البحر والأصوات العالية.. أطفال غزة يخافون كل شيء (شاهد)

لم يعد الخوف عند أطفال غزة مرتبطا بصوت الطائرات وحدها، بل امتد ليشمل كل صوت مرتفع، وحتى البحر نفسه، إذ وُلد هؤلاء الأطفال في زمن الحرب، وكبروا داخل الخيام، ولم يعرفوا من العالم سوى القصف والنزوح والدمار، فتشوّهت ذاكرتهم المبكرة، وصار كل ما هو طبيعي في أعين الآخرين يبدو لهم غريبا ومخيفا.
ففي غزة، لا يبدأ الخوف مع القصف فقط، بل يستيقظ مع أي صوت مفاجئ، ويلازم الأطفال في لعبهم ونومهم، وحتى في لحظات اكتشافهم الأولى للحياة، كاشفا عن أثر نفسي عميق خلّفته سنوات الحرب على جيل لم يعرف يوما معنى الأمان.
حين يرى بعض الأطفال البحر للمرة الأولى، لا ينظرون إليه كمساحة للعب أو متنفس للحياة، بل يسمعون في صوت أمواجه “شيئا غريبا”؛ فالموج، الذي يبعث الطمأنينة في قلوب الآخرين، يتحول في ذاكرتهم إلى صوت مجهول يثير القلق، وكأن آذانهم لم تُدرَب إلا على دويّ الانفجارات.
“بَف”.. الكلمة التي تختصر الخوف
يقول المواطن حسن الجدي، والد الطفلة سمر البالغة من العمر نحو عامين، إن ابنته تخاف من أشياء بسيطة، وضرب مثالا بركوب السيارة، إذ تصاب بحالة رعب شديد عند محاولته اصطحابها لركوبها، كما تظهر خوفا شديدا أيضا عند رؤية البحر.
ويُرجع حسن ذلك إلى أن طفلته ترى السيارة للمرة الأولى في حياتها، بعدما اعتادت خلال الحرب على التنقل عبر عربات تجرها الدواب، وهو ما ترك أثرا واضحا على سلوكها اليومي.
ويضيف أن أصوات القصف والرعب ما زالت حاضرة في ذاكرة ابنته، مؤكدا أن هذه الأصوات تصنع لديها خوفا مستمرا من الأصوات العالية وكل ما يحيط بها، بما في ذلك الألعاب والسيارات وحتى البحر.
ويشير والدها إلى أنه في كل مرة تسمع فيها صوتا عاليا، تلجأ إلى حضنه خوفا، مرددة كلمة “بَف”، في إشارة إلى صوت القصف الذي ارتبط في وعيها المبكر بالخطر.
ويؤكد حسن، أن طفلته رغم صغر سنها باتت تعرف القصف والدمار، فعندما تشاهد منزلا مدمّرا تشير إليه قائلة “بَف”، تعبيرا عن أنه تعرّض للقصف، في مشهد يعكس عمق الأثر النفسي الذي خلّفته الحرب على جيل عاش عامين من عمره الأول تحت هاجس الأصوات والانفجارات.
“مش مقصوف؟” سؤال طفل يهز الوجدان
ولا تقتصر هذه المخاوف على حالة فردية، إذ وثّقت الناشطة الفلسطينية نور أبو ندى، عبر مقطع فيديو على صفحتها الشخصية على منصة إنستغرام، ردّ فعل طفلها عند رؤيته البحر للمرة الأولى بعد عامين من الحرب.
وقالت إن طفلها لم ينشغل باتساع الأفق ولا بزرقة البحر، بل اقتصر سؤاله على عبارة واحدة: “مش مقصوف؟”، في مشهد يعكس كيف بات البحث عن الأمان يسبق الدهشة في وعي الطفولة.
وأشارت أبو ندى إلى أن الحرب لم تغيّر ملامح المكان فقط، بل أعادت ترتيب الأسئلة في قلوب الأطفال، حيث تحوّل الخوف إلى هاجس يومي، وصار الأمان حلما أكبر من البحر نفسه.
#شاهد| بعد عامين من الحرب، طفل من غزة يزور البحر للمرة الأولى، ويتفاجأ بأنه غير مقصوف. لحظة تختصر كيف غيّرت الحرب أبسط مفاهيم الطفولة. pic.twitter.com/GIFPp8o951
— المركز الفلسطيني للإعلام (@PalinfoAr) January 4, 2026
ولاقى مقطع الفيديو انتشارا واسعا عبر منصات التواصل الاجتماعي، وسط تعليقات أكدت أن ما حدث مع طفل أبو ندى يتكرر مع أطفال كثر في العمر ذاته، بعدما عاشوا حرب إبادة استمرت عامين.
وكتب أحد النشطاء: “اقشعر بدني ونزلت دموعي، كلماته كأنها سهام في عيون العالم أجمع”، في حين علّق آخرون بالقول: “سؤاله مش مقصوف صدمته إنه لسه في أشياء طبيعية”.
وأشار متابعون إلى أن الطفل، من شدة ما شاهد من مشاهد القصف والدمار في غزة، لم يعد يتصور وجود أماكن لم تطلها الغارات، لافتين إلى أن البحر نفسه كان هدفا للقصف، غير أن القذائف، رغم عنفها، لا تستطيع تدميره كما دمّرت المباني والأحياء السكنية.
وأمام هذه المعاناة، دعا عدد من الأهالي والمؤسسات المحلية إلى تدخل عاجل من المنظمات الدولية المعنية بالطفولة، عبر تنظيم أنشطة ترفيهية وبرامج دعم نفسي تعتمد على اللعب والموسيقى، لمساعدة الأطفال على تفريغ الصدمات التي علقت في ذاكرتهم، وتخفيف آثار أصوات القصف والانفجارات والرعب المستمرة.
المصدر: الجزيرة



