أخبار وتقاريرمقالاتومضات

معركة الوعي (267) فمن هو هذا العدو المشترك؟!!

حامد اغبارية

1)

في خضم الأحداث المتتابعة منذ السابع من تشرين الأول 2023، ودخول المنطقة في مرحلة غير مسبوقة من محطات الصراع على فلسطين، يستوقفني حديث نبوي شريف، كنت أراجع قراءته في كل مرة تشهد بلاد المسلمين أحداثا جليلة، وخاصة منذ الحرب الأولى على العراق عام 1991، ثم الدخول في محطة “أوسلو”، ثم أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، ثم الحرب الثانية على العراق عام 2003، والحرب على أفغانستان. كنت أعيد قراءة الحديث الشريف في محاولة لفهم واقع الأحداث، أو في محاولة لإسقاطه على واقع تلك الأحداث. ولم أكن أجد جوابا شافيا، لأن المعطيات، رغم شدّة وطأتها ورغم هول الأحداث، لم تكن تقترب من مقصود الحديث.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الوارد في صحيح أبي داود: {ستُصالِحونَ الرُّومَ صلحًا آمِنًا؛ فتَغْزونَ أنتم وهُمْ عدُوًّا مِن ورائِكم؛ فتُنصَرون وتَغْنَمونَ وتَسْلمونَ، ثم ترجِعونَ حتَّى تَنزِلوا بمَرْجٍ ذي تُلولٍ، فيرفَعُ رجلٌ من أهلِ النصرانيَّةِ الصليبَ، فيقولُ: غلَبَ الصليبُ؛ فيغضبُ رجلٌ مِنَ المسلِمينَ فيدُقُّه؛ فعِندَ ذلك تَغْدِرُ الرُّومُ وتجمَعُ للملحمةِ}. ويعضد هذا الحديث حديث آخر في صحيح البخاري يقول فيه صلى الله عليه وسلم: {اعددْ ستًّا بين يدَي الساعة: مَوتِي، ثمَّ فَتْحُ بيتِ المقدس، ثمَّ موتان يأخذ فيكم كقُعَاصِ الغنم، ثمَّ استفاضةُ المالِ حتى يُعطَى الرجلُ مائة دينارٍ فيظَلُّ ساخطًا، ثمَّ فتنةٌ لا يَبْقَى بيتٌ من العربِ إلاَّ دخلَته، ثمَّ هُدْنة تكونُ بينكم وبين بني الأصفرِ، فيَغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كلِّ غايةٍ اثنا عشرَ ألفًا}.

في قوله “تقاتلون”؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقصد معسكر الحق من المؤمنين، فهو يخاطب المؤمنين بشكل مباشر. ولذلك فإنه لا ينسحب على الأنظمة (العربية) التي تحالفت مع أمريكا ضدّ العراق وأفغانستان، ذلك لأنها أنظمة فاسدة لا تُحسب، ولا يمكن أن تُحسب على معسكر الحق من المؤمنين الذين يقصدهم الحديث. كذلك فإن قوله “عدوًّا من ورائكم” لا يُسقَط على العراق وأفغانستان لأنهما كانتا على الحق، ولا يمكن أن يكون من هو على الحق عدوّا يتحالف أهل الحق من المسلمين مع الروم لمحاربته. كما أنهمنا لم تعاديا الأنظمة العربية، وفي التالي لم تكونا عدوتين لتلك الأنظمة حتى يقال إنها (أي الأنظمة) تحالفت مع الروم (أمريكا) ضد عدو مشترك من ورائهم، إنما كانت تلك الأنظمة (وما تزال) مطيّة لأمريكا تحقق بها أهدافها الاستراتيجية في المنطقة، فلم تكن ندًّا مساويًا في وزنه السياسي والعسكري لأمريكا، كما يُفهم من معنى الحديث. أضف إلى ذلك فإن تلك الأنظمة لم تغنم من تينك الحربين على العراق وأفغانستان شيئا، بل أعقب ذلك ثورات الربيع العربي التي أطاحت بالعديد من تلك الأنظمة، وهددت سائر الأنظمة، وغيرت وجه المنطقة وخريطتها السياسية إلى أجل. لذلك فلا هي انتصرت ولا هي غنمت ولا هي سلِمت، كما في نص الحديث، بل تبين أن الروم (أمريكا) لم تحقق في حربيها ضد العراق وأفغانستان (والقاعدة)، التي امتدت لسنوات، نصرا مؤزرا، بل خرجت من البلدين، خاصة من أفغانستان، تجرجر أذيال الخيبة.

فمن هو (العدو المشترك) الذي يقصده الحديث الشريف؟!

هذه محاولة جديدة لإسقاط معنى الحديث على ما يقع هذه الأيام من أحداث، وهي اجتهاد شخصي نسبةُ الخطأ فيه عالية، غير أن مواقفَ من تاريخنا تترك الباب مفتوحا للمحاولة. ولك أن تقبل هذا المنحى أو ترفضه.

في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو النبي المرسل الذي يتنزل عليه الوحي من السماء، وفي سياق الحديث عن الدجال وزمن ظهوره، وقعت حادثة ابن الصياد؛ ذلك الصبي اليهودي الذي ادّعى النبوّة. فقد شك النبي صلى الله عليه وسلم في كونه الدجال، ثم لما اختبره علم أنه ليس هو.

هذا يعني أنه لا يعلم زمان ظهوره أحد من البشر، حتى لو كان نبيا مرسلا مؤيدا بالوحي. ويعضد هذا حديث آخر للنبي صلى الله عليه وسلم عن فتنة الدجال، يقول فيه للصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين: {…  إنْ يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم…}. ويُفهم من معنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف زمن ظهوره، وهذا يفسّر تعقّبه لابن الصياد كيما يتيقن من أمره. وهذا يمكن أن تفهم منه أن محاولة قراءة الحدث وإسقاط معنى حديث نبوي عليه ممكن، مع ورود الخطأ في التقدير كورود الصواب.

ومن ذلك أيضا ما رواه مسلم في صحيحه من أنه: “هاجت ريحٌ حمراءُ بالكوفةِ، فجاء رجلٌ ليس له هجِّيرى إلا: يا عبدَالله بنَ مسعودٍ، جاءت الساعةُ، قال: فقعد وكان مُتَّكئًا، فقال: إنَّ الساعةَ لا تقومُ، حتى لا يُقسَمَ ميراثٌ، ولا يُفرح بغنيمةٍ، ثمَّ قال بيده هكذا (ونحَّاها نحو الشَّامِ)، فقال: عدوٌّ يَجمعون لأهل الإسلامِ ويجمع لهم أهلُ الإسلامِ”. وهذا في معناه أنه عند وقوع الأهوال يمكن للمرء أن يقرأها مُسقطا عليها ما يفهمه من معاني الأحاديث كما فعل الرجل مع الريح الحمراء.

2)

أما الغيب فلا يعلمه إلا الله تعالى. ولا يمكن لبشر أن يحدد وقت وقوع الأحداث، خاصة تلك المتعلقة بآخر الزمان، ومنها ذلك العدو المشترك الذي سيصالح المسلمون الرومَ ضده، كما لا يمكنه معرفة من هو إلا عند وقوع الأمر. ولذلك فإن هذا مجرد اجتهاد يرتبط بأحداث تجري في زماننا هذا، تحمل إشارات. فالحديث موجّه إلى (المسلمين المؤمنين)، الذين يمثلون معسكر الحق. فوجود هذه الثلة المؤمنة شرطٌ من شروط وقوع الحدث. ونحن نرى كيف بدأت تظهر في أيامنا بوادر تلك الثلة، في بلاد الشام تحديدا، وبدأت تتشكل قوتها وتتضح معالمها. وقد يحتاج الأمر إلى سنوات حتى تكتمل. فالأمر بيد الله سبحانه، وتقع مشيئته متى شاء، كيف يشاء وعلى من يشاء.

3)

جال في خاطري، قبل سنوات ليست قليلة، أن العدو المشترك المقصود هو تنظيم القاعدة. لكنّني تراجعت، إذ لا يمكن أن ينسحب معنى الحديث عليه، لسببين: أولهما أن الذين (تصالحوا- تحالفوا) مع الروم (الغرب) أنظمة فاسدة هي في الأصل معادية للأمة، فلا يمكن أن تكون من الثلة الصالحة التي يشملها الحديث النبويّ. وثانيهما أن تنظيم القاعدة لم يؤذ بلاد العرب والمسلمين، ولم يشن عليهم حربا، ولم يكنّ لهم العداء، بل إنه جاهد ضد السوفييت في أفغانستان، وعرض تقديم العون للنظام السعودي (في عهد الملك فهد) في مواجهة أي خطر بعد اجتياح العراق للكويت عام 1990، كما أعلن الجهاد ضد الوجود الأميركي في بلاد المسلمين، وكان له موقف واضح من استبعاد الأنظمة الإسلامية والعربية الحاكمة للشريعة الإسلامية، فكان عداء التنظيم للأنظمة العلمانية التي تدور في فلك أمريكا والغرب والاتحاد السوفييتي. ورغم عدائه لهذه الأنظمة إلا أنه لم يشنّ عليها حربا مباشرة.

4)

فمن هي تلك الجهة التي يمكن أن نطلق عليها اسم “عدو” يتحالف المسلمون مع الروم ضدّه؟!

في المشهد الحاليّ تضيق الدائرة على مرشّحيْن اثنين: الأول- دولة “ولاية الفقيه” في إيران، والتي يمكن تسميتها “الدولة العبيدية الثانية”؛ هذه الدولة التي قتلت وهتكت واستباحت الحرمات، خاصة في سوريا إبان ثورة الشعب السوري ضد النظام البائد، والتي لا يبدو أنها ستسكت على ما حلّ بها بعد سقوط نظام آل الأسد الطائفي. فخسارتها هناك عظيمة، ولا بدّ أن تسعى إلى الانتقام. والثاني- وتنظيم الدولة المعروف بـ “داعش”. فكلاهما ولغ في دماء المسلمين، في العراق وفي بلاد الشام على وجه التحديد، وكلاهما يسعى إلى التمدد والهيمنة على بلاد المسلمين. ولعلّ في تاريخنا ما يقارب هذا المشهد؛ من أيام الدولة الفاطمية (العبيدية الأولى) التي حكمت جزءا من بلاد المسلمين في القرنين العاشر والحادي عشر للميلاد. وفي ذات الفترة ظهرت من تحت عباءة تلك الدولة فرقة الحشاشين، وفرقة القرامطة، وهما فرقتان عاثتا فسادا وإفسادا في بلاد الإسلام، وسفكتا الدماء وهتكتا الأعراض، تماما كما يفعل تنظيم “داعش” منذ نشأته في العراق بدايةً، ثم تمدده في بلاد الشام. وقد نفّذ هذه التنظيم الدموي ما لا يحصى من العمليات التي طالت الأبرياء من المسلمين خاصة، في العراق وفي سوريا ولبنان وتركيا ومصر وغيرها. وكما أن الدولة العبيدية تحالفت مع الصليبيين في محطات كثيرة، وكما أن الحشاشين والقرامطة لم يقاتلوا غير المسلمين من أهل السنّة، ولم يرفعوا سيفا في وجه الحملات الصليبية، بل تحالفوا معها، كذلك تنظيم “داعش” الذي ارتكب الفظائع ضد المسلمين، الأمر الذي يطرح تساؤلات كثيرة حول تحالفاته ومصادر تمويله، بل والسؤال الأكبر عن أصل تأسيسه والأهداف من ورائه. وربما يجدر التذكير هنا أن هذا التنظيم حاول أن يرفع رأسه في غزة عام 2015، في أوج العدوان الإسرائيلي على القطاع!! وهذا أيضا يطرح تساؤلات كثيرة وكبيرة…

تبقى الدولة (العبيدية الثانية)، ويبقى تنظيم (داعش) يمثلان – في المشهد الحالي- عنوانا محتملا بقوة في سياق ذلك الحديث النبوي الشريف. ولعل أحداثا قادمة تقع – لا يعلمها إلا الله تعالى- تجعل المشهد أكثر وضوحا. ولعل هذه الأحداث تشهد ظهور (عدو مشترك) جديد ليس لنا به سابق عهد، يضطرُ المسلمين من أهل معسكر الحق إلى التحالف مع الروم لمواجهته….

أما “المرج ذو التلول” الذي تنزل فيه القوى المتحالفة من المسلمين والروم، بعد تحقيق الانتصار على العدو المشترك، فالروايات تشير إلى أنه مرج دابق قرب دمشق. لذلك اجعل عينك على سوريا، فهي مرشحة لأحداث كبرى، لها علاقة بـ “الملحمة الكبرى”، أو “معصرة غضب الرب العظمى”، أو “الخراب الأبدي”. وما يجري اليوم في سوريا يحمل الكثير ويعني الكثير…

أما متى يقع هذا؟ فذلك في علم الله، وقد يحتاج إلى سنوات طويلة، غير أنه واقع لا محالة!

5)

الجسد الحيّ يتألم من أمراض كثرة، غير أنّ أذىً واحدا يصيب الجسد بالألم الشديد، يرافقه الشعور بالقرف أو الحاجة إلى التقيؤ، ذلك هو “الدمّل”؛ لأنّ صديدَه منفّر وقيحَه مقزز، ولا يبرأ منه الجسد بمجردّ “فتحه” أو “فقعه” أو “نبشه”، بل لا بدّ من استخراج قيحه، ثم تطهيره تماما من كل أثر. هذا ينسحب على الجسد البشري، كما ينسحب على جسد الأمةّ التي تعاني من دمامل كثيرة….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى