أخبار رئيسيةمقالاتومضات

كلمات وفاء لأستاذنا (أبو سامح)

الشيخ رائد صلاح

هو أستاذنا (أبو سامح) الذي عاش زاهدا في الدنيا ومالها ومناصبها وزعاماتها ووظائفها وكراسيها وبريق إعلامها ومات كذلك، وكم كان سهلا عليه- لو أراد- أن يُتاجر تجارة دنيوية بما أتاه الله تعالى من علم وفهم وحكمة وثقافة وأدب وفلسفة وقلم سيّال، ولكنه ترفع عن هذه التجارة الخادعة الزائلة والقصيرة، ورضي لنفسه أن يبتغي مرضاة الله تعالى ثم خدمة شعبنا في الداخل الفلسطيني ولسان حاله ولسان قلبه وعقله يقول لنا: (لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) وكأني به قد أصّر أن يموت على ما وُلد عليه، فقد وُلد يوم أن وُلد وهو لا يملك من حطام الدنيا شيئا، ومات يوم أن مات وهو لا يملك من حطام الدنيا شيئا!! ووُلد يوم أن وُلد ويداه فارغتان لا تمسكان بأدنى متاع من متاع الدنيا، ومات يوم أن مات كذلك!! ووُلد يوم أن وُلد وهو طاهر المعدة والأحشاء من أي أثر من آثار الدنيا، ومات يوم أن مات كذلك!!

ولم يتحقق بذلك من فراغ، ولم يتحقق له ذلك من ثرثرة، بل آمن بمنهج حياة شفاف وسار عليه، وآمن بثوابت إسلامية عروبية فلسطينية وانتصر لها، وآمن بقيّم سامية صافية وتمسك بها ونافح عنها بلسانه وقلمه أينما حلّ، فكان مع هذه القيّم كالطائر أينما سقط لقط، حتى لقي الله تعالى.

لكل ذلك فقد عاش موقنا أن قدر ربحه بقدر عطائه، وكلما زاد عطاء زاد ربحا، وقدر عطائه بقدر ما يقدم بلا مقابل، وليس على قاعدة خذ وأعط، بل على قاعدة أعطِ وأعطِ، وكأني به منذ مرحلة رضاعته طلق الدنيا ثلاثا طلاقا لا رجعة فيه، وقد كان ذلك واضحا لي طوال السنين التي عرفته فيها، كما كان ذلك واضحا لكل من عرفه عن قرب من أهله وإخوانه وأصحابه وتلاميذه.

وقد تجلى ذلك لي في أدق تفصيلات حياته، فكنت إذا نظرت إلى لباسه قلت في داخلي: هو رجل يلبس اللباس بدافع الضرورة كي يستر عورته، وما مالَ في يوم من الأيام إلى أناقة اللباس وبهرجة ألوانه وأسماء ماركاته الصارخة، ولعله لولا ضرورة ستر العورة لزهد بكل زينة اللباس!! وكنت إذا أصغيت إليه إذا تكلم قلت في داخلي: هو رجل يتكلم وهو يحصي كل كلمة يقولها، وكأني به يحرص أن يقلَّ من الكلام، وكأن أسعد يوم يمر عليه هو الذي لا يتكلم فيه، وكأن غايته في الحياة أن يكون قوله هو ما يعمل لا ما يقول، وأن عمله هو ما يعمل لا ما يقول، وكأن ميزان كلامه كان يملي عليه ألا يتكلم إلا عند الضرورة، وإلا فالصمت أولى وأسمى وأنجى.

وكنتُ إذا قرأت ما يكتب أجد نفسي مضطرا أن أعيد قراءة كل فقرة في أي من مقالاته أكثر من مرة، طامعا أن أفهم معنى هذه الفقرة أو تلك في مقالاته التي كتب فيها عن كل شيء في مسيرة حياتنا في الداخل الفلسطيني، حيث كتب عن الأرض والإنسان والبيت والمقدسات، وكتب عن النكبة وجذورها وعن واقع حال القضية الفلسطينية والقدس والمسجد الأقصى المباركين، وحق العودة وآلام الشتات وأوجاع المخيمات ودلالات الانتفاضة، وكتب عن هموم العامل والفلاح وعن رسالة التربية والتعليم والمسيرة الوطنية ويوم الأرض والحنين إلى التاريخ والجذور والتشبث بالحاضر رغم مرارته والتطلع المتفائل إلى المستقبل.

ولا أنسى مقالاته التي أتعبته قضائيا في بعض الأحيان، حيث وجد نفسه مطاردا بسببها في أروقة المحاكم، ولا أنسى ما خصّ به صحيفة الصراط من مقالات، ثم ظل على هذا العهد، بعد أن تحولت من صحيفة الصراط إلى صحيفة صوت الحق والحرية، ويوم أن كان الشيخ عبد الله نمر درويش رحمه الله تعالى يقرأ مقالاته كان يسألني: هل هو شاعر؟! فكنت أقول له لماذا؟ فكان يقول لي: لأنه لا يكتب مثل هذه المقالات إلا شاعر!! واليوم أقول بوضوح لا تردد فيه: لعل أستاذنا (أبو سامح) نظم شعرا وأبقاه في طيّ الكتمان، ولعله ألف كتبا وحفظها في مكتبته الخاصة، ولا أبالغ في كل ذلك، فمن عرف أستاذنا (أبو سامح) المعرفة الحقة، كان يجد فيه العالم في آفاق الكون والمخلوقات والحياة، وكان يجد فيه المثقف واسع الاطلاع في قضايا السياسة المحلية والدولية، وكان يجد فيه الفيلسوف المنتصر للإيمان بالله تعالى والمتمسك بكل أركان الإيمان، وكان يجد فيه الأديب مرهف الإحساس ومتقد المشاعر، وجيّاش العاطفة، ومدرار العطاء، وكان يجد فيه فارس الكلمة وحكيم القلم وثاقب الرؤية ومستشرف المستقبل وصادق النصيحة، وهذا ما أهّله أن يكثر تلاميذه دون أن يحرص على هذه الكثرة، حيث أنها كانت كثرة فطرية نمت مع الأيام دون أن يحرص عليها أو يبحث عنها أو يتشوف لها!!

ولذلك يوم أن أقول أستاذنا (أبو سامح) أقول ذلك عن سبق إصرار، فقد كان أستاذي وكنت له تلميذا وكان أستاذ أجيال سبقتني، وأستاذ أجيال لحقتني، ومن سعى إلى إحصائهم اليوم سيجد أنهم بالآلاف. مما يعني أن الله تعالى رزق الأستاذ (أبو سامح) ورزق زوجه المعلمة جهاد أم سامح آلاف الأبناء- ذكورا وإناثا- الذين لم يولدوا من أصلابهم ولكنهم وُلدوا في مدرسة الأستاذيْن (أبو سامح وأم سامح)!! وكم هي الذكريات التي تجمعني مع هذا الأستاذ العلامة، كيف لا وقد عرفته منذ أكثر من أربعين عاما، ودامت وطالت علاقة المودة والاحترام والتقدير بيني وبينه- رحمه الله تعالى. ومن صيد هذه الذكريات أنه جاءني يوما وهو يحمل كيسا كبيرا قد وضع فيه عشرات الكتب فناولني ذاك الكيس وقال لي جادا: اقرأ هذه الكتب، وأرجعها إليّ بعد أن تقرأها!! ومن صيد هذه الذكريات أن صحيفة (الصراط) كانت قد نشرت في أحد أعدادها رسما كاريكاتوريا بعنوان (انتهى الدرس يا غبي) وكان ذاك الرسم يتضمن هذه المسألة (2-4+2=؟)، وكان الأستاذ (أبو سامح) قد نظر إلى هذا الرسم الكاريكاتوري لأول مرة وهو يسير في الشارع فانفجر ضاحكا، ولم يتمالك نفسه، وأخذ ينظر حوله حتى لا يراه أحد وهو على ذاك الحال!! ومن صيد هذه الذكريات أنني كنت قد كتبت قصة قصيرة بعنوان (ترميم الإبريق)، وكنت قد نشرتها في صحيفة (الصراط)، فجاءني بعد أن قرأ تلك القصة، وأخذ يتحدث عنها بلغة الناقد الأديب!!.. وهي ذكريات كثيرة يطول الحديث عنها، ولذلك أتمنى على تلاميذه الخواص أن يؤلفوا كتابا عن حياته وذكرياته وعطائه وتلاميذه الذين فيهم اليوم البروفيسور والمحاضر الجامعي والطبيب النطاسي والأديب والشاعر والإعلامي والمحامي والمهندس… والقائمة طويلة.

ثمّ أقول في ختام هذه المقالة: رحمك الله تعالى يا أستاذنا (أبو سامح) وأسأل الله تعالى أن يكرمك بمنزلة فوز في الجنة، وأعظم الله أجركِ أيتها الزوج البارّة بزوجها المعلمة جهاد، وأعظم الله أجر كل ذرية أستاذنا، وكل تلاميذه!! وأرجو أن تصلوه بقراءة الفاتحة والدعاء له بالرحمة والمغفرة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى