معركة الوعي (275) كيف حال الذين باعوا غزة وخذلوها؟!
مشاهد التاريخ تتكرر، و "الحرب المقدسة" متواصلة منذ تسعة قرون
حامد اغبارية
1)
في التاريخ مشاهد ومحطات وصفحات متشابهة إلى حد التطابق المذهل، تمثل درسا وعبرة لأولي الألباب، أما الحمقى والأغبياء، والخونة والعملاء، فلا مكان لهم، لأنهم لا يعتبرون ولا يستفيدون من دروس التاريخ شيئا. فإن مائة عام من التجارب المؤلمة التي عاشتها الأمة من لحظة إسقاط الخلافة العثمانية العليّة كانت كفيلة بتفتيت الصخور الصماء، غير أن مِن البشر من يزداد غرقا في ضلالاته وأوهامه، فتراه يبيع نفسه لأعداء الأمة، ويتحول إلى خنجر في خاصرتها، وجسرا يدوسه الطواغيت ليصلوا إلى عُقر دار الأمة سعيا إلى استئصال شأفتها.
2)
في عصر الدولة العبيدية (الفاطمية) التي اعتنقت المذهب الشيعي الإسماعيلي، وحكمت مصر وشمال أفريقيا طوال أكثر من قرنين ونصف القرن، سعت طوال تلك الفترة إلى التمدد نحو المشرق الإسلامي السنيّ والهيمنة على سائر بلاد المسلمين التي تدين بالولاء للخليفة العباسي في الفترة التي شهدت الدولة العباسية حالة من الضعف والانحسار. وقد ظهرت على حدودها ممالك وإمارات شبه مستقلة، مثل الدولة الزنكية، التي حافظت على ولائها للخليفة العباسي. ورغم الصراع الذي استمر عقودا طويلة بين الدولة العبيدية والدولة العباسية، إلا أن الخلافة في بغداد والممالك الداعمة لها لم تقف موقف المتفرج أو المتآمر على الدولة العبيدية التي تعرضت لزحف صليبي متكرر من جهة، وشهدت صراعات داخلية على الحكم من جهة أخرى، وإنما أسهمت عسكريا في تثبيت نظام الحكم واستقراره، وتصدت للزحف الصليبي الذي أفشله الزنكيون ومنعوا سقوط مصر في يد الملك الصليبي عموري. فقد أدرك الزنكيون أن سقوط مصر (وإنْ كانت شيعية متصارعة مع أهل السنة على الهيمنة على بلاد المسلمين) يعني سقوط هيبة الإسلام، وسقوط المزيد من البلاد المسلمة تحت الحكم الصليبي، ما يعني أن الدور سيأتي على بلاد الشام وصولا إلى عُقر دار الخلافة في بغداد. ومن رحم هذه المحطة التاريخية الحاسمة ظهر تحديدا جيل صلاح الدين الأيوبي، ذلك القائد العسكري الشاب الذي شارك في الدفاع عن مصر الفاطمية أمام الصليبيين، ليصبح وزيرها السنيّ الأول تحت حكم الفاطميين، ثم لتصبح مصر بعد فترة وجيزة تحت حكمه هو، ولتعود مصر وسائر شمال أفريقيا إلى منهج أهل السنة وإلى الانضواء تحت لواء خلافة أهل السنة.
وها نحن اليوم نعيش مشهدا مماثلا، لذاك المشهد الذي عاشته الأمة قبل أقل من تسعمائة سنة، إذ نجد حملة صليبية – صهيونية على الدولة العبدية الثانية (إيران)، بحجج واهية لا تنطلي إلا على البلهاء، تخفي وراءها الأغراض الحقيقية، بإسناد من دول محسوبة على أهل السُنّة، خاصة في جزيرة العرب، مهد رسالة الإسلام الذي تسعى الصليبية المعاصرة والمشروع الصهيوني إلى اجتثاثه. نعيش المشهد ذاته، لكننا لم نجد إمارة أو مملكة أو سلطنة كالدولة الزنكية، تدرك أن ما يقع على إيران اليوم سيقع على الرياض والقاهرة واسطنبول ودمشق وبغداد غدا، ولم نجد قائدا كصلاح الدين الأيوبي، يفهم تمام الفهم أن خلافات الأمة وصراعاتها الداخلية لا تعني تسليم جزء من بلاد المسلمين للصليبي أو للمغولي، وأن التواطؤ والتآمر والتعاون مع العدو خيانة لها أثمان باهظة، وأن المشروع الصهيوني لا يتوقف عن الزحف سعيا إلى تحقيق أحلام المملكة الكبرى إلا عند اصطدامه بصخرة صمّاء عُمرية أو زنكية أو أيوبية.
3)
هناك حقيقة يجب ألا تغيب عن أذهاننا: إن إيران (بلاد فارس) هي بلاد إسلامية، فتحها المسلمون في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وظلت طوال خمسة قرون تدين بمنهج أهل السنة والجماعة، وكونها منذ الانقلاب الصفوي تدين بالمذهب الشيعي، لا ينفي عنها صفتها كجزء أصيل واستراتيجي من الجغرافيا الإسلامية ومن الهوية الإسلامية، ولا يجوز بأي حال من الأحوال التنازل عنها صمتًا أو تواطؤا أو جُبنا، لأن ذلك هو عين الخيانة.
4)
نعلم جيدًا أن نظام الملالي في إيران يتبع مذهبا شيعيا شديد التطرف، يتعارض تماما مع فهمنا للإسلام عقيدةً وفقهًا وولاءً وبراءً. ونعلم جيدًا أن هذا النظام مُعادٍ لأهل السنة والجماعة معاداة دموية. ونعلم جيدا أن هذا النظام يسعى لبسط منهجه ومذهبه المعروف بولاية الفقيه على جميع البلاد الإسلامية، ونعلم أنه اختطف بلاد فارس (إيران) التي كانت سنيّة المذهب والمنهج طوال قرون، ونعلم أنه سفك من دماء المسلمين من أهل السنة في العراق وسوريا واليمن تحت راية الثأر لمقتل الحسين بن علي عليهما السلام، نعلم ذلك علمَنا أن الحسين وأباه رضي الله عنهما وسائر آل البيت بُرَآء من ملالي طهران ومِن مذهبهم ومَن لف لفهم. ونعلم أن هذا النظام ارتكب من الفظائع في سوريا الشام؛ عقر دار حكم بني أمية ما لا يتخيله عقل. نعلم هذا وأكثر وندركه. ولكنّ ذلك كلَّه وأضعافَه، بل عشرت أضعافه، لا يشكل مبررا ومسوّغا للاصطفاف إلى جانب الحملة الصليبية – الصهيونية، بقيادة ترامب ونتنياهو. بل إن أوجب الواجب الآن هو السعي إلى منع سقوط ذلك القُطر من بلاد المسلمين في براثن هذا الثنائي المجرم الذي يتحرك بناء على نبوءات توراتية- إنجيلية – أنجليكانية، ومن خلال استراتيجية تفكيك العالم العربي والإسلامي وإضعافه وإعادة تشكيله بما يخدم مشروع تلك النبوءات.
5)
برقيات حول الحرب الدائرة رحاها الآن:
– تنبّه جيدا إلى حجم الكذب الذي يصدر عن الثنائي ترامب ونتنياهو وماكنتهما الإعلامية وأبواقهما بخصوص دوافع الحرب وأسبابها وما يجري فيها وما تحقق وما لم يتحقق، وما أُنجز وما لم يُنجز. إنه بحجم الكذب الذي سمعنا مثله أثناء الحرب الكونية على إمبراطورية غزة.
– في معادلة الغرب والشرق، إياك أن تصدق ما يقوله الغرب حتى تثبت صحته. وإياك أن تكذّب ما يقوله الشرق حتى يثبت عكسه. هذه المعادلة نجح الغرب الاستعماري، وطوال عقود طويلة، في زرعها في أذهاننا حتى اقتنعنا أنهم هم فقط عنوان الرواية الصحيحة ومصدر المعلومات الدقيقة، ونحن عنوان الروايات الكاذبة. وهذا ظلم وفجور لا صلة له بالواقع. في هذه المعادلة كن حكيما فطنا ألمعيًّا، وكن من الذين يحسنون الظن بأهلهم لا بأعدائهم.
– للتاريخ فقط: أمريكا خاضت الكثير من الحروب، ولم يسجل التاريخ المعاصر أنها انتصرت في حرب خاضتها منذ الحرب العالمية الثانية، ومثال ذلك فيتنام والعراق وأفغانستان، وغزة… والحبل على الجرار.
– أمريكا لا تحسن سوى القصف العشوائي والتدمير وقتل الأبرياء من المدنيين، وتخريب البلاد، لكنها أبدا لم تنجح في إخضاع شعب احتلت وطنه، ولم تحقق من وراء حروبها الصليبية سوى الفشل والخيبة وأنهار من دماء الأبرياء.
– في العلوم العسكرية فإن القصف الجوي مهما كان مدمرا، لا يمكنه أن يحقق انتصارا. لذلك كل ما يقال الآن يبقى في دائرة التأثير الإعلامي على الرأي العام، سواء في إيران أو في أمريكا التي بدأت مؤسساتها الرسمية وشوارعها الشعبية تتململ غضبا مما ستؤول إليه مغامرات ترامب الجنونية. كذلك الأمر عندما يقولون: سيطرنا على الأجواء الإيرانية بشكل كامل. فقد سيطرت تل أبيب على أجواء غزة طوال سنتين من الحرب، وقبلها طوال سنوات الحصار فما الذي حققته على مستوى الإنجاز العسكري؟!
– يجب ألا نشغل عقولنا بالسؤال السخيف: هل أمريكا تخضع لإرادة تل أبيب وتنفذ أجندتها، أم أن تل أبيب هي التي تخضع لإرادة واشنطن؟ وهل ترامب هو الذي جرّ نتنياهو للحرب أم أن نتنياهو هو الذي ورط ترامب؟ ما يجب أن يشغلنا هو أن واشنطن وتل أبيب تجتمعان على العرب والمسلمين وترميانهم عن قوس واحدة، وأن بلاد العرب والمسلمين تتعرض لحملة صليبية – صهيونية. فلا تشغل بالك بمن يقودها، بل أشغله بالبحث عن كيف تطفئ وقودها.
– الذين خذلوا غزة طوال سنتين وأكثر، كما خذلوها طوال عشرين سنة من الحصار، يدفعون ثمن خذلانهم، ويبدو أنهم يشربون الآن من نفس الكأس الذي شربت منه غزة. ولن يتوقف الأمر عند هذه المرحلة من المواجهة مع إيران. إن الذين سلموا قيادهم للغرب وفتحوا بلادهم لتكون أوكارا لأجهزة المخابرات وقواعد عسكرية لأمريكا لن يطول بهم الأمر حتى يذوقوا فقدان الأمن ومرارة الخوف والجوع. هذه سُنّة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا. إن في ذلك لعبرة….
– عندما بدأت الحملات الصليبية قبل تسعة قرون تحت شعار “الحرب المقدسة” بتأجيج من البابا أوربان الثاني وتجييش من بطرس الناسك، على خلفية إطلاق أكاذيب تتهم المسلمين بالاعتداء على ما يعتقدون أنه قبر المسيح، كانت ضحكات أوربان وملوك أوروبا تجلجل في أرجاء الأرض نشوة بما حققته حملاتهم في بلاد المسلمين عامة وفي بيت المقدس خاصة. وقد شربوا بالتأكيد آلاف المرات نخب انتصاراتهم، ثم انتهى بهم الأمر إلى حيث انتهى.
– لم تنته “الحرب المقدسة”، ولن يقف الأمر عند هذا الحد. فنحن الآن في مشهد غير مسبوق، لا يشبه أيًّا من المواجهات العسكرية التي عاشتها بلاد العرب والمسلمين في مرحلة ما بعد إسقاط الخلافة الإسلامية. ويبدو القادم أشد وطأة وقسوة على الأمة، لكنها قسوة النار التي تصهر التراب لتستخلص منه الذهب الخالص. إنه مشهد بدأ من غزة في أحداث السابع من تشرين الأول 2023 والله وحده يعلم أين سينتهي وكيف ومتى….
