أخبار عاجلةدين ودنيا

العام الجديد.. محطة للتذكير وتجديد العهد

ليلى غليون

تمر الأيام وتمضي الشهور والسنون مسرعة لكأنها أسرع من البرق، فلا يكاد المرء يصدق أن الستار قد أسدل على العام 2025 وطويت فصوله بكل تفاصيلها، ليأتي العام الجديد 2026 ويتربع مكانه، لتبقى الأيام والسنون شاهدة على أعمارنا وأعمالنا وأقوالنا، فلا يبقى لنا إلا ما قدمناه لله خالصًا، فكل عام يمضي هو صفحة تطوى من كتاب حياتنا لن تعود أبدًا، فماذا يا ترى دوّنا في هذه الصفحة؟!

إن تعاقب الأعوام ليس حدثًا عابرًا، كما أن نهاية كل عام ليست محطة للاحتفالات الصاخبة والموسيقى والضجيج والسهر حتى انفلاق الصبح أو السفر إلى خارج البلاد في استقبال العام الجديد، كما هو الحال عند الكثير من المسلمين، إن هذه المحطة من الزمن هي بمثابة نداء ودعوة تهز القلوب في مطارحها، وتوقظ النفوس من غفلتها، ليعيد الواحد منا النظر في مسيرة حياته، ماذا قدم وماذا أخر، ماذا عمل، وبماذا قصر، عله يتنبه قبل فوات الأوان ويصلح ما فاته قبل أن يُطوى سجل عمره وتُغلق صحيفة عمله.

• تذكرنا هذه المحطة والتي يعلن فيها العام الجديد ميلاده، بضرورة محاسبة النفس على عام مضى بكل أشيائه، يحاسب الواحد منا نفسه على كل أفعاله وأقواله مستحضرًا قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد). سورة الحشر، آية 18، إنه نداء من المولى عز وجل لمراجعة الأعمال وتصحيح المسار وإدراك التقصير. كان الفضيل بن عياض رحمه الله يقول: (إنما الدنيا ساعات فاجعلها طاعات).

وكان عمر بن عبد العزيز إذا أقبل الليل يبكي، قيل له: ما يبكيك؟ قال: بكيت على يوم مضى من عمري لم يزد فيه عملي.

فمع إشراقة عام جديد يقف كل عاقل مع نفسه وقفة محاسبة صادقة، مدركًا أن كل لحظة تمر وتمضي تقربه من أجله المحتوم، مدركًا أن أعظم ما يستقبل به العام الجديد هو محاسبة النفس وتجديد التوبة والعهد مع الخالق سبحانه، وأن هذه المحطة (بداية العام الجديد) ليست محطة للاحتفالات والأضواء وغيرها بقدر ما هي محطة تذكير وتنبيه أن أعمارنا هي رأس مالنا الحقيقي، والفوز والنجاح الحقيقي ليس بطول العمر بل بحسن العمل.

• تذكرنا بداية العام الجديد أن الزمن شاهد عدل على أعمالنا، يدون لحظات أعمارنا كلها، ولا يهمل صغيرة ولا كبيرة، وأن هذه البداية تقول لنا بأعلى صوتها محذرة، إن صفحة من أعمارنا قد طويت وصفحة أخرى قد فتحت، فطوبى لمن أحسن الكتابة في هذه الصفحة من أعمال صالحات.

فالكثير منا ينشغل بالدنيا وضجيجها وزخارفها، وقد ينسى أو تأخذه الغفلة أن الأيام والشهور تمضي مسرعة، وأن ما بقي من العمر ربما أقل مما مضى، فتذكرنا بداية العام الجديد بحقيقة الفناء، فنحن والدنيا وما حوت إلى فناء، وأن البقاء لله وحده. (كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) سورة الرحمن، آية 27. فكل عام هو خطوة نحو الآخرة، بل كل لحظة وكل يوم يمضي هو نقص في رصيد أعمارنا وزيادة في القرب من دار القرار.

قال الحسن البصري رحمه الله: (ابن آدم إنما أنت أيام، فإن ذهب يوم ذهب بعضك). وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت فيه الشمس نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي).

• تذكرنا هذه المحطة من محطات الزمن، أن أعمارنا أمانة بين أيدينا، وأن الواحد منا مسؤول عن شبابه وقوته ووقته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه”. فطوبى لمن فطن ودخل عامه الجديد بقلب مقبل واغتنم أيامه قبل أن تكون شاهدًا عليه.

• تذكرنا بداية العام الجديد بضرورة تزكية نفوسنا بالعفو عن الناس، بالتسامح، بالمحبة، بالأخوة، بالتعاون على البر والتقوى، وترك الحقد والغل والكراهية التي سودت بدخانها الكالح الكثير من القلوب، طمعًا بمغفرة الله تعالى واستحضار قوله سبحانه: (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم…) سورة النور، آية 22، لنبدأ السنة الجديدة بنية صادقة ندعوه تعالى أن يعيننا على السير في الطريق الصحيح، وأن يفتح لنا أبواب الخير ويغلق عنا أبواب الشر، وأن يمنحنا الفهم الصافي والتوفيق في طاعته، وأن يمنحنا القلوب الطاهرة التي لا تنبض إلا لرضاه عز وجل. نبدأ بنية للخير والتقوى والصدق وتصفية القلب من كل ما يلوث صفاءه ونقاءه، نبدأ بنية خالصة للمولى عز وجل في كل عمل نقوم به.

• تذكرنا بداية العام الجديد بواسع رحمة الله على عباده ولطفه سبحانه بهم، إذ فتح لهم باب التوبة على مصراعيه، وجعله مفتوحًا ما دامت الأرواح لم تغادر الأجساد. قال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا…) سورة الزمر، آية 53.

• فيا صاحب الذنب، وكلنا أصحاب ذنوب، لا زالت الفرصة أمامك، والباب مفتوح، لست بحاجة لوساطة أو إذن، ادخله بدمعة ندم على ما كان منك، أو دمعة خشية سالت على وجنتيك، وسترى ما يبهرك من كرم مولاك.

يروى أن رجلًا جاء إلى أحد العلماء يسأله عن التوبة بعد حياة طويلة من الذنوب فقال الرجل له: كم بقي من عمرك؟ قال الرجل: لا أدري، فقال له: إذن بادر، فرب لحظة صدق تسبق عمرًا من الغفلة، فالفرصة ما زالت قائمة ما دام القلب ينبض. يقول ابن القيم الجوزية: ما أكثر الأوقات التي ضاعت من حياتنا، وما أعمق الجراح التي خلفتها لنا الأيام، ولكن في كل لحظة يمكن للإنسان أن يبدأ من جديد.

فبداية كل عام جديد هي تذكير حقيقي لنا بأن لا وقت للغفلة، وأن كل لحظة من أعمارنا هي فرصة للإصلاح والعودة والقرب من الله عز وجل.

• تذكرنا بداية العام الجديد بحقيقة الدنيا وسرعة زوالها مهما حوت من زخارف ونعم وإغراءات، فهي وما حوت إلى زوال، ولا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تساوي لما سقى منها كافر شربة ماء كما أخبر بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فالعاقل من اتخذها مزرعة وجسر عبور لآخرته.

فليكن استقبالنا لهذا العام لا كما جرت العادة عند كثيرين، بل بروح جديدة تطفح بالأمل وبقلوب طيبة وبكل ما يقربنا إلى الله تعالى، عسى أن يكون هذا العام بداية خير لمجتمعنا وأمتنا وبداية خير للسلام الداخلي والطمأنينة في نفوسنا وقلوبنا، فكم هي بحاجة إليها بعد أن أنهكتها الأجواء العاصفة التي تعصف بها يمينًا وشمالًا، فالراحة النفسية والسلام الداخلي وطمأنينة القلب التي يبحث عنها كل فرد فينا، لن تأتي إلا بالرجوع إلى الله. فالأيام تمضي والأعمار تنقضي ولا يبقى للإنسان إلا أثر يشهد له عند الله عز وجل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى