معركة الوعي (270) حرب دينية؟! أنتم من يوقد نارها! لَا يَحِيدُ العَبْدُ عَنْ دِينِ سَيِّدِه
حامد إغبارية
إذا أردتَ أن ترى المسيحيّة- الصهيونيّة عيانًا جهارًا نهارًا، تمشي على قدمين، فليس عليك إلا أن تنظر إلى عيني السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام. وإذا رغبت في سماع طبول الحرب الصليبيّة ضد الإسلام والمسلمين فما عليك سوى سماع فحيح ليندسي جراهام.
ليس لأنّ جراهام هذا أشد حقدًا على الإسلام والمسلمين والعرب والفلسطينيين من سيّده دونالد ترامب، وإنما لأنه يمثل البوق الذي ينعق ترامب بواسطته في كل بقعة من بقاع الأرض الّتي مُلئت ظلمًا وجورًا، وسفكًا للدماء، وانتهاكًا للحقوق، وحطًّا وتحقيرًا لإنسانية الإنسان. فالبوق الملوّث بسموم الكراهية التقمه صاحبُه، والعبدُ لا يحيدُ عن دين سيّدِه، وجراهام هو لسان مقال سيده ترامب؛ ذلك المغرور المتعجرف المنتفش الّذي يمثل النسخة الأسوأ من مسعّر الحروب الصليبية الأولى أوربان الثاني. وقد كان أوربان الثاني ذاك قد ملأ الدنيا ضجيجًا وزعيقًا وعويلًا وأضاليل وأكاذيب عندما أوهم القطيع بأن حروبه ضد المسلمين هي “إرادة الرب لإنقاذ قبر الرب”، وأن “الرب” سيغفر لكل من يشارك فيها ويلعن من يفرّ منها!!
ولا أدري لماذا كلّما رأيت جراهام هذا (وأمثالُه كثيرون بطبيعة الحال) تذكّرت حاكم قلعة الكرك، كلب الروم أرناط (رينو شاتيوني)، ذلك الصليبي المجرم الذي فاق حقده وكراهيته للمسلمين كلّ تصور، وتجاوز تحريضه على سفك دمائهم، بذريعة خدمة الصليب، كل خيال! كان ذلك في عصر الناصر صلاح الدين رحمه الله.
في أحد تصريحاته الأخيرة، أثناء تدنيسه لأرض المسرى قبل أيام، قال جراهام بكل وضوح ودون رتوش، ودون أن يرفّ له جفن: “هذه حرب دينية بيننا وبينكم، سوف نرى من سينتصر! من الذي سينتصر في النهاية؟ هل هم الإرهابيون الإسلاميون المتطرفون الذين يريدون قتل جميع اليهود لأن الله أمرهم بذلك؟ والذين يريدون قتلي لأني كافر؟! هذه مسألة مهمة. ما نواجهه اليوم هو لحظة حاسمة ستحدد مستقبل الشرق الأوسط لألف سنة”!
يعترف جراهام بأن المواجهة هي مواجهة دينيّة، وهذا ما حرصتْ دولته طوال العقود الماضية على تجنب قوله صراحةً، وإن كانت تمارسه على أرض الواقع، وخاصة منذ الحرب التي شنتها على العراق وأفغانستان في أعقاب أحداث البرجين. حتى أن مستشاري مجرم الحرب جورج بوش الابن بذلوا أقصى ما يستطيعون ليُلطّفوا ما قاله بوش يومها من أن الحرب الصليبية قد بدأت، وذلك عشيّة حربه على البلدين المسلمين، وقدموها للقطيع على أنها مجرد “زلة لسان” غير مقصودة. في حين أن واقع تلك الحرب كان يؤكد أنها حرب صليبية ما تزال مستمرة حتى هذه اللحظة.
يزعم جراهام في ذلك التصريح بأن “الإرهابيين الإسلاميين المتطرفين” يريدون قتل اليهود لأن الله أمرهم بذلك، ويريدون قتله لأنه كافر”! وقد كذب.
أولًا: عندما يقول جراهام “الإسلاميون الإرهابيون” فإنما يقصد بذلك كل المسلمين الذين لا يدورون في فلك أمريكا والمشروع الصهيوني، والساعين إلى التحرر والانعتاق من ربقة الاستعمار الحديث والتبعية والمذلة والهوان. هؤلاء جميعًا “إرهابيون متطرفون” في نظر جراهام!!
ثانيًا: لا تاريخيًا ولا في الفقه الإسلامي ولا في الشريعة الإسلامية ما يشير من قريب أو بعيد إلى أن المسلمين أو “الإسلاميين” كما يسميهم جراهام، يريدون قتل اليهود كونهم يهودًا. والله سبحانه لم يأمر بقتل اليهود كما يزعم مسعّر الحرب الدينية الكذّاب هذا، الذي يحرف البوصلة ويحاول غسل الأدمغة بكلام ديماغوغي لا صلة له بالواقع. فالصراع مع المشروع الصهيوني ليس صراعًا ضدّ اليهود لأنهم يهود، بل هو صراع ضد مشروع استعماري إحلالي تقف خلفه روايات دينية مشوّهة لا أصل لها على الحقيقة، بغض النظر عن الجهة التي تمثله، سواء كانت يهودية أم صليبية أم غيرها. وهو أيضًا يخدع القطيع بقوله إن “الإرهابيين الإسلاميين” يريدون قتله لأنه كافر! إذ ليس في الإسلام، لا في النصوص ولا في الأحداث التاريخية، ما يدعو أو يشير إلى قتل الآخر بسبب عقيدته أو بسبب كونه كافرًا. فهو يكذب كما يتنفس، لتبرير جرائم دولته وجرائم المشروع الصهيوني الذي ترعاه دولته. ولم يشهد التاريخ الحديث قتل الآخر بسبب دينه وعقيدته إلا في الغرب الأمريكي المتوحش وفي أوروبا الصليبية الاستعمارية. وهناك آلاف الشواهد التاريخية على ذلك، ويكفي مثال واحد للصراع الديني في إيرلندا الشمالية بين الكاثوليك والبروتستانت، والذي سُفكت فيه دماء الآلاف، للتدليل على من يسعى لقتل الآخر بسبب دينه. وهذا ليس في التاريخ الحديث وحسب، وإنما في التاريخ القديم من اللحظة التي قرر فيها قسطنطين اعتناق عقيدة الصليب، وفرضها على مواطنيه بالحديد والنار، وقتل كل من رفض اعتناقها. ونجد مثل هذا أيضًا في محاكم التفتيش في القرون الوسطى، والتي تجلت فيها الفاشية الدينية في أقذر صورها. وللمفارقة، كان ضحاياها من المسلمين واليهود في بلاد الأندلس. ولم يجد اليهود يومها ملجأً آمنًا إلا في بلاد المسلمين. يا سبحان الله! فعلى من “يبُخّ” فحيحه المسموم ليندسي جراهام هذا؟!!
ثالثًا: إن الذين قتلوا اليهود (بالملايين) لمجرد كونهم يهودًا هم تحديدًا الأوروبيون (المتنورون جدًا، والحريصون على حقوق الإنسان جدًا!!)، وخاصة في ألمانيا، ولكن ليس في ألمانيا فقط، وإنما في جميع الدول الأوروبية. وما عانى اليهود في تاريخهم بعد السبي البابلي كما عانوا في الغرب!!
في تصريحات سابقة له (في تموز 2025) قال ذلك الصليبي خريج الكنيسة الأنجليكانية، إن “إسرائيل ستفعل في غزة ما فعلناه في برلين وطوكيو”!! وهو يقصد استخدام أقذر أنواع الأسلحة وأقذر الوسائل الحربية لتدمير ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية! وكل هذا بدوافع صليبية صهيونية شديدة الوضوح. مؤكدًا في تصريح آخر: “نحن ذاهبون للحرب من أجلك يا إسرائيل”. فهي حرب تقف خلفها عقيدة دموية تسعى إلى تحقيق نبوءات توراتية لا تخفى على ذي بصيرة.
ومن شدّة دموية هذا الصهيو-صليبي فقد كان قبل أيام قد تحدث عن التهديد بشن حرب على إيران، قائلًا إن المسألة لا تتعلق بمبدأ الهجوم على إيران، أي أن مبدأ الهجوم قائم أصلًا واتُّخذ بشأنه قرار، وإنما يتعلق بحجم هذا الهجوم، هل سيكون كبيرًا أم صغيرًا. وهو -كما قال- يفضل الهجوم الكبير! وهذا يتقاطع مع تصريح كبيرهم ترامب الذي علّمهم السحر، والذي صرح منتصف هذا الأسبوع أنه سوف يمحو إيران عن وجه الأرض إذا ما حاولت اغتياله!! علمًا بأن ترامب ومن حوله من أبواق السوء هم الذين هددوا باغتيال خامنئي؛ رأس النظام في إيران، وهم الذين نفّذوا وينفذون الاغتيالات في كل مكان. وبطبيعة الحال فإن محو إيران عن وجه الأرض، ومحو كل من هم خارج القبضة الأمريكية- الإسرائيلية، غاية ما يصبو إليه المشروع الصهيوني…
لا يمكن لقارئ للأحداث، أو باحث يريد التأصيل للمرحلة الحالية والمرحلة القادمة، أن يتجاهل كون ما حدث منذ السابع من تشرين الأول 2023 محطة فاصلة في تاريخ الصراع، سواء الصراع على فلسطين، أو ما يلحق به من ارتباط سياسات دول العالم الكبرى، وفي مقدمتها أمريكا. فقد أحدث ذلك الحدث زلزالًا غير مسبوق في كثير من الحسابات، وشطب الكثير من الخطط، وعطّل الكثير من المسارات، ووضع الكثير من القوى في حجمها الطبيعي، وفي مكانها الصحيح. وإن ما يجري اليوم وما سيجري غدًا يؤكد أنه لا يمكن العودة إلى الأوضاع التي كانت قبل السابع من تشرين الأول. وإن الأحداث تحمل مؤشرات على أننا مقبلون على مرحلة تختل فيها موازين، وتتغير فيها قوى، وتحتفي فيها هيمنات وفزّاعات فارغة، وتظهر فيها قوى جديدة، وتؤخذ بالحسبان معطيات جديدة لم تكن موجودة قبل ذلك. نحن الآن في مرحلة فرز معسكرات وتحديد ولاءات. وهي مرحلة قد تستغرق سنوات، لكنها واقعة في مرحلة ما. وعندها سيكتشف ليندسي جراهام وسيده وأمثالهما حجم الخطأ الذي وقعوا فيه! وسنعرف عندها شكل ما يسميه هو “مستقبل الشرق الأوسط” لألف سنة قادمة! أما ما نعرفه نحن الآن، على وجه اليقين، فإنه لن يكون لأمريكا ولا لغيرها مستقبل في بلاد المسلمين، وإنه سوف تتغير حدود وتُهدم سدود وتختفي كيانات مزيفة كثيرة من الوجود.
نعلم أن الله تعالى يُملي للظالمين حتى يصلوا إلى حافة الهاوية ثم يخرّون في القاع كأنّهم لا شيء. وهناك طواغيت ظَلَمة تأتي لحظة من الزمن يزول فيها مُلكهم في ذروة استعلائهم، ولكنْ تبقى دُولُهم، لأنّ لها في حياة البشرية دورًا. وهناك طواغيت ظَلَمة تأتي لحظة من الزمن يزول فيها مُلكهم وهم في قمة جبروتهم، ولكنْ تزول معهم أيضًا دُولُهم، لأن بقاءها يعطل مسيرة البشرية، كما كان بقاؤها سببًا في إفسادها. هذه {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} (الأحزاب: 62)، {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} (فاطر: 43).



