أخبار وتقاريردين ودنيامقالاتومضات

القاعدة القرآنية النسائية والنسوية الجندرية الوضعية

د. محمود مصالحة

حرص الإسلام على إبراز مكانة المرأة المسلمة، وبيان الحكمة العقلية والفكرية عند النساء، فأبرز القرآن الكريم والسنة ذلك في مواضع عديدة، منها ما حدث مع ابنتي شعيب عليه السلام، في الموقف الرجولي لنبي الله موسى عليه السلام، بتكريمه للمرأتين بتقديمهما على الرجال في السقاية، فزاحمهم وسقى لهما ثم تولى إلى الظل ودعا الله عز وجل: {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}، {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}، فجاء موسى أباها وقصَّ عليه القصص، قال له: {لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}، فقالت إحدىهما لأبيها قولها المُخلَّد في القرآن الكريم بقوله تعالى: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}، فقال شعيب عليه السلام: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} وهكذا اُبرم عقد بموجبه يعمل موسى عليه السلام عنده ثمانية سنين.

فقولها {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} ليست كلمة عابرة أو نصيحة انتهى زمانها، إن ابنة شعيب عليه السلام ظهرت في هذا المشهد أنها صاحبة رجاحة عقل وعمق وفراسة فكرية، وحكمة بليغة، بقولها الذي هو غاية في الأهمية {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}، فيمكن أن يعتبر قولها قاعدة قرآنية يُبنى عليها نهضة مجتمع ونهضة أمة، إن موسى عليه السلام القوي الأمين سطَّر بأمانته وقوته تغييرًا في مفهوم مكانة المرأة في المجتمعات، جسده على أرض الواقع في قوم مدين.

ولما قضى الأجل المحدد للاتفاق بينه وبين شعيب عليه السلام، سار بأهله، فلما رأى نارًا من جانب الطور، طلب منها أن تمكث مكانها حتى يأتيها بقبس من النار لتستدفئ، هكذا كان في خدمة أهله. قال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ}، هناك كلمه ربه، وهناك أرسل وألقيت عليه مهمات، بالذهاب إلى فرعون ودعوته بالقول الليّْن لعله يتذكر أو يخشى، وينقله من الضلال إلى الإيمان والرشاد، وأن يرسل معه بني إسرائيل، لكن فرعون الطاغية أبى تكبرًا كعادة الطغاة من الزعماء والملوك المستبدين، ولكن التغيير أجراه الله على يدي موسى عليه السلام وانتهى بإهلاك فرعون وجيشه الجرار وانتهت حقبة فساده، وانقذ بني اسرائيل من بطشه، وحصل التغيير الأكبر الذي أحدثه الله على يدي القوي الأمين موسى عليه السلام.

والقاعدة الفكرية النسائية القرآنية النهضوية {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}، بقيت محفوظة لابنة شعيب عليه السلام في القرآن الكريم، وباتت عابرة للأزمنة والعصور، لا تنتهي صلاحيتها. فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، تمتَّع بصفات عظيمة بما فيها القوة والأمانة، فهو المُلقب بالصادق الأمين، والصادق المصدوق صاحب الحكمة والقوة العقدية والبدنية والفكرية، والدراية القيادية المُؤيدة والمُسددة من الله عز وجل، فهو الأسوة الحسنة في كل شيء، فغيرَّ واقع أمة العرب من حالة الشرك إلى حالة التوحيد، ومن الفُرقة والاقتتال القبلي إلى وحدة الأمة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الجهل إلى العلم.

فأنشأ في المدينة دولة كانت لها صولة وجولة، وبعده وعلى منهاجه تعززت الدولة وقُوِّيت وتوسعت، فسطَّر الخلفاء الراشدون حكمًا عادلًا، فأبا بكر وعمر تمتعا بالقوة والأمانة والعدل في نشر رسالة الإسلام، وأكملا البناء على قاعدة (القوة والأمانة)، وهما قيمتان تندرج تحتهما قيم كثيرة، فقيمة الأمانة التي هي من أمهات القيم الإسلامية، تندرج تحتها قيم كثيرة، منها قيمة الاستخلاف التي هي غاية الدين ونظام الإمارة والحكم والدواوين، ومجلس الحلِّ العقد، تحكمها قيمة الأمانة، فالخليفة والوزير يتم اختياره أو انتخابه وفق قاعدة القوة: (العقدية، والفقهية، الفكرية، العلمية، القيادية والقوة البدنية)، فهذه القوى لا تنفك عن قيمة الأمانة، بل متلازمةٌ معها تصوبها إن بدا منها انحرافًًا عن المنهج، فلا رشوات ولا محسوبيات، ولا توظيفات بلا كفاءات، لكونها تحت حكم الأمانة التي أمر الله بها، لقوله تعالى: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} فقيمة الصدق أمانة، وبر الوالدين أمانة، تربية الأبناء على القيم أمانة، فالرئيس مؤتمن والقاضي مؤتمن، والمدير على المؤسسة مؤتمن، والمدرس على الطلبة مؤتمن، والأب على أسرته مؤتمن، وإقامة المؤسسات العلمية والبحث العلمي أمانة، إقامة المجتمع الإسلامي المتكافل أمانة، والأمة مؤتمنة على انتخاب الرئيس الأمين وكذلك مجلسها الشوري، وحماية بيضة المسلمين والدفاع عنهم أمانة في عنق قيادة الدولة الاسلامية.

فالقاعدة النسائية القرآنية العقدية الفكرية {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} كانت ولا تزال قاعدة تُبنى عليها الأسرة، بدءًا من اختيار الزوج لزوجته وقبولها لتكوين اللبنة الأولى التي يبنى عليها المجتمع القيمي السوي، وتبنى عليها الأمة.

إن ابنة شعيب التي أجرى الله على لسانها هذه القاعدة الإنسانية، تشكل أصلًا ومنهجًا في تقنين القوانين والتشريعات والأفكار، والأسس التربوية في بناء الأجيال المسلمة التي هي عماد التغيير التربوي والثقافي والانتماء الهوياتي ونهوض المجتمعات والأمة الإسلامية من جديد.

فشتان ما بين الأيدولوجية النسوية الفيمينزم الجندرية الشذوذية الغربية المُفككة والهدامة للمجتمع، والإلحادية الإنحلالية العدمية المُبطلة للقيم والرقي المجتمعي الإنساني، التي ترجع إلى العصور الإغريقية، وإلى قوم لوط والأقوام البائدة قبل آلاف السنين، إنه فكر ومنهج مُتخلِّف رجعي عدمي هدام؛ انتهى زمانه وشيع ودفن في جزيرة ابستين، أما الفكر الإسلامي النسائي النهضوي الإنساني الحضاري، فعليه يتم بناء الأمة، فلا التفات إلى ايدولوجيا الباطل. فإن القاعدة القرآنية النسائية قاعدة ابنة شعيب عليه السلام القرآنية الإنسانية {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} هي الباقية برُقيِّها، والمخالف لها آيلٌ إلى حتمية الزوال مهما تعلقت تلك النسوية بمنهجيتها الشذوذية الغربية بحبل الامداد من صناديق الإضلال الغربي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى