مآلات الانفلات الإسرائيلي على مستقبل الدّاخل الفلسطيني

بقلم د. حسن صنع الله
يشكّل الوجود الفلسطيني عائقًا جوهريًّا، من وجهة النّظر الصهيونيّة، في تحقيق حلم الدّولة اليهوديّة الصّرفة، على الرّغم من وجود قانون أساس يعرّف المؤسّسة الإسرائيليّة على أنّها دولة قوميّة للشّعب اليهودي، والّذي تمّ سَنُّهُ عام 2018.
لذلك انتهجت جميع الحكومات الإسرائيليّة، بما فيها الحكومة الحاليّة الأكثر تطرّفًا في تاريخ المؤسّسة الإسرائيليّة، سياسات عدائيّة تجاه فلسطينيّي الدّاخل، باعتبارهم خطأً تاريخيًّا من مخلّفات النّكبة يجب تصحيحه بالتّهجير القسري في أيّ فرصة سانحة، وبناءً عليه قامت هذه الحكومات بانتهاج سياساتٍ عدائيّة وعنصريّة تهدف إلى إضعاف وتفكيك المجتمع الفلسطيني في الدّاخل المصنّف خطرًا ديمغرافيًّا، كما وسنّت القوانين المجحفة بهدف تضييق الخناق عليه بهدف استنزافه وتهجيره بشكل صامت.
محاولات المؤسّسة الإسرائيليّة دمج فلسطينيّي الدّاخل في الحياة الإسرائيليّة كانت ولا زالت صوريّة، في مقابل تعزيز حالة الفصل عن الدّولة والاغتراب، فهي ترى أنّه من الخطورة بمكان دمج جماعة قوميّة ترفض التّنازل عن هويّتها الوطنيّة، وترفض تبنّي التصوّر الصّهيوني القائم على أساس التفوّق اليهودي وإنكار الآخر، فالمؤسّسة تعرض على الدّاخل الفلسطيني مواطنة مشروطة بالولاء لها ولروايتها.
ممّا لا شكّ فيه أنّ تغوّل اليمين المتطرّف داخل المؤسّسة الإسرائيليّة، وتغلغله في مفاصل المؤسّسة الرّسميّة له انعكاسات خطيرة على مستقبل الدّاخل الفلسطيني، حيث شملت المؤسّسة الإسرائيليّة بعد السّابع من أكتوبر الدّاخل الفلسطيني كجزءٍ من السّاحات الثّمانية الّتي تخوض ضدّها صراعًا، وعليه كان إنشاء الحرس القومي وتوزيع السّلاح على المواطنين اليهود جزءًا من أدوات الاستعداد للصّراع مع هذه السّاحة.
الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة بجميع مركّباتها ترتكز على فكر صهيوني مسيحاني يؤمن باقتراب أحداث آخر الزّمان، وتؤمن بإعادة بناء الهيكل المزعوم في القدس، كما وتؤمن بضرورة طرد العرب من البلاد، وفي ذات السّياق يرى عالِم السّياسة اليهودي “جون ميير شايمر”، المحاضر في جامعة شيكاغو، أنّ المؤسّسة الإسرائيليّة الحاليّة تتحرّك أكثر من أيّ وقت مضى نحو اليمين المتطرّف، وهو يرى أنّه لا رادع لهذه الحكومة كونها قويّة جدًّا مقارنةً بالكلّ الفلسطيني، وأنّ هذا اليمين المتطرّف يعتقد أن الشّعب الفلسطيني أقلّ من البشر. وعليه يرى “شايمر” أنّ اليمين المتطرّف يبذل قصارى جهده لإعادة كتابة التّاريخ اليهودي من جديد.
يرى بعض المحلّلين الإسرائيليّين أنّ ما هو حاصل اليوم داخل المؤسّسة الإسرائيليّة بمثابة انقلاب على الليبراليّة مقابل تبنّي الفكر الدّيني المتطرّف، والسّيطرة على مفاتيح الدّولة العميقة، وتبنّي الفكر التّوراتي.
لقد نجح “نتنياهو” من خلال تحالفه مع اليمين المتطرّف بالانقلاب على المنظومة القضائيّة، وقضى تقريبًا على الدّولة العميقة داخل الجيش والمؤسّسات الأمنيّة، فعلى سبيل المثال يرى محلّلون أنّ اختيار “ديفيد زيني” لرئاسة جهاز الشّاباك شكّل تهديدًا وجوديًّا على اللّيبراليّة الصهيونيّة، فزيني خرّيج المؤسّسات “الحسيديّة” للراف “كوك”، ويتبنّى نهج الرّاف “تسفي يسرائيل طاو” رئيس حزب نوعم، ووالد زيني عضو في الحزب نفسه، وكذلك الأمر والد زوجته الرّاف “إليعيزر كشتيئيل”.
الصّحفي “بن كاسبيت” أشار إلى أنّ الرّاف “إيلي سدان” رئيس مؤسّسات أبناء دافيد، والذي هو بدوره من تلاميذ الرّاف “طاو”، كان الموصي الرّئيس بتعيين “زيني” لدى “نتنياهو”، و”سدان” هذا يعمل من أجل إحداث انقلاب ديني في البلاد، من خلال الاستيلاء على مناصب وازِنة في المجتمع الإسرائيلي، والعامل المشترك الّذي يجمع بين سدان ونتنياهو هو أنّ لكليهما يوجد عدوٌّ مشترك ألا وهو اليسار الذي يحاول، بحسب زعمهم، الانقلاب على الحكم.
يقول “إيلي سدان”، مؤسّس ورئيس مدرسة بني دافيد التحضيريّة لما قبل التّجنيد، أنّ لديهم اليوم ستّة آلاف خرّيج منتشرين بكلّ الأماكن: في الجيش، في الأجهزة الأمنيّة، والقطاع العام وكلّ الأماكن والبلدات.
بناءً على ما تقدّم يمكن فهم طبيعة الانفلات داخل المؤسّسة الإسرائيليّة، على أنّه تهديد مباشر للكلّ الفلسطيني بشكل عام وللدّاخل الفلسطيني بشكل خاص، فهذا التّهديد يضع فلسطينيّي الدّاخل أمام منعطفاتٍ تاريخيّة خطيرة تتراوح بين سعي هذه المؤسّسة ابتداءً إلى تفكيك النّسيج الاجتماعي للدّاخل الفلسطيني، من خلال تغذية العنف والجريمة المنظّمة ضدّهم، وتعزيز فقدان الأمان الجماعي والشّخصي، ومن ثمّ تشجيع الهجرة الطوعيّة وصولًا إلى الترانسفير في نهاية المطاف.
ومن أبرز آثار الانفلات لدى المؤسّسة الإسرائيليّة: مأسسة العنصريّة من خلال أروقة الحكم والتّشريع العنصري، واستهداف الهويّة الوطنيّة والعمل الوطني ورموزه وتجريمهم وملاحقة الأكاديميّين، وسياسة تكميم الأفواه، وتجريم رفع العلم الفلسطيني، ومنع إحياء ذكرى النّكبة، وملاحقة القاعات التي تسمح بعقد مناسبات وطنيّة، وشرعنة الكراهية والتّحريض الإعلامي، واستفحال الجريمة والإغراق بالسّلاح، خصوصًا بعد تسلُّم بن غفير وزارة الأمن الدّاخلي، هذا ناهيك عن استهداف الحيّز المكاني من خلال المصادرات وهدم المنازل، وتعمد تضييق الخناق على الدّاخل من خلال تقليص الميزانيّات وتعزيز حالة الفقر وسياسات الفصل العنصري كلجان القبول وقانون القوميّة والعودة وغيرها من القوانين…
من الطبيعي في مجتمع معافى وغير مأزوم، أن يؤدّي الشّعور بالإحباط من عنصريّة المؤسّسة ودعمها لدوّامة العنف والجريمة والتمييز على أساس قومي، والتّلويح بالمواطنة المشروطة بالولاء للفكر والرّواية الصهيونيّة، إلى مراجعة طبيعة العلاقة مع هذه المؤسّسة، وإلى تراجع المشاركة السياسيّة البرلمانيّة، وعليه يمكن القول إنّ الانتخابات القادمة تشكّل امتحانًا جدّيًّا للدّاخل الفلسطيني في الاختيار بين الأسرلة وبين تعزيز الهويّة الوطنيّة.
وفي هذا المضمار تلعب بعض الأحزاب العربيّة دورًا سلبيًّا جدًّا، إذ إنّها تُدخل المجتمع في حالة من التّناقض.
في ظلّ تصاعد الانفلات والسّياسات اليمينيّة المتطرّفة يُطرح سؤال حول استطاعة الدّاخل الفلسطيني كسر قواعد اللّعبة، من خلال بناء مؤسّسات موازية على المستوى التّعليمي والاقتصادي، وهل هذا المجتمع، في ظلّ هذا الانفلات، قادر على إعادة تنظيم نفسه داخليًّا على أساس وطني، وبناء جبهة موحّدة لمواجهة السّياسات العنصريّة للمؤسّسة الإسرائيليّة، أم أنّ هذا المجتمع سيرضخ لسياسات التّفتيت الاجتماعي والضّياع السّياسي…
لقد فشلت القوى السياسيّة في الدّاخل الفلسطيني حتّى الآن، في بناء جبهة وطنيّة موحّدة لمواجهة تغوّل اليمين المتطرّف، كما فشلت في رفع احتجاجها على المستوى الدّولي.
والسبب يعود إلى الخلاف الجذري حول طبيعة أدوات النّضال، بين المركّبات السّياسيّة في الدّاخل الفلسطيني، فهناك من يؤمن بالمقايضة السياسيّة مع المؤسّسة الإسرائيليّة والتّأثير من الدّاخل، مع التّنكر والتّنصّل من العمل الوطني والشّعبي وأدواته، وهناك من يرفض هذه المقايضة جملةً وتفصيلًا، ويركّز على الحفاظ على الهويّة الوطنيّة وأدوات النّضال الشّعبي والتّنظيم الذّاتي، من خلال لجنة المتابعة العليا وبناء المؤسّسات والصّناديق الوطنيّة المستقلّة.



