نحن أسرى ظلم فاحش منا وعلينا

الشيخ رائد صلاح
لأنني كنت، ولا زلت، مطاردًا عن سبق إصرار، فأنا اليوم لست عضوًا في أية هيئة محلية في مدينتنا أم الفحم، أو في أية هيئة ممتدة بين الجليل والنقب، بغضّ النظر عن أهداف هذه الهيئات، حتى لو كانت تهدف إلى الحفاظ على النظافة. وهذا يشمل لجان الإصلاح المحلية أو القطرية، التي تواصل جهودها، مشكورة، لإحلال الصلح، وإفشاء السلم الأهلي، ونزع فتيل النزاعات التي باتت بالآلاف في الداخل الفلسطيني.
فأنا لست عضوًا في أية لجنة من هذه اللجان، ومع ذلك أقوم بدور المتطوع في أية قضية نزاع إذا طَلبت مني أية لجنة إصلاح أن أشاركها في مساعيها المضنية.
وهذا ما أتاح لي أن أطلع على حال مجتمعنا في العمق. وقد وصلت إلى نتيجة مفادها أن الظلم الفاحش، الذي صنعته أيدي بعض أبناء مجتمعنا، لا يقع إلا علينا فقط. وهذا الظلم الفاحش ككرة الثلج؛ إذ لا يزال هذا الظلم الفاحش يسمن يومًا بعد يوم، ولا تزال تتسع مساحته بيننا، ولا يزال يبتكر لنفسه أساليب مبدعة لتعميق وجوده فينا، ولبسط نفوذه علينا جميعًا دون استثناء.
وما دفعني إلى كتابة هذه المقالة، هو أن امرأة من بلد “سين” جاءت إلى بيتي ليلة الجمعة الأخيرة، الموافقة 25/12/2025، فوصلت إلى ساحة بيتي في ساعة متأخرة من الليل، وطرقت باب منزلي بيدها ولأن جرس هذا الباب معطل. ولأن بيتي يقع في طابق ثانٍ فوق بيت والديّ – رحمهما الله تعالى – ولأن الأجواء كانت عاصفة وضجيجها مرتفع، فلم يسمع أي من أهل بيتي صوت طرقاتها على ذلك الباب، فعادت المرأة إلى سيارتها التي كانت تقودها بنفسها، ونامت في السيارة حتى ساعات صباح يوم الجمعة 26-12-2025.
ثم فتحت زوجتي – حفظها الله تعالى – شباكًا من شبابيك بيتنا، فرأت تلك المرأة تقف عند باب بيتنا، فلما أخبرتني زوجتي بذلك، نزلت عبر درج بيتنا وفتحت الباب، فدخلت تلك المرأة إلى بيتنا، ثم بعد أن جلست وارتشفت فنجان قهوة، أخذت تحدثني عن قصة معاناتها ومعاناة أمها من ظلم فاحش وقع عليهما من أقرب المقربين إليهما. ثم ختمت حديثها بجملة كأنها كانت خنجراً غرزته في صدري، حيث قالت لي:
“إن ما يجري اليوم في مجتمعنا أنه يقع الضغط على المظلوم ليتنازل عن حقه للظالم، أو ليدفع من ماله الحلال (خاوة) للظالم”. ثم وعدتها أن أرفع مظلمتها إلى مكتب الإصلاح ولجنة الصلح المجتمعي في أم الفحم.
ثم بعد أن خرجت تلك المظلومة المسكينة، التي لم يبق لها من أهلها إلا أمها القعيدة، حيث أبوها قد مات، وأخوها ترك البيت إلى المجهول، أخذتُ أقلب قصتها الموجعة، التي أصبحت ضمن قائمة الظلم الذي يقع على المظلومين والمظلومات في مجتمعنا. وهم بالآلاف، ولا يزال أغلبهم يعاني من الظلم بلا توقف حتى الآن.
وإليكم بعض الأمثلة المبكية، التي لا تزال تبحث عمّن يقول للظالم في كل مثال منها: “أنت ظالم، واخجل على نفسك، وقف عند حدك”:
1ـ يقال إنه في بلدة كبرى من بلداتنا العامرة، ووفق ما قيل لي، فقد وقع اصطدام بين سيارتين، وكان ضرر هذا الاصطدام طفيفًا جدًا، ولكن لأن أحد الطرفين يملك السلاح والعضلات والسناجير، فقد اتصل بالطرف الآخر وراح يطالبه بلغة التهديد أن يدفع له الملايين، وإلا… ثم لما احتار هذا الطرف الثاني الضعيف في أمره، ولم يدفع تلك الملايين فورًا، أخذ الطرف الأول الظالم يؤذيه ويخيفه ويحرق له بعض ممتلكاته. ثم بعد أن حاول بعض وسطاء الخير أن يصلحوا بينهما، إذ الطرف الأول يقول لهم: “أنا مشانكم سأتنازل، عن بعض الملايين التي قد كنت طالبت بها الطرف الثاني”!! وأرجو رجاء حارًا ألا يقول لي أحدكم: “أين دور الأجهزة الرسمية”؟ فكلنا يعلم أن سياسة تعاطيها مع آفة الظلم الفاحش الواقع منا علينا جعلت منه مشبوهة!!
2- يُقال إنه في بلدةٍ أخرى من بلداتنا العامرة، وعند تقسيم الميراث بالعدل كما أمر الله تعالى في القرآن الكريم، ووفق ما قيل لي، فقد طلب متدخل ظالم في ملف هذا الميراث من طرف وارث ضعيف أن يبيع أرضه التي هي حصته من الميراث، ثم بعد تردد وافق هذا الطرف الوارث الضعيف أن يبيع حصته بمبلغ «سين»، ثم العجب كل العجب أن هذا المتدخل الظالم واصل ضغطه على هذا الطرف الوارث الضعيف، وراح يطالبه بالتنازل عن قسم من المبلغ المالي «سين»!!
3- يُقال إنه في أكثر من بلدة من بلداتنا العامرة تقوم بعض النساء من بني جلدتنا بدور شبكات الإسقاط، حيث تفتعل مشهدًا مصورًا وحركات مصورة مع «ص» من بني جلدتنا، كأنه تحرش بها أو كأنه واصلها الغرام، ثم ينتقل الأمر إلى قوة ظالمة من بني جلدتنا، حيث تبدأ، كما قيل لي، بتهديد هذا المسكين «ص» كي يدفع لها مبلغًا ماليًّا مهولًا، وإلا فستقوم بنشر المشهد المصور الذي يظهر فيه وكأنّه يتحرش بتلك المرأة أو كأنّه يواصل الغرام معها، وهكذا يضطر هذا المسكين «ص» أن يدفع، ثم أن يدفع لمرّة ثانية، ثم أن يدفع لمرّة ثالثة ورابعة، وهكذا يتحول هذا المسكين «ص» إلى أجير عند هذه القوة الظالمة!! لا بل قيل لي إن بعض من وقع في شبكات هذا الإسقاط، وبعد أن أيقن أنه سيواصل دفع مال بمبالغ كبيرة إلى هذه القوى الظالمة طوال حياته، فقد حاول الانتحار!! وقيل لي إن البعض هاجر إلى دول في أقصى الأرض!! وهكذا تحول الظلم الفاحش إلى سوس بات ينخر في مجتمعنا حتى النخاع. وهكذا بات مجتمعنا اليوم يتآكل من الداخل، ولا يزال يتآكل، وسيبقى يتآكل ما دام هذا الظلم الفاحش يواصل قضمه من رأسه حتى أخمص قدميه!! فهل من أحد فينا يسمع؟! وهل من أحد فينا يخرج عن صمته ويقول للظالم: أنت ظالم، وأنت تدفع بمجتمعنا نحو الخراب والتفكك والتحلل، وأنت تدفع بعشرات الآلاف من أبناء مجتمعنا للهجرة الاضطرارية إلى المجهول، وأنت تفرغ مجتمعنا من الطاقات الحية حتى يصبح مجتمعنا أجوف لا وزن له ولا قيمة ولا اعتبار، كأنه مجتمع في المظهر فقط!!
4- يُقال إنه في بلدة من بلداتنا العامرة وقع خلاف بين مقاول وبين طرف آخر حول مشروع بناء قام به هذا المقاول للطرف الآخر، ثم تدخل وسطاء الخير، وكما قيل لي، فقد بذلوا قصارى جهدهم لتحري الحقيقة والوصول إلى العدل في مسألة هذا الخلاف، ثم بعد أن أنهى وسطاء الخير دراسة مسألة هذا الخلاف بعمق، وبعد أن حددوا المبلغ المالي المستحق للمقاول، إذ بقوة ظلم تتدخل وتطالب الطرف الآخر أن يدفع للمقاول ضعف ما كان يستحقه وفق المبلغ الذي حدده وسطاء الخير!! وقد يقول لي قائل: أين وقع ذلك؟ وجوابي أقول بكل أسى، وفق ما يُقال لي، فإن ذلك لا يزال يقع في العشرات من بلداتنا العامرة، ولا تزال الشواهد تزداد كما أسمع ويسمع غيري من المئات من مجتمعنا.
ثم ماذا؟!
ثم لا شيء! فها هو هذا المشهد من الظلم الفاحش يقع في عشرات من البلدات من بلداتنا في الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية: عكّا، وحيفا، ويافا، واللّد، والرملة. وها نحن لا زلنا نتقن فن الثرثرة، وفن التحليل لأجل التحليل، وفن التنظير لأجل التنظير، وفن عقد المؤتمرات، وإقرار القرارات، وتدوين التوصيات، وتبادل الاتهامات، وافتعال البطولات، والتقوّي بالصناديق المانحة الغامضة، وتدبيج الشعارات، وتضخيم المنجزات، وإعداد النشرات.
ثم ماذا؟!
ثم لا شيء!
ثم ماذا؟
ثم هذا الظلم الفاحش لا يزال يتغلغل في عظامنا، وينخر فينا، ويتداعى علينا كتداعي الأكلة على قصعتها، وكأننا تحولنا إلى مجتمع مشاع، أو إلى حالة لا مجتمع، أو إلى فاجعة فوضى منفلتة يجوز فيها كل شيء في حسابات القوى الظالمة بلا احتكام لدين، أو عرف، أو ثوابت.
5- يقال إنه وقع سوء فهم في بلدة عامرة من بلداتنا، ثم توسط وسطاء الخير لتطويق النزاع الذي تسبب به سوء الفهم، ثم الاتفاق على الصلح وعلى عقد جلسة تغافر تضم كل أطراف هذا النزاع. ثم، وكما قيل لي، فقد وقع ما يشبه الخيال في أجواء هذه الجلسة من التغافر، حيث قام بعض أطراف هذا النزاع معتدًا بظلمه الفاحش بالاعتداء على طرف آخر من أطراف هذا النزاع، وقتل منهم أكثر من واحد على لا شيء إلا لتفشي الظلم الفاحش فينا ومنا وعلينا وإلينا! نعم واحسرتاه!! وقعت هذه المأساة التي قادت، كما قيل لي، إلى ترميل نساء وتيتيم أطفال على خلفية نزاع هو أتفه من التفاهة وأرخص من التراب ولا يساوي عند الله تعالى جناح بعوضة! ثم أقيم بيت العزاء لهؤلاء القتلى ضحايا الظلم الفاحش من مجتمعنا، وكالعادة توجهنا إلى بيت العزاء هذا، وصافحنا ذوي هؤلاء الضحايا وقلنا لهم: أعظم الله أجركم، ثم ارتشفنا فنجان قهوة مُرة، وأكل كل واحد منا حبة تمر، ودعونا لهؤلاء الضحايا، ثم غادرنا بيت العزاء هذا في انتظار بيت عزاء ثان وثالث ورابع، ولا يزال الظلم الفاحش يفرض علينا إقامتها وكأننا قطيع خراف يسوقها الجزار في طريقها إلى ذبحها!
ثم ماذا؟!
ثم لا زلنا منذ خمسة وعشرين عامًا نعقد المؤتمرات لمواجهة العنف. وها هو المؤتمر الأول فيها كان في مدينتنا أم الفحم، وأنا شخصيًا شاركت فيه كمستمع، ثم تواصلت المؤتمرات بعد ذلك حتى الآن، وها نحن نكرر اليوم ما كررناه قبل خمسة وعشرين عامًا لمواجهة عنف الظلم الفاحش، ثم تنفضّ المؤتمرات ويعود كل منا، مع حفظ الأسماء والمناصب، إلى بيته!
ثم ماذا؟!
ثم ها هو الظلم الفاحش يستفحل فينا، ويخاطبنا بكل لغة، فتارة يخاطبنا بلغة التهديد ويحرق سياراتنا ويطلق الرصاص على بيوتنا، وتارة يفرض علينا الخاوة ويبتز الملايين من أموالنا، وتارة يطاردنا كالغول الدموي فيقتل منا المئات بلا رحمة، وتارة يواصل ضغطه بلا ذرة من ضمير حتى دفع الآلاف منا للهجرة الاضطرارية إلى المجهول! وقد يقول قائل منا: “هل وقع كل ذلك؟” والجواب مر كالعلقم، حيث وقع أشد من هذا، وكما سمعنا أن الخلاف على موقف سيارة، أو على موقع برميل نفايات، أو على حد فاصل بين جارين، قد قاد كل ذلك قوى الظلم الفاحش أن تدس أنفها وأن تقتل منا.
6- يقال إنه وقع خلاف بين آل فلان وآل علان، وكلاهما جزء لا يتجزأ من نسيج مجتمعنا، ثم تدهور الخلاف ودخل في منزلقات هاوية ومنعطفات حادة، ثم بات القول الفصل في هذا الخلاف لقوى الظلم الفاحش، حتى بات هذا الظلم الفاحش يقتل على الهوية، وبات المساكين من كلا طرفي النزاع يُقتلون ولا يدري المقتول فيما قُتل ولا القاتل فيما قتل! وهكذا بدأت قوة الظلم الفاحش في هذا الخلاف تحصد من خيرة مجتمعنا ما بين قتيل طبيب، وقتيل مهندس، وقتيل مدير مدرسة، وقتيل إمام مسجد، وقتيل طالب جامعي! وهكذا وبسبب هذا الظلم الفاحش بات مجتمعنا هو القاتل والمقتول!! فإلى متى؟ وهل سنخرج من هذا النفق المظلم الذي دخلنا فيه، أو بالأحرى أُدخلنا فيه منذ خمسة وعشرين عامًا ولا نرى لهذا النفق نهاية؟!
ثم ماذا؟!
هي أمثلة وضعتها بين أيديكم مع يقيني التام أننا سننتصر على هذا الظلم الفاحش ولو بعد حين، فلكل أجل كتاب، ولكل داء دواء، ولكل ليل فجر، ولكل عسر يسر، ولكل كرب فرج، ولكل عثرة نهضة. والمطلوب أن نثق بأنفسنا، وأن ننتقل من محطة القول إلى محطة العمل، ومن محطة التنديد إلى محطة التغيير، ومن محطة الصمت إلى محطة الصدع بالحق في وجه هذا الظلم الفاحش الذي هو منا وعلينا وإلينا. ولا يصح إلا الصحيح، وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما.


