عكاكيز الغرور الأمريكي من العرب وبطاناتهم

الشيخ رائد صلاح
إنجازًا لبناء قوة عسكرية عالمية أطلقت عليها أمريكا: (قالب الهجوم العالمي). لا تزال أمريكا تضاعف من قوتها العسكرية كل يوم، فمن المستهدف من وراء مضاعفة هذه القوة العسكرية؟ إحدى الإجابات على هذا السؤال كانت قد بيّنتها إدارة بوش المنصرفة عندما أدلت بتصريح اجتهدت فيه أن تكشف عن أسباب غزوها للخليج بعامة وللعراق بخاصة، حيث قالت من ضمن ما قالت فيه:
(1- تشجيع قيام نظام عالمي جديد.
2- صيانة المصالح الأمريكية في المنطقة.
3- ضمان تدفق نفط الخليج العربي والعمل على تثبيت أسعاره.
4- إنقاذ فرص العمل في الولايات المتحدة).
وإلى جانب ذلك ذكرت إدارة بوش أسبابًا أخرى، ولكن يكفي أن نقف على هذه الأسباب أعلاه حتى نعلم أن ما أطلقوا عليه (الحلم الأمريكي) يصبو إلى الهيمنة على العالم باسم فرض النظام العالمي الأمريكي الجديد على العالم وباسم صيانة المصالح الأمريكية التي باتت مقدسة في حسابات كل الرؤساء الأمريكان وإداراتهم، فلو اقتضى الأمر تدمير دولة كاملة أو شعب كامل، فلا حرج في ذلك في حسابات الإدارات الأمريكية ما دام هذا التدمير يحفظ المصالح الأمريكية وينقذ فرص العمل في أمريكا، وكأن دول العالم وشعوبها ملزمة اليوم أن تخدم المصالح الأمريكية، حتى وإن احتاج الأمر أن تضحي بعض هذه الدول بوجودها أو بشعبها.
وهكذا كان تدمير أفغانستان وشعبها، ثم تدمير العراق وشعبه، ثم الانقلاب على الربيع العربي وتدمير دول الربيع العربي وتدمير شعوبها، ولم يقف الغرور الأمريكي عند هذا الحد، بل واصلت أمريكا وعلى المكشوف تدمير غزة وأهلها، وتدمير الضفة الغربية وأهلها، وتدمير لبنان وأهلها، وتدمير إيران وأهلها، ثم ها هو الغرور الأمريكي يفرض سلطته على فنزويلا ويهدد كوبا ويتوعد غرينلاند ويسخر من أوروبا العجوز.
ويعد العدة لمواجهة الصين وتقليم أظافر روسيا، وإلى جانب ذلك كان الرئيس الأمريكي جيمي كارتر وتحت إلحاح من وزير خارجيته هنري كيسنجر، قد صاغ مع مستشاريه أرنست ميدور وهيومان كوارزاي خطة استراتيجية ضد الإسلام، ثم تم الاتفاق في لجنة الاستخبارات في الكونغرس الأمريكي على البدء بتنفيذ هذه الخطة وفق خطوات متدرجة وعدم إشعار الدول المسلمة أن أمريكا تدخل في مواجهة مع الإسلام، وقد أطلق على هذه الخطة (القرن الأمريكي الجديد).
ثم عندما انتهى جورج بوش من مراجعة هذه الخطة عندما تولى منصب الرئاسة الأمريكية، قال جملته المغرورة المشهورة: (إن كل الحضارات سادت ثم بادت لكن هذا لا ينطبق علينا). ونسي هذا المسكين أن قيادة مدنية (عاد العالمية) البائدة سبقته في هذا التصريح عندما قالت وفق ما بين لنا القرآن الكريم: (من أشد منا قوة).
حتى باشر بوش وإدارته بتنفيذ هذه الخطة، وهاكم بعض البنود التي وردت في هذه الخطة:
1- المجابهة العسكرية المباشرة كلما تيسر مع أي حكومة دينية في العالم الإسلامي.
2- قطع جميع أنواع المساعدات الاقتصادية والعسكرية والسياسية عن هذه الحكومات.
3- محاولة احتواء مخاطر هذه الحكومات من خلال تقليص دائرة اتصالاتها الدولية والعمل على عدم توسيع علاقاتها الدبلوماسية مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
4- يتم إدراج هذا النوع من الحكومات على قائمة الدول التي ترعى الإرهاب والدول التي تنتهك حقوق الإنسان.
5- العمل على إثارة المتاعب الداخلية والاضطرابات لهذه الدول كلما أتيحت لذلك فرصة مناسبة، واستغلال هذه الاضطرابات في تقوية النزاعات العرقية والطائفية في هذه الدول.
6- العمل على تقسيم الأقاليم الموحدة لهذه الدول إلى أكثر من إقليم، حتى يتم إنشاء حكومة موالية للغرب في الجزء الثاني من الإقليم.
7- تقوية عناصر النزاع في هذه الحكومات الدينية وغيرها من الدول الإقليمية، حتى يتاح لهذه الحكومات أن تدخل صراعات مباشرة تضعف قوتها ومصادر عتادها.
8- تشجيع الجماعات والعناصر الداخلية على القيام بحركات انقلاب مباشرة ضد الحكومات الدينية، حتى يتم التخلص منها مع الأخذ في الاعتبار ضرورة أن تقدم الولايات المتحدة المساندة التأمينية اللازمة حتى تنجح هذه الحركات في الوصول إلى أهدافها.
9- العمل على تكوين جماعات معارضة قوية لهذه الحكومات الدينية في حال عدم وجودها، وأن تكون هناك دوائر اتصال واسعة مع هذه الجماعات المعارضة وإمدادها بالأموال اللازمة والأسلحة القادرة على زعزعة أركان الحكم داخل هذه الدول.
10- أن تكون هناك أولوية في عمل أجهزة الاستخبارات الأمريكية للحكومات الدينية، وأن تتحين كل الفرص المناسبة من أجل القضاء على هذه الحكومات.
وهكذا باتت هذه البنود لخطة (القرن الأمريكي الجديد) مكشوفة للقاصي والداني، وأنا أجزم أن أمريكا هي التي كانت معنية بكشف هذه البنود حتى تنشر رعبها في مسيرة الأمة الإسلامية العربية ودولها وحكامها وأحرارها وحرائرها، وحتى يكون الكشف عن هذه الخطة بمثابة نشر رعب أمريكي مسبق لقتل كل طموح إسلامي أو إسلامي عروبي أو إسلامي عروبي فلسطيني يسعى إلى تجديد دور الأمة المسلمة ودور الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة، أو دور بناء تحالفات إسلامية أو تحالفات إسلامية عروبية أو تحالفات إسلامية عروبية فلسطينية تتصدى للغرور الأمريكي ولكل من يدور في فلكه من عرب وعجم على اختلاف أسمائهم.
ثم إن الناظر إلى الأحداث المفصلية التي مرت على الأمة الإسلامية والعالم العربي والشعب الفلسطيني، يجد أن الكثير منها كانت تقف وراءها أمريكا وعكاكيزها عربًا وعجمًا، وقد وقعت هذه الأحداث المفصلية ترجمة لأحد بنود هذه الخطة الأمريكية أو ترجمة لأكثر من بند منها.
وعلى سبيل المثال، فقد تم فرض انفصال تيمور عن إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية، وفجأة تحولت تيمور إلى دولة مستقلة، ثم تم فرض انفصال جنوب السودان عن الأم السودان التي كانت تعيش مسيرة تجربة مشروع إسلامي، وفجأة تحولت جنوب السودان إلى دولة مستقلة، ثم تم فرض انفصال أرض الصومال عن الصومال، ولا يزال هذا الوليد الشاذ بين أخذ ورد، وتم فرض قطع الأهواز عن امتدادها الإسلامي العروبي، ولا تزال تعاني من هذه القطيعة حتى الآن، ولا تزال محاولات تقطيع العراق إلى أكثر من دولة مستمرة.
وإلى جانب ذلك تمت صناعة حزب العمال الكردستاني في تركيا لمواصلة الطعن في خاصرة تركيا وعرقلة نموها إلى الأمام، وتمت صناعة حركة قسد في سوريا، وتم مد هذه الحركة بالمال والعتاد، وها هي اليوم لا تزال تطعن في خاصرة سوريا وتعرقل مساعي الرئيس أحمد الشرع الهادفة إلى لملمة جراح سوريا وصناعة المجتمع السوري الواحد بين كل مكونات هذا المجتمع الدينية والعرقية والمذهبية، وتمت صناعة انقلاب مدعوم بقوى خارجية على الرئيس المنتخب الشهيد محمد مرسي، وتمت صناعة انقلاب على مخرجات الربيع العربي في تونس وليبيا واليمن، وها هي غزة تحت الحصار منذ العام 2006، لا لسبب إلا لأن نتائج الانتخابات الفلسطينية لم ترق لأمريكا وعكاكيزها عربًا وعجمًا، وتمت فيما مضى صناعة انقلاب على نتائج الانتخابات الجزائرية عام 1989 لأنها لم ترق لأمريكا وأتباعها، وتمت صناعة انقلاب على الرئيس التركي البروفيسور نجم الدين أربكان ثم على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وهكذا لا تزال الأمة الإسلامية والعالم العربي والشعب الفلسطيني يتلقون الضربات بعد الضربات من أمريكا، ولا يزال تمثال الحرية (هبل أمريكا) يقف على شواطئ نيويورك وبيده الشعلة التي بات دورها معروفًا ومكشوفًا، فهي ليست إلا شعلة لإحراق الشعوب لا لإضاءة طريق الحرية لها كما توهم البعض ذلك، وها هي أمريكا اليوم تعلن حربًا على المشروع الإسلامي بادعاء أنها تحارب الإسلام السياسي، علمًا أنه لا يوجد شيء اسمه الإسلام السياسي، بل يوجد شيء اسمه السياسة الإسلامية، لأنه لا يوجد شيء اسمه إسلام سياسي وإسلام غير سياسي، فالإسلام هو الإسلام ولا يوجد إسلامان.
وكما أن هناك الفقه الإسلامي والاقتصاد الإسلامي والإعلام الإسلامي والتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية والأمة الإسلامية والمجتمع المسلم والبيت المسلم والفرد المسلم، فهناك (السياسة الإسلامية)، ولهذه (السياسة الإسلامية) ثوابت تميزها، وهذه الثوابت هي حجة على كل من يعرف نفسه أنه منضبط بالسياسة الإسلامية، وليس سلوكه حجة على السياسة الإسلامية.
فإن كان سلوكه يتوافق مع هذه الثوابت فهو كما قال منضبط بالسياسة الإسلامية، وإن صادم هذه الثوابت فهو أبعد ما يكون عن السياسة الإسلامية. وقد يقول قائل -وبحق-: ما هي ثوابت السياسة الإسلامية؟ وحول هذا السؤال أصدرت كتابًا بعنوان: (معركة الثوابت) اجتهدت أن أبين فيه بالتفصيل ما هي ثوابت (السياسة الإسلامية)، ومع ذلك هناك حاجة للكتابة عن هذا الموضوع الهام أكثر، وأسأل الله تعالى أن يعينني حتى أكتب عن هذه الثوابت في قادم الأيام، وإلى جانب تأكيدي أنه لا يوجد شيء اسمه (الإسلام السياسي)، بل هناك أصل من أصول الإسلام اسمه (السياسة الإسلامية).
فيرحم الله تعالى ابن تيمية عندما كتب كتابًا بعنوان: (السياسة الشرعية بين الراعي والرعية)، إذ أن هناك (سياسة شرعية)، ولا يوجد هناك (شرعية سياسية)، كأن الشرع الإسلامي هو شرعان، شرع سياسي وشرع غير سياسي، بل هناك (السياسة الشرعية) كأصل من أصول الإسلام.
إلا أن أمريكا وسائر عكاكيزها ما بين عرب وعجم، وما بين حكام ومحكومين، وما بين أصحاب قلم ومراكز أبحاث ورجال إعلام، لا يزالون يتواصون بينهم على فرض مقولة (الإسلام السياسي) على الحاضر الإسلامي العروبي الفلسطيني، كيما ينجحوا وهم في فرض قطيعة بين الحاضر الإسلامي العروبي الفلسطيني من جهة وما بين المشروع الإسلامي ودعاته وأنصاره من جهة أخرى، وكأن هناك شيئًا اسمه الحاضر الإسلامي العروبي الفلسطيني المبرأ من شيء اسمه الإسلام السياسي، وهناك شيء اسمه دعاة المشروع الإسلامي وأنصاره وهم من تفرض عليهم أمريكا وعكاكيزها اسم (الإسلام السياسي).
وفق هذا التقسيم اللئيم الذي اجتمعت عليه أمريكا وعكاكيزها، فإنها تسعى من وراء ذلك إلى نبذ المشروع الإسلامي ودعاته وأنصاره وكأنه خارج سياق الحاضر الإسلامي العروبي الفلسطيني، وتسعى إلى تأليب حكام وجماهير هذا الحاضر على المشروع الإسلامي ودعاته وأنصاره، وتصويرهم كأنهم العدو الأول للحاضر الإسلامي العروبي الفلسطيني، وليست الصليبية-الصهيونية العالمية، وليست الوثنية العالمية، وليست الباطنية العالمية.
ثم إن أمريكا وعكاكيزها تسعى من وراء هذا التقسيم اللئيم إلى توفير الأرضية المستديمة لمواصلة إلصاق تهمة الإرهاب والتطرف والتحريض على المشروع الإسلامي ودعاته وأنصاره، وهي ليست تهمة جديدة، بل الذي يقرأ القرآن الكريم قراءة تدبر يجد أن كل ملأ جاهلي واجه أي نبي، فقد قال لهذا النبي هذه التهمة المعدة سلفًا: (الإرهاب والتطرف والتحريض).
والمضحك المبكي أن أمريكا لما أعلنت عن حظر جماعة الإخوان المسلمين بتهمة الإرهاب والتطرف والتحريض في كل من مصر والأردن ولبنان قبل أسابيع، فإن بعض الملأ العربي المتسلط على الشعوب العربية قد سارع وأعلن تأييده ومباركته لهذا الإعلان الأمريكي، وبعض هذا الملأ العربي قال ونشوة الفرح تسري فيه – من رأسه حتى أخمص قدميه -: (صح النوم) يا أمريكا، لقد سبقناكم في ذلك، وبعض هذا الملأ العربي قال وقد طار من شدة الفرح: ألم نقل لكم ذلك يا أمريكا؟
من قبل وأخيرًا سمعتم لقولنا، وعناوين هذا الملأ العربي الذي أدلى بهذه التصريحات قبل أيام ليست مجهولة بل هي معروفة للقاصي والداني، سيما ونحن نعيش آخر لحظات الحكم الجبري دفيئة هذا الملأ العربي، منتظرين بصبر ويقين استقبال مرحلة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي بشرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيعلم عكاكيز الغرور الأمريكي والعرب أي منقلب ينقلبون عندما تقيلهم الشعوب وتتبرأ منهم ومن كل بطاناتهم المنافقة ما بين بطانات سياسية، وبطانات اقتصادية، وبطانات إعلام وفكر وأبحاث.
هكذا نحن نعرف الرجال بالحق، ولا نعرف الحق بالرجال، ونضع عقولنا قبل مواقفنا وليس العكس، وحاشا لله تعالى أن نباع في يوم من الأيام بدولار أو يورو أو شيكل. لذلك أقولها بلا تردد، إن الذي يحاول أن يروج للقومية العمياء القائمة على اصطدام مفتعل مع الإسلام، والذي يروج للفكر النسوي المنحرف، والذي يروج لمقولة إن المشروع الإسلامي هو طائفي، وإن دعاة المشروع الإسلامي وأنصاره هم طائفيون، إن أصحاب كل هذا الأراجيف إنما يغسلون على يديّ الغرور الأمريكي سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوا.



