يوم المرأة العالمي ومعارك دون كيشوت
ليلى غليون
يوم الأحد المقبل هو الثامن من آذار، وهو التاريخ الذي أقرته الأمم المتحدة من ضمن أيامها العالمية كيوم عالمي للمرأة، هذه المناسبة بدايتها كانت في ذاك العالم الغربي احتجاجًا على بخس المرأة حقها في الأجور وإعطائها أقل من الرجل مع العلم أنها تعمل نفس العمل ونفس الساعات، ولكن القضية انحرفت عن مسارها وأهدافها والتي بدأت بالمطالبة بالمساواة بالأجور ليتحول الخطاب وينتهي بالسعي المحموم لجندرة المجتمع، وحق ملكية الجسد وحرية التصرف فيه التي تنادي به المؤتمرات المتعاقبة في الأمم المتحدة وتبنتها المركبات النسوية.
وللحقيقة، فإنه يخيل لي وأنا أقرأ وأتابع الحراك النسوي الخاص بما يسمى قضية المرأة، وكأن هناك معركة وجود تدور رحاها بين خصمين وندين هما الرجل والمرأة، يسعى كل فريق منهما للانتصار لذاته على حساب ذات الآخر.
فالرواية التي يتم تكريسها وتسويقها والتداول بها، أن المرأة (الضحية) مسحوقة تحت عجلات قسوة وتسلط الرجل (الجلاد) وأنها مسلوبة الإرادة والوجود من قبل هذا المتسلط الظالم الذي هو أصل بلائها ودونيتها وهضم حقوقها، والمطلوب منها أن تنتفض وتتحرر من عبوديته وتنتزع حقوقها انتزاعًا حتى تسترد عافيتها أولًا وتتمكن بعدها من إثبات وجودها والمشاركة في مجالات الحياة عامة.
فالقضية إذن كما يتم تسويقها من قبل هؤلاء هي معركة بكل ما تحمل الكلمة من مدلول، معركة مصيرية ضد الرجل السادر في ظلم المرأة!!!
ولتكريس وترسيخ هذه الرواية بصورة أعمق، تتسلل ببطء بعض المصطلحات الملغومة، كالمجتمع الذكوري أو السلطة الذكورية، والمساحات الواسعة والامتيازات الكبيرة التي يخصصها ويمنحها المجتمع لتكون من نصيب الذكر بينما الأنثى تجتر الحسرة والظلم على هوامش هذه المساحات والامتيازات، لا بل يتم الغمز واللمز، بل الطعن في النصوص الشرعية، وتفسر بفهم قاصر وموتور أنها موظفة لصالح الرجل بينما المرأة تقف كالجندي الأعزل لا تملك من أمرها شيئًا. أليست هذه الصورة هي التي تظهرها وترفع شعارها المركبات النسوية؟
إنني في هذا السياق لن أرتدي نظارة سوداء تحجبني عن حقيقة أن هناك ثمة خلل في مجتمعنا، وأن هناك امرأة ما تعاني من رجل ما، وأن هناك امرأة مسحوقة الحقوق بسبب رجل، ولكن أليس من العدل والإنصاف أن نقول أن هناك أيضًا رجلًا يعاني بسبب امرأة، وأن هناك رجلًا خسر دينه ودنياه بسبب امرأة؟!
فكم هو بغيض هذا التقسيم الاستفزازي الذي يرسم صورة مشوهة لحقيقة مشوهة بأن الرجل دائمًا هو الجلاد الشرير، بينما المرأة لا يتم إلباسها إلا لباس الضحية لتكتمل عناصر اللعبة، بل عناصر تحريض المرأة وإيهامها أن عدوها الأوحد والوحيد هو الرجل!
لست في معرض الدفاع عن الرجل في مجتمعنا، ولكنني في نفس الوقت لم أستطع حمل نفسي للوقوف ضده وتوجيه سهام الاتهام إليه بأنه أصل المشكلة التي تعاني منها المرأة، فكم من الرجال الذين نجحوا في كل امتحانات الأنوثة بتعاملهم الراقي المبني على أساس الدين والأخلاق، سواء مع زوجاتهم أو بناتهم أو أمهاتهم أو أخواتهم في الدم أو أخواتهم في الإنسانية، وكم من الرجال فشلوا في هذا الامتحان فشلًا ذريعًا في هذا المجال، وبالمقابل كم من النساء من أبلت بلاء حسنًا في حسن تعاملها وتبعلها وقدمت أروع النماذج مع زوجها وأبنائها ومجتمعها، وكم من النساء من كانت وبالًا ودمارًا شاملًا على أسرتها وتسببت في خرابها، فالقضية ليست في هذا التقسيم البغيض، رجل وامرأة، وليست في الذكورة ولا في الأنوثة، ولكنها في حجم ما يحمله كل واحد منهما سواء كان رجلًا أو امرأة، من الإنسانية وروعتها وقيمها ومبادئها.
وبرأيي أنه إن كان هناك قضية تستحق البحث والمعالجة، فإنها قضية الموروثات البالية التي لا زلنا نتناقلها رجالًا ونساء والتي تصب في ظلم المرأة، والتي هي جزء من قضايا مجتمعنا المتراكمة، حيث في كثير من الحالات تكون المرأة هي الجلاد على بنات جنسها!
وليس أدل على ذلك من اعتراض أم (والتي هي بالطبع أنثى) على زواج ابنها من مطلقة أو من فتاة تكبره عامًا أو عامين حتى ولو كانت هذه الفتاة أو المطلقة امرأة صالحة تملك من الأخلاق والقيم والتعامل الحسن الشيء الكثير!
أليست هي في بعض الأحيان، من لا تسعها الدنيا فرحتها عندما تعلم أنها ستكون جدة لمولود ذكر بينما تبتسم على امتعاض واستحياء عندما تُبشر بالأنثى؟
أليست هي من قد تقيم الدنيا ولا تقعدها عندما تعلم بتدليل ابنها لزوجته وأنه يساعدها في البيت وفي الأولاد وتتهمه بعدم الرجولة وأنه (محكوم لزوجته)، بينما لو وجدت تلك المعاملة عند زوج ابنتها فرحت واستراح بالها وقالت: (الله يرضى عليه ما نقص على بنتي اشي حتى فنجان القهوة بحضرلها اياه) والأمثلة كثيرة والمجال لا يتسع.
وللأصوات النسائية الصاخبة التي تطنطن في هذا اليوم وغيره أقول: المعركة الندية التي تدفعن بها المرأة لخوضها لن يكون الخاسر فيها المرأة والرجل فقط، بل هو المجتمع بأسره، وإن كانت المرأة بحاجة للتحرر، فإنه التحرر من الموروثات الجاهلية البائسة التي هضمت المرأة حقها والتي كفلتها لها الشريعة الإسلامية، بالإضافة للتحرر من منظرات قضية تحرير المرأة اللواتي يوهمنها أن الرجل عدوها الأوحد، فالمرأة بحاجة للتحرر من وهم الحرية المزيفة التي تنادين بها وترسمن الطريق للمرأة للوصول إليها، والتي لن تصل بها إلا إلى الدمار وخراب الديار.
وفي هذا اليوم أقول أيضًا: نعم أنا امرأة وأنا أنثى وأعتز بأنوثتي وحريتي التي كفلها لي إسلامي، ولكنني أتبرأ من هذه المهزلة والمسرحية المسماة يوم المرأة العالمي، ولا أقبل، بل لن أستقبل سيل التهاني والمعايدات التي ستملأ الدنيا ضجيجًا وصخبًا والمغلفة بباقات السخرية والضحك على الذقون، ولن أخوض معركة التحدي الأعمى مع أخي الرجل، تلك المعركة الوهمية التي تذكرني بمعارك دون كيشوت.