أخبار رئيسيةأخبار عاجلةمقالاتومضات

اليوم وغدًا وبعد غد وكل آت قريب

الشيخ كمال خطيب

 

اليوم..

هذا اليوم 23/12 ليس أنه فقط يوم الجمعة الذي هو يوم العيد الأسبوعي عند كل مسلم، وهو اليوم الذي خصّه الله تعالى في كتابه لمّا قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ} آية 9 سورة الجمعة. وهو اليوم الذي وصفه النبي ﷺ بأنه خير يوم طلعت فيه الشمس لمّا قال: “خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة”. وهو اليوم الذي قال كذلك في فضله ﷺ: “إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا من الصلاة عليّ فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ”.

وزيادة على أن هذا اليوم 23/12 هو يوم جمعة، فإنه كذلك اليوم الأول من فصل الشتاء الفصل الذي تنزل فيه الأمطار وفيه يغاث الناس وفيه يمطرون، إلا أنه ربيع المؤمن كما قال ﷺ: “الشتاء ربيع المؤمن طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه”. فلكأن المسلم في فصل الشتاء يعيش ربيع إيمانه وطاعاته وهو يرتع ويسرح في بساتين الطاعات وجنان القربات إلى الله تعالى.

ولقد أثنى بعض الصالحين والعلماء على فصل الشتاء بأنه الغنيمة الباردة، لأنه يحصل ويحوز الأجر والثواب وينال الدرجات بغير تعب ولا نصب ولا جوع ولا عطش، حيث تأخذ النفس حظها من النوم مما يعينها على القيام، ولا ينالها الجوع والعطش مما يعينها على الصيام.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “مرحبًا بالشتاء فيه تنزل البركة، يطول فيه الليل للقيام ويقصر فيه النهار للصيام”. وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: “يا أهل القرآن طال ليلكم لقراءتكم فاقرأوا، وقصر النهار للصيام فصوموا”. وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يبكي عند موته وهو يقول: “إنما أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومزاحمة العلماء، وبالرُكب عند حلق الذكر”. وكان عطاء الخراساني ينادي أصحابه بالليل، فيقول: “يا فلان يا فلان قوموا، قوموا فتوضأوا فصلوا، فقيام هذا الليل وصيام هذا النهار أهون من ترب الصديد ومقام الحديد غدًا في النار”.

فمع اليوم الأول من أيام الشتاء ربيع المؤمن فهيا إلى الطاعات والقربات واغتنام الأيام لعلّ بها أن تنقذ نفسك من النار ومن أهوال يوم القيامة.

 

غدًا..

ومساء يوم غد السبت 24/12 ستكون ليلة مولد سيدنا المسيح عيسى ابن مريم عليه وعلى أمه البتول الطاهرة الصلاة وأزكى السلام. إنه عيسى ابن مريم الذي بشّر بمولد أخيه محمد ﷺ {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} آية 6 سورة الصف. إنه عيسى ابن مريم الذي وردت صفات وأخلاق أمة محمد ﷺ في الإنجيل الذي أنزله الله عليه {وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا} آية 29 سورة الفتح.

إنه نبي الله عيسى ابن مريم الذي افتخر بالانتساب إليه سيدنا محمد ﷺ لمّا قال: “الأنبياء إخوة، دينهم واحد وأمهاتهم شتى وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي”. بل إنه ﷺ جعل من مقتضيات وأركان وأسباب دخول الجنة الإيمان بعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام لمّا قال: “من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبد الله ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان عليه من العمل”.

وإنها مريم العذراء البتول الطاهرة أم المسيح عليه السلام، فليس أن قرآننا ونبينا محمد ﷺ قد دافع عنها وبرّأها من الزنا ونزّهها من الفاحشة التي رماها بها بنو إسرائيل، وإنما الذي جعلها في مقام لم يبلغه من نساء الدنيا إلا أربع نساء كانت هي إحداهن، وقد قال ﷺ: “خير نساء العالمين أربع: “مريم ابنة عمران وآسيا بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ”.

وليس أن قرآننا ونبينا محمدًا ﷺ قد أنصف المسيح وأمه، بل إنه أنصف أمته ومن آمنوا به واتبعوه، فقال في هذا ربنا سبحانه: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} آية 82 سورة المائدة. وقوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً } آية 27 سورة الحديد.

وليس هذا وحسب فلم تنته العلاقة بين محمد وبين عيسى عليهما الصلاة والسلام برفع عيسى إلى السماء، وإنما هو الذي سينزل من السماء إلى الأرض، حيث نزوله واحدة من علامات الساعة العشر الكبرى، وهو الذي عند نزوله سيدعو الناس إلى دين أخيه محمد ﷺ ويرد عنهم فتنة الدجال بقتله، ثم الصلاة مأمومًا خلف إمام المسلمين في المسجد الأقصى في بيت المقدس كما ورد في الحديث الشريف: “………قالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: العرب يومئذ قليل وجلّهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عيسى ابن مريم الصبح فرجع ذلك الإمام ينكص، يمشي القهقرى ليقدم عيسى ليصلي فيضع عليه السلام يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدّم فصلّ فإنها لك أقيمت فيصلي بهم إمامهم”.

وليس هذا وحسب، بل إن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فيما رواه عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: “يدفن عيسى ابن مريم مع رسول الله ﷺ وصاحبيه فيكون قبره رابعًا”. أخرجه البخاري في تاريخه والطبراني في الدر المنثور.

فنحن في يوم غد سنكون مع ذكرى مولد عيسى عليه السلام الذي قال عنه أخوه محمد ﷺ: “كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها”. فليست أمة السيد المسيح هم ماكرون وترامب وبوتين، وإنما أمته هم أمة حبيبه وأخيه محمد ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم والسائرين على دربهم.

 

بعد غدٍ..

يوم بعد غد الأحد 25/12 هو اليوم الأول من شهر جمادى الثانية من العام 1444 وفق التقويم الهجري، وبداية شهر جمادى الثانية. يعني أنها لا تفصلنا عن هلال شهر رمضان المبارك إلا ثلاثة أشهر، أي قريبًا من تسعين يومًا. فاللهم يا ربنا أهلّه علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، اللهم اجعله هلال رشد وخير وفرج على أمة سيدنا محمد ﷺ. نعم فبعد هلال جمادى الثانية سيكون هلال رجب ثم هلال شعبان ثم نكون مع هلال رمضان المبارك.

إنه واستعدادًا واستقبالًا واحتفاء بشهر رمضان المبارك فقد كان النبي ﷺ يقول: “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلّغنا رمضان”.

ولأن رمضان سيد الشهور وواحة الإيمان، فإن أتباع محمد ﷺ والسائرين على هديه ودربه، كانوا يعيشون أفياء وأنفاس رمضان طوال عامهم، فكانوا قبل رمضان بستة أشهر يدعون الله أن يبلّغهم إياه، وبعد انقضائه كانوا يدعون الله ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم صيامهم وطاعاتهم في رمضان الذي مضى وانقضى.

فاعتبارًا من بعد غد الأحد سنبدأ بإذن الله تعالى نعدّ الأيام والليالي عدًّا، ونطويها طيًا شوقًا وحبًا لشهر رمضان ونتهيأ لاستقباله بقربات وطاعات تقربنا إليه سبحانه.

وإنها المفارقة اللطيفة أن يتزامن ويكون اليوم الأول من شهر رمضان القريب وفق الحسابات الفلكية هو اليوم الأول من فصل الربيع 23/3/2023، لعل في ذلك أن تكون بشرى خير ببداية جديدة للأمة، ربيع إسلامي خالص إن شاء الله تعالى، يكمل ويحقق ما بدأه الربيع العربي في نسخته الأولى.

 

وكل آت قريب

وسواء كان ذلك غدًا أو بعد غد، وسواء كان ذلك بعد أشهر أو بعد سنين، فإن كل آت قريب. وإذا كان الله سبحانه قد قال: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} آية 1 سورة الأنبياء، فإنما هو الدلالة على أن كل آت قريب. وإذا كان النبي ﷺ قد قال: “بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى”، فإنما هي الإشارة إلى أن كل آت قريب.

وقد قال أبو العتاهية في قصيدته:

 ألا كل ما هو آت قريب   وللأرض من كل حي نصيب

إلى أن قال:

أراك لدنياك مستوطنًا     ألم تدر أنك فيها غريب

 

إنه يقصد بذلك أن مآل كل غريب أن يرجع إلى موطنه ومنازله الأولى، وموطننا هو التراب. ومثل أبي العتاهية فقد قال الشاعر الأندلسي ابن هانئ:

ألا كل آت قريب المدى   وكل حياة إلى منتهى

إلى أن قال:

ولم أر كالمرء وهو اللبيب   يرى ملء عينيه ما لا يرى

وليس النواظر إلا القلوب   وأمَّا العيون ففيها العمى

 

لقد رأينا قبل أيام كيف عاشت الأمة حالة معنوية غريبة سرت فيها من المشرق إلى المغرب، ومن طنجة إلى جاكرتا يوم شاهدنا منتخبًا رياضيًا عربيًا مسلمًا مغربيًا يفوز على منتخبات دول كالبرتغال وإسبانيا، وسرعان ما ذابت مظاهر خلاف وفوارق باعدت بفعل سياسات خارجية حاقدة، وسياسات داخلية هي بفعل الأنظمة والحكام، وفجأة وبدون مقدمات وإذا بشعوب الأمة كلها تهتف وتصفق وتدعو لفوز منتخب المغرب على منافسه.

إن هذه الحالة المعنوية والإيجابية التي تجعلنا على يقين أن الأمة بخير لولا تسلط أنظمة العار عليها. وإن معاني الخير والأصالة سرعان ما تتكشف مثلما يتكشف معدن الذهب لما يزال الغبار عنه.

فللذين شيّعوا الأمة إلى مثواها الأخير نقول: لقد خبتم وخاب فألكم ومسعاكم، فإن أمتنا ما أن نقدح لها على زناد الأصالة والهوية الدينية، وإذا بها تقدح شرارًا وبريقًا ووميضًا يضيء جنبات الدنيا كل الدنيا.

نعم هكذا تفجّرت معاني العاطفة الأخوية، وانحازت شعوب الأمة لبعضها في معركة كروية، فلنتصور كيف سيكون الحال إذا احتدم الصراع بين مركبات الأمة وبين أعدائها، فعندها سنرى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال عدو.

نعم إننا بين يدي متغيرات إيجابية كثيرة بدأت ملامحها تظهر في أمتنا وشعوبنا، وما الموقف من مشاريع التطبيع والتفريط بالقدس والمسجد الأقصى فيما تسمى اتفاقية أوسلو أو اتفاقية إبراهيم أو غيرها، وهو ما ظهر خلال موقف مشجعي ومشاركي الألعاب والمباريات التي جرت في مونديال قطر، لهو خير دليل على ما نقول.

وعليه فإننا نرى النور من وسط الظلمة والعتمة، ونرى الفرج من خلال الكروب والبلاء، ونرى مستقبل الأمة الواحدة من خلال الفجوة والهوة السحيقة بين أنظمة فاسدة وبين الشعوب الخيرة. إننا نرى بعين قلوبنا أننا بين يدي دورة من دورات صراع الحضارات بادر إليه أعداؤنا لتكون فيها الغلبة والنصرة والسيادة والريادة لنا وليس لغيرنا.

يسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبًا. نعم وإن كل آت قريب.

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.

 

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى