أخبار وتقاريرمقالاتومضات

تحالف ثلاثي إسلامي استراتيجي.. هل يغيّر موازين القوى في المنطقة والعالم؟

الإعلامي أحمد حازم

التحالفات والأحلاف العسكرية موجودة في العالم منذ زمن طويل. وقد شهدت الحرب العالمية الثانية (1939–1945) تشكُّل تحالفين رئيسيين: دول المحور (ألمانيا، إيطاليا، اليابان) في مواجهة دول الحلفاء (بريطانيا، الولايات المتحدة، الاتحاد السوفيتي، الصين، وفرنسا). وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء، ظهرت الحرب الباردة بين الشرق والغرب، أي بين الشيوعية من جهة، بزعامة الاتحاد السوفيتي وتكتل أوروبا الشرقية، والرأسمالية من جهة أخرى، بزعامة الولايات المتحدة وتكتل أوروبا الغربية. في تلك المرحلة تأسس حلف وارسو العسكري (الشرقي) وحلف شمال الأطلسي (الناتو) الغربي.

ظلّ العالم على هذه الحال حتى سقوط الشيوعية في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية في تسعينيات القرن الماضي، حيث انتهى فعليًا دور حلف وارسو العسكري، بينما لا يزال حلف الأطلسي قائمًا حتى اليوم.

الغرب، بشكل عام، لا يستطيع العيش من دون عدو. وبعد التخلص من الشيوعية في أوروبا والاتحاد السوفيتي، أصبح الإسلام هو العدو البديل للغرب، وخصوصًا للولايات المتحدة، لا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. وقد جاء في دراسة بعنوان “الرؤية الأميركية للإسلام السياسي في القرن الحادي والعشرين”، نُشرت في 30 كانون الأول/ديسمبر 2016: “في عالم ما بعد الحرب الباردة لم تعد الفروق بين الشعوب أيديولوجية أو سياسية أو اقتصادية، وإنما ثقافية. وقد أثار حدث 11 سبتمبر نوعًا من التضامن تجاه القيم المشتركة التي تجمع أميركا مع الغرب، ونشوء إحساس مشترك بأن هذا (الإرهاب الإسلامي) يستهدف أميركا ومنظومة القيم الغربية بأكملها”. وبذلك جرى تكريس فكرة أن الإسلام هو العدو بالنسبة للغرب.

في ظل الأحداث السياسية والتوترات التي تشهدها المنطقة، والخطوات التي تتخذها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحركات الإسلامية، ظهر تحالف إسلامي جديد قد يغيّر وجه المنطقة وربما العالم أيضًا. ففي شهر أيلول/سبتمبر من العام الماضي، وخلال زيارة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى السعودية، تم توقيع اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك بين السعودية وباكستان، تنص على أن أي هجوم خارجي مسلح على أحد البلدين يُعدّ هجومًا على كليهما.

هذه الخطوة، التي وُصفت بالتاريخية، تحمل أبعادًا استراتيجية عميقة، ولم تأتِ من فراغ، بل هي امتداد لعلاقات بين البلدين يزيد عمرها على ثمانين عامًا، وتحمل رسائل واضحة للمنطقة والعالم. وقد قالت قناة سكاي نيوز عربية إن الاتفاقية تمثل أرضية لمشروع الأمن القومي العربي، وإن التوقيع مع باكستان، بوصفها دولة نووية، يضفي على الاتفاق ثقلًا إضافيًا في ميزان الردع، في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات متسارعة.

أمر آخر بالغ الأهمية تحدثت عنه وكالة بلومبيرغ الأميركية، وهو أن تركيا تسعى حاليًا إلى الانضمام إلى اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك الموقعة بين باكستان والسعودية، ما يعني انضمام دولة إسلامية مؤثرة أخرى ليصبح تحالفًا ثلاثيًا إسلاميًا جديدًا يُنظر إليه بقلق بالغ ويُحسب له ألف حساب.

مصدر سياسي وصفته الوكالة الأميركية بالمطلع ذكر أن محادثات انضمام تركيا إلى تحالف السعودية وباكستان وصلت إلى مرحلة متقدمة، تمهيدًا لتوقيع اتفاق رسمي. وأشارت الوكالة نفسها إلى أن “انضمام تركيا المحتمل سيمهد الطريق لتشكيل تحالف أمني جديد قد يغير موازين القوى في الشرق الأوسط وخارجه”.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما أهمية هذا التحالف الاستراتيجي؟

الجواب بمنتهى الوضوح: إن هذا التحالف الإسلامي يمثل تكتلًا يجمع ثلاث قوى إقليمية، لكل منها ميزة خاصة. فالسعودية تُعدّ القوة الاقتصادية العربية الوحيدة ضمن مجموعة العشرين، وتتمتع بمكانة دينية وسياسية مؤثرة في العالم الإسلامي. أما باكستان، فهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحًا نوويًا، وصاحبة خبرة عسكرية عريقة، وتسعى إلى توظيف قدراتها العسكرية وصناعتها الدفاعية لتحقيق مكاسب اقتصادية. في حين تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتشكل جسرًا جغرافيًا واستراتيجيًا يربط بين آسيا وأوروبا، كما تُعد فاعلًا عسكريًا نشطًا في عدة ساحات إقليمية. وتُعتبر كل من تركيا وباكستان من كبار مصنّعي ومصدّري السلاح.

ويبدو أن خطوة انضمام تركيا، بحكم دورها السياسي والعسكري في المنطقة، قد تعكس تحولًا مهمًا في خريطة التحالفات العسكرية في الشرق الأوسط، خاصة في ظل حالة عدم الاستقرار والتوترات الإقليمية، وعلى رأسها الوضع المتأزم في إيران. وقد يشكّل هذا الانضمام دفعة قوية للتحالف الثلاثي نحو رسم خريطة جديدة للتحالفات في المنطقة.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان وجّه رسالة طمأنة إلى الخارج، وصف فيها هذا التحالف بأنه “منصة ليست موجهة ضد أحد، بل تهدف إلى ضمان استقرارنا الداخلي”. ولاحظ مراقبون أن فيدان لم يستخدم مصطلح “تحالف”، بل اختار كلمة “منصة” عن قصد، في إشارة إلى رغبة تركيا في توسيع هذا الإطار ليشمل قوى إقليمية أخرى مثل مصر، وإندونيسيا، وماليزيا، ودول مجلس التعاون الخليجي.

ومن الطبيعي أن تنظر الهند بعين الريبة إلى هذا التحالف الإسلامي، لا سيما في ظل تنامي التعاون العسكري التركي–الباكستاني، وخاصة في مجال الطائرات المسيّرة. كما أن إسرائيل ليست أقل قلقًا من الهند؛ إذ تشير الصحافة الإسرائيلية إلى أن دخول تركيا في حلف مع قوة نووية مثل باكستان، وثقل مالي وسياسي بحجم السعودية، قد يكسر الهيمنة الأمنية التي تسعى إسرائيل إلى فرضها في المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى