دفء الجيرة بين أصالة الأمس وتحديات الواقع
ليلى غليون
اهتم الإسلام بالعلاقات الإنسانية وعني بها عناية فائقة، ومنها العناية بالجار والإحسان إليه، وقد عزز الإسلام هذه القيمة وجعل للجار حقوقًا عظيمة ومكانة معتبرة، فكثيرة هي النصوص التي تحث وتبين أهمية حسن الجوار وما للجار من حقوق وإكرام، وحفظه من الأذى وتعهده بالخير والإحسان، فالله تعالى قرن حسن الجوار بعبادته لقوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب….) النساء، آية 36.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، فحسن الجوار شعبة من شعب الإيمان وقربى نتقرب بها إلى الله عز وجل.
في الماضي القريب لم تكن الجيرة مجرد علاقة يفرضها القرب المكاني بين الناس، من بيوت متلاصقة أو قريبة من بعضها، كان للجيرة مفهوم عميق يجسد علاقة اجتماعية وطيدة قائمة على التواصل اليومي والمشاركة الدائمة بين الجيران، تعاون، تضامن، محبة، دون تكلف أو انتظار مقابل، حياة تميزها البساطة والطيبة، بل كانت الجيرة ميثاقًا اجتماعيًا وأخلاقيًا يجمع بين قلوب متآلفة قبل أن يجمع بين بيوت متلاصقة، فالجار لم يكن مجرد ساكن قريب من جاره، بل كان شريكًا في تفاصيل الحياة اليومية لجيرانه، فهو حاضر في الفرح والحزن والشدة قبل الرخاء.
والحديث عن الجيرة في الماضي حديث ذو شجون، فلا تكاد تُطرق أبواب هذا الموضوع حتى يستفز مشاعر الأجداد بتنهيدات على ذلك الزمن الجميل – كما يسمونه- لينطلقوا بالحديث عنه، حيث كان الجار يُعتبر وكأنه فرد من أفراد الأسرة دون أن يخرج من دائرة حدوده الاجتماعية ودون أن يتعدى على خصوصيات جيرانه، فأجمل القصص والحكايات، وأحلى اللحظات، وأمتع الذكريات- كما يصف الأجداد- كانت وسط الجيران وتعاونهم وائتلافهم وتجمعاتهم وسهراتهم وطرائفهم والتي شكلت صورة رائعة من التلاحم الاجتماعي والمعرفة الحقيقية بينهم والحياة القائمة على التعاون والمشاركة رغم بساطتها.
وما يشهده الواقع اليوم من تغير اجتماعي عميق مس جوهر العلاقات الانسانية، حيث الجيرة التي كانت من أقوى الروابط الاجتماعية وأشدها رسوخًا، تحولت في الغالب إلى شبه علاقة باهتة يسودها الصمت ويحكمها الاحترام الشكلي وينقصها الكثير من الدفء والتواصل الفعلي.
فاليوم، لم يعد غريبًا أن يعيش العديد من الجيران لا يعرفون بعضهم سوى وجوه يلتقون بها في المناسبات المختلفة، أو تجمعهم الصدفة في مكان ما يتبادلون التحية العابرة، فالواقع يشهد تراجعًا واضحًا في مستوى التفاعل والتواصل الاجتماعي بين الجيران، وفي الغالب يكادون لا يعرفون عن أحوال بعضهم إلا ما ندر.
لا يمكننا تجاهل أن هناك العديد من الأسباب أدت لتراجع العلاقات بين الجيران، فتسارع وتيرة الحياة وضغوطات العمل والانشغال الدائم الذي استنزف معظم الأوقات، فلا وقت يسمح للعلاقات الاجتماعية، بالإضافة إلى النزعة الفردية التي جعلت من الفرد يتقوقع في دائرته الخاصة، فأبواب البيوت أغلب الأوقات مغلقة، وقد ارتفعت أسوارها، والبوابات الكهربائية في ساحاتها تكاد لا تُفتح، وكذلك هيمنة العالم الرقمي على التواصل الانساني والذي له الحظ الأوفر في إضعاف العلاقات بين الجيران والذي بدوره قرب البعيد ولكنه للأسف أبعد القريب، كل ذلك وغيره أدى لإضعاف هذه العلاقات وجعلها في غالب الأحيان علاقة شبه هامشية، وفي أحسن الأحوال تُختصر في المناسبات الكبيرة مثل الأفراح أو العزاء وغيرها.
فاللقاءات اليومية التي كانت بين الجيران في الماضي القريب في الساحات أو أمام البيوت والتي يتحدث عنها الأجداد كلما نبشوا ذكريات الماضي، تراجعت الشيء الكثير، وصور التعاون التقليدية كذلك تراجعت، مثل تبادل الطعام، حيث كانت ربة البيت تطبخ الطعام ليأكل منه معظم سكان الحي، كذلك جلسات السمر المسائية التي كانت تجمع أبناء الحي الواحد تكاد لا تذكر، فدخول التكنولوجيا إلى كل بيت ساهم مساهمة كبيرة في تغيير نمط التفاعل الاجتماعي وخلق مسافة شعورية عميقة بين الناس ومن ضمنهم الجيران أنفسهم.
وهذا التغير بل هذا التباعد، ليس مقتصرًا على الكبار فقط، بل شمل الصغار أيضًا، ومنهم أبناء الجيرة، فلم تعد تراهم يجمعهم اللعب الجماعي والركض في الأزقة أو في ساحات البيوت أو في الطرقات كما كانوا بالأمس القريب، بل أصبحوا يقضون جل أوقاتهم متقوقعين داخل البيوت ترافقهم الشاشات الصغيرة التي لا تنفك عنهم، والتي أغنتهم عن اللعب والتواصل الحقيقي مع أقرانهم.
فوسائل التواصل عمقت هذا الانفصال عند الكبار والصغار، فتقلصت المساحات المشتركة واتسعت المساحات الشعورية رغم القرب المكاني، ليصبح الفرد يعرف تفاصيل حياة الغرباء في مشارق الأرض ومغاربها، ولكنه في ذات الوقت منفصل عمن يشاركه الجدار يجهل إذا ما كان بخير أم لا.
ومع تصاعد النزعة الفردية، يبدو أن الجار لم يعد ضرورة اجتماعية كما كان في السابق، بل ربما خيار قد يُستغنى عنه حسبما تقتضيه الظروف، نعم، فمع تصاعد هذه النزعة، أصبحت الجيرة إلا ما رحم ربي، تخضع للعديد من الاعتبارات، مثل الوقت إذا سمح، أو للمصالح الشخصية وغيرها.
ليس المقصود من هذه المقالة استنساخ صورة الجيرة كما كانت في الماضي، فالماضي له سياقه الخاص ولا يمكن نسخه، والحاضر كذلك، فلكل زمان ظروفه وإيقاعه، وليس المقصود العودة إلى التفاصيل القديمة، ولكننا نطمح باسترجاع روح الجيرة الانسانية القادرة على التكيف مع الحاضر دون أن تفقد جوهرها، القائمة على الاحترام والتراحم والتكافل والتواصل، وإحياء هذه القيم التي منحت الجيرة معناها الحقيقي.
لا يمكننا القول أن روح الجيرة اختفت تمامًا في واقعنا، فلا تزال الطيبة ولا يزال الخير في مجتمعنا رغم كل التحديات المؤلمة التي تعتريه، فرغم التحول الكبير الذي طرأ على العلاقات الاجتماعية، لا تزال هناك علاقة طيبة قائمة بين الجيران وإن كانت في أغلب الأحيان على نطاق ضيق، لكننا لا يمكننا الهروب من الحقيقة التي تقول إن العلاقات بين الجيران تراجعت وضعفت وتقلصت بصورة ملحوظة مقارنة بما كانت عليه بالأمس القريب.
ومع كل التحديات، يمكننا أن نعيد للجيرة صورتها الجميلة في هذا الزمن، والأمر لا يحتاج لجهود جبارة، ولا هو بالمستحيل، بل يحتاج وعيًا واختيارًا يبدأ من الفرد نفسه حين يقرر أن يكون جارًا صالحًا قبل أن يطالب بذلك غيره، فإلقاء السلام، والابتسامة، والكلمة الطيبة، واحترام الخصوصية، والمبادرات الصغيرة مثل السؤال عن الجار، أو تقديم المساعدة إن لزم الأمر، أو المشاركة في المناسبات المختلفة، وحسن المعاملة، كل ذلك يعيد تلك الروح التي قد تبدو ضائعة في صخب الحياة، وهذه الفسيفساء من القيم الجميلة ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، فالجيرة الطيبة ليست ماضيًا جميلًا نبكي على أطلاله، بل هي ضرورة اجتماعية لحاضر ومستقبل أجمل وأفضل رغم تحديات الواقع وإشكالاته.



