانتهت سيطرة إيران على سوريا، وتراجع نفوذها في المنطقة بعد الحربين الأخيرتين مع إسرائيل.

ما يحدث الآن من مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل يظهر بوضوح أن النية لدى الجانب اللبناني، وخصوصًا لدى الرئيس جوزيف عون، موجودة الآن قبل الغد. ويُستدل من تصريحاته أنه حتى على استعداد لفعل ما فعله السادات، ولذلك سارعت وسائل إعلام لبنانية إلى وصفه بالخائن. نتنياهو “لا يعجبه العجب”. كان من المفترض به الترحيب بمبادرة لبنان للتفاوض مع إسرائيل، والتي لم تكن إسرائيل تحلم بها في السابق، لكنه بدلًا من ذلك وضع شرطين للتفاوض. فقد قال: “نتيجة للقوة التي أظهرناها، أعلن لبنان خلال الشهر الماضي عدة مرات عن رغبته في البدء بمحادثات سلام مباشرة، وقد وافقت على ذلك بشرطين: الوصول إلى نزع سلاح حزب الله، واتفاق سلام حقيقي يصمد لأجيال”.

في التاسع من الشهر الحالي، أصدر نتنياهو تعليماته إلى حكومته ببدء مفاوضات مباشرة مع لبنان في أسرع وقت ممكن، قائلًا إن المحادثات ستركز على نزع سلاح حزب الله وإقامة علاقات سلمية بين البلدين. تعليمات نتنياهو لم تأتِ فجأة أو بدون سبب؛ فقد جاء في بيانه أن طلبات لبنان المتكررة لفتح مفاوضات مباشرة مع إسرائيل هي التي دعته لإصدار هذه التعليمات. وكان رئيس وزراء لبنان، نواف سلام، قد أمر الجيش وقوى الأمن بتطهير بيروت من السلاح غير الحكومي، والمقصود سلاح حزب الله، وهو بذلك يلتقي مع نتنياهو في المطلب بشأن سلاح حزب الله.

لبنان هو إحدى الدول العربية التي لم تُبرم اتفاقية سلام رسمية وشاملة مع إسرائيل حتى الآن، إذ لا يزال في حالة حرب منذ هدنة عام 1949، بينما أبرمت دول عربية أخرى اتفاقيات سلام، مثل مصر والأردن، أو اتفاقيات تطبيع في إطار “اتفاقيات أبراهام”، مثل الإمارات والبحرين والمغرب والسودان. وتُعدّ اتفاقية الهدنة لعام 1949 الإطار الرسمي الوحيد الذي وقّعه لبنان مع إسرائيل عقب حرب 1948.

اليوم، واستنادًا إلى تصريحات نتنياهو، يدور الحديث عن مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل من خلال ممارسات رسمية. ففي الثاني من الشهر الماضي، رفعت الحكومة اللبنانية الشرعية عن حزب الله، وطلبت من الجيش اللبناني الانسحاب من أمام الاحتلال في الجنوب، والتوجه لقتال الحزب شمال نهر الليطاني. وبذلك وضعت الحكومة نفسها مع إسرائيل، في إشارة إلى استعدادها للتفاوض. كما أعلن الرئيس اللبناني، جوزيف عون، استعداده للتفاوض المباشر مع إسرائيل. ففي التاسع من مارس/آذار الماضي، وخلال لقاء عُقد عبر الإنترنت مع رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عرض عون مبادرة تتكون من أربع نقاط أساسية، كمحاولة سياسية من لبنان الرسمي لوقف التصعيد العسكري الجاري وفتح مسار تفاوضي يهدف إلى تسوية طويلة الأمد: أولها إرساء هدنة كاملة، مع وقفٍ لكل الاعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية على لبنان؛ وثانيها المسارعة إلى تقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلحة اللبنانية؛ وثالثها أن تقوم هذه القوى فورًا بالسيطرة على مناطق التوتر الأخيرة، ومصادرة كل سلاح فيها، بما في ذلك سلاح حزب الله ومخازنه ومستودعاته، وفق المعلومات والمعطيات المتوافرة؛ ورابعها أن يبدأ لبنان وإسرائيل مفاوضات مباشرة برعاية دولية، للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل كل ما سبق.

ليس ما يطرحه الرئيس اللبناني هو الصحيح أو المقبول لدى كل الأطراف اللبنانية. صحيح أن لبنان اتجه إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن، لكن لا يزال في الداخل خطاب مواجهة يتصاعد “حتى ينقطع النفس”، ما يعني وجود مسارين متناقضين: دولة تفاوض، وقوة موازية خارجة على الدولة تقاتل. لقد ذهب لبنان إلى واشنطن من موقع الضعيف، الذي لا يفاوض من ناحية عملية بشروطه، بل يفاوض تنفيذًا لشروط، لأنه لم يعد قادرًا على الاستمرار في الانهيار. وقد علّمنا التاريخ أن القوة العسكرية يمكن أن تحسن أداء المفاوض، وهذا لا ينطبق على المفاوض اللبناني الرسمي، الذي يريد التفاوض لتخفيف الخسائر.

على كل حال، يوجد في لبنان فريقان: فريق يتمثل بالدولة ويسعى للتفاوض مع إسرائيل، وفريق آخر يتمثل بما بقي من “المقاومة” يرفض التطبيع. إذًا، لبنان في أزمة أعمق بكثير مما نتصور: أزمة دولة لم تعد تعرف من يملك قرارها.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل ما زال هناك شيء اسمه قرار لبناني واحد، أم أننا أمام ساحة لعدة أصوات، ولا أحد يسمع؟

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى