أخبار وتقاريرمقالاتومضات

غزة واليمن: الخلفية الحقيقية لاعتراف إسرائيل بـ”جمهورية أرض الصومال”

الإعلامي أحمد حازم

بعد الحرب الأهلية التي ضربت الدولة العربية الصومال عام 1988، والتي تسببت في انهيار البنية التحتية والاقتصاد الصومالي، وتدهور وضع المؤسسة العسكرية، انهارت المركزية السياسية عام 1991، وأُعلن عن قيام جمهورية “صومالي لاند”، أي “أرض الصومال”، وانفصالها عن بقية الصومال في 18 مايو من العام نفسه.

ومنذ ذلك الحين، لا تزال “أرض الصومال”، التي أعلنت الانفصال من طرف واحد عن بقية الإقليم الصومالي، غير معترف بها من أي دولة أو منظمة دولية. وفي السادس والعشرين من الشهر الحالي، أعلنت إسرائيل اعترافها بجمهورية “صومالي لاند”، لتكون أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف بهذه الجمهورية.

إسرائيل لا تقدم على أي خطوة إلا إذا كانت لها مصلحة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، وهذا ما ينطبق على الاعتراف بجمهورية أرض الصومال.

دعونا نبسط الأمور أكثر: هذه الجمهورية أعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991، فلماذا لم تعلن إسرائيل الاعتراف بها في ذلك الوقت؟ ولماذا الآن، وفي هذا التوقيت بالذات؟ وأين كانت إسرائيل طوال أربعة وثلاثين عامًا؟ ألم تكن على علم بوجود هذه الجمهورية؟

لنستمع إلى ما تقوله القناة 12 العبرية، إذ ذكرت أن “التواصل الأول بين إسرائيل وإقليم أرض الصومال انطلق العام الماضي، حين كانت الحكومة الإسرائيلية تبحث بنشاط عن دولة توافق على استقبال سكان من قطاع غزة”. عندها تتضح الصورة أكثر، إذ إن الاعتراف يحمل مصلحة سياسية تتمثل في تهجير سكان غزة إلى هذه الجمهورية الانفصالية، التي أحدثت شرخًا عميقًا في دولة الصومال، العضو في جامعة الدول العربية.

بل إن القناة نفسها تحدثت عن تفاصيل سرية ومعطيات وصفتها بـ”الصادمة” حول كواليس إعلان إسرائيل اعترافها الرسمي بجمهورية “أرض الصومال” الانفصالية كدولة مستقلة، مشيرة إلى أن جذور هذا التقارب بدأت مع بحث تل أبيب عن وطن بديل لسكان قطاع غزة.

كما تناولت القناة 14 العبرية سبب الاعتراف، وقالت إن “اعتراف إسرائيل الرسمي بجمهورية أرض الصومال كدولة مستقلة ذات سيادة يأتي مقابل موافقة أرض الصومال على استقبال سكان من قطاع غزة”.

غير أن هناك سببًا آخر بالغ الأهمية لم تتطرق إليه الصحافة العبرية بشكل مفصل، وربما كان ذلك قصدًا لا جهلًا، وهو اليمن، بحكم موقعه الاستراتيجي. كيف ذلك؟

تقع الصومال على ثلاث كتل مائية بالغة الأهمية: المحيط الهندي، وبحر العرب، والبحر الأحمر. وهي تطل على خليج عدن، وتقع بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، حيث تتقاسم مع اليمن مدخل البحر الأحمر؛ فاليمن على الضفة الآسيوية، والصومال على الضفة الإفريقية، وبينهما خليج عدن بوصفه ممرًا بحريًا استراتيجيًا عالميًا.

وبذلك، فإن هذه الجمهورية تشرف على طرق الملاحة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، ما يعني أن التقارب مع أرض الصومال يمنح إسرائيل وصولًا أفضل إلى البحر الأحمر، ويمكّنها من استهداف الحوثيين في اليمن. كما أن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال يمنحها عمقًا استراتيجيًا ويعزز قدرات قواتها الجوية في مواجهة اليمن وإيران.

وقد ذكرت قناة i24 العبرية أنه “من المناسب التنويه إلى أن صومالي لاند تقع في منطقة ذات أهمية أمنية واستراتيجية لإسرائيل، في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر عند مدخل خليج عدن، مقابل جنوب اليمن، وقريبة نسبيًا من المنطقة الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ويمكن الافتراض أن إسرائيل ترى في ذلك ميزة مهمة للتعاون معها”.

ولم يكتفِ نتنياهو بالاعتراف بهذا الجزء من دولة الصومال، والذي لاقى إدانة دولية، بل ذهب به الأمر إلى حد دعوة الانفصالي عبد الرحمن عبد الله، رئيس الكيان المنفصل، لزيارة رسمية إلى إسرائيل، في موقف ينطوي على تحدٍ واضح للعالم.

من جهته، اعتبر الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن خطوة نتنياهو ترقى إلى مستوى “عدوان سافر على سيادة واستقلال وسلامة أراضي ووحدة شعب جمهورية الصومال”، وتهدف إلى نقل حروب إسرائيل في الشرق الأوسط إلى الصومال. وقال في كلمة له أمام مجلس النواب: “لن نسمح بوجود قواعد عسكرية تُستخدم لمهاجمة دول أخرى، ولن تقبل الصومال أبدًا تهجير الشعب الفلسطيني قسرًا من أرضه الشرعية إلى مكان بعيد، سواء كان الصومال أو أي مكان آخر”.

ولا شك أن السيطرة على هذه النقاط الاستراتيجية تخدم المشروع الذي يغذي حلم “إسرائيل الكبرى”، ويهدف إلى فرض السيطرة على البحر الأحمر بوصفه شريانًا اقتصاديًا استراتيجيًا.

فمتى يستفيق العرب ليروا ما يجري من حولهم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى