أخبار رئيسية إضافيةمقالاتومضات

القــــــــدس بــــين لابتين..

صالح لطفي- باحث ومحلل سياسي

ابتداء

مع مرور الذكرى الخامسة والخمسين من احتلال المدينة المقدسة التي تدور على ثراها حرب ضروس بين مشروع كولونيالي احلالي مسياني، ومشروع مهيض الجناح يسعى بما تيسر من أدوات لحفظ المدينة المقدسة، إسلامية عربية إنسانية.

من نافلة القول الإشارة إلى أنّ المؤسسة الإسرائيلية وضعت المدينة في جوهر أعمالها ومشاريعها، ولا تزال تعمل على تهويد ما احتلته عام 1967 بما في ذلك المسجد الأقصى المبارك.

من يتابع جدل العلاقة بين ساكنة القدس والاحتلال، يلاحظ أنّ فظاعات وجرائم الاحتلال والمستوطنين تزداد بوتيرة تصاعدية سواء كانوا من اليمين أو من الصهيونية الدينية والحاريدية الصهيونية، وترتفع أصواتهم علنًا مطالبة بمزيد من التهويد والعمل الدؤوب لطرد السكان المقدسيين، كرهًا ورغبًا، وهم إذ يصرّحون بذلك علنًا فذلك يعود لدعم يتلقونه من عديد الأطراف الإسرائيلية بما في ذلك أولئك الذين في المعارضة أو الائتلاف الحكومي.

وقد بات واضحًا أنّ هذا اليمين بكل أذرعه يتمول من أطراف يهودية أمريكية ومن أطراف حكومية رسمية ويحمل أجندات ينفذها بترو، منها ما يدور رحاه في القدس والبلدة العتيقة والمسجد الأقصى المُبارك، وفي ظل حالة التردي العربي والإسلامي والفلسطيني، يستغل الاحتلال وأدواته ومنها سوائب المستوطنين هذه الأجواء لفرض سياسات في القدس والمسجد الأقصى المبارك، ومنها رفع وتيرة المقتحمين للمسجد الأقصى سعيًا للانتقال بهم من ورديتين يوميًا، إلى أن تكون على مدار الساعة، وبالتالي نحن أمام مشهد متجدد ومتواقح. ومن نافلة القول أن أشير إلى أنّ مسيرة الأعلام والرقصات التوراتية التي رافقتها مناوشات وعمليات تعرض وهجوم وتعد على ساكنة المدينة وكل ما هو عربي ومسلم (جرى رصد 92 حادثة صدام مع المستوطنين) تمّت تحت سمع وبصر الشرطة الإسرائيلية وحمايتها، ومعلوم أنّ الشرطة على كافة أقسامها متوحشة في التعامل مع الفلسطينيين عمومًا وبشكل خاص مع المصلين والمصليات في المسجد الأقصى.

أزعم في هذه المقالة أن القدس والبلدة القديمة والمسجد الأقصى باتوا في تحد كبير وبين لابتي (اللَّابَةُ: الحَرَّةُ، وهي أرضٌ ذاتُ حِجارةٍ سَوداءَ كأنَّها أُحرِقَتْ كناية عن الشدة والعنت الشديدين) المتشددين من تيار اليمين، سواء كان محافظًا أو علمانيًا وبين أتباع الجماعات المتطرفة من مثل “لافاميليا” و”لاهافا” والمجموعات التي تتبع مباشرة لتيار الصهيونية المتدينة والحاريدية الصهيونية، وقد حسم الصهاينة بكل مدارسهم التوراتية، أمرهم بشأن الأقصى فهم يسعون لتحقيق موطئ قدم ثابت فيه، وهو ما يعني مواجهات مباشرة مع الاحتلال، ولا استبعد ان تُقدِم هذه المجموعات المتطرفة على مجزرة في القدس أو البلدة القديمة أو المسجد الأقصى أو حتى خارج ما ذكرت، لكن في حدود فلسطين التاريخية تشق لهم الطريق في ظل المعمعة لتحقيق ما يريدون.

ويبدو أن سيناريو المسجد الإبراهيمي في الخليل قد يتكرر ثانية، ولكن بسياقات وتقنيات مختلفة سيكون الإعلام الإسرائيلي على اختلاف مشاربه مجنّدًا لهذه اللحظة كما الدبلوماسية الإسرائيلية، وهذا السيناريو ثمة حاجة للتعمق فيه ومحاكاته على ضوء تجارب وطروحات وتصورات تطرح علنًا من قبل عديد من الكتاب والحاخامات. ولذلك فالقدس وفي القلب منها المسجد الأقصى، ستكون أحد أهم أدوات المُزايلة سياسيًا واخلاقيًا، راهنًا ومستقبلًا.

القدس ليست فاتورة للدفع

لا تزال مدينة القدس تفضح كل من يحاول أن يتسلق عليها للوصول الى أهداف شخصية أو سياسية أو يعمل على إعادة هندسة الواقع السياسي والديموغرافي والايديولوجي لمدينة باتت الأكثر أهمية، وتزداد أهميتها باستمرار منذ سقوط الدولة العثمانية، ولقد سقطت دول وحركات ولافتات يوم ظنت أنّ القدس فاتورة يمكن دفعها للوصول إلى أهدافها الوضيعة. فإذا كانت حرب الأيام الستة قد فضحت أنظمة فإن التداعيات السياسية من بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى وإلى هذه اللحظات، كشفت على مذبح المدينة المقدسة هراءهم وبؤس طروحاتهم، فالقدس مدينة لا ترحم من يستخدمها للوصول إلى أهداف وضعية سواء كان من العرب أو من غيرها، فهي ليست فاتورة يمكن دفعها لشهوات آنية.

بات أهل القدس بين لابتي الصهيونية اليمينية الدينية-المحافظة، التي تتوسل التدرج للوصول الى أهدافها التهويدية، والصهيونية الدينية والحاريدية المتصهينة التي تعتمد بالمباشرة وفرض الأمر الواقع، وهذه الأخيرة تزداد مساحات تأثيرها في المجتمع الإسرائيلي، وقد كشفت استطلاعات رأي إسرائيلية عن ارتفاع مستمر بين الإسرائيليين الداعين “للصلاة” في المسجد الأقصى المبارك، فخلال ثلاث سنوات ارتفع العدد من 41% عام 2020 ليصل إلى 50% عام 2022. في عام 2021 كشف استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي أنّ 86% من اليهود يؤيدون ويدعمون اقتحامات المسجد الأقصى المبارك و40% منهم مع الصلاة في رحابه، فيما يرى 81% انهاء ما يسمى الوضع القائم (ستاتوس كفوو)، وهو ما يؤكد أنّ المجتمع الإسرائيلي بات في السنوات الأخيرة يرى باقتحامات المسجد الأقصى حقًا شرعيًا وبيانًا دينيًا وإظهارًا سياسيًا.

يلاحظ تشدد مستمر في مواقف اليمين على اختلاف درجاته الايدولوجية تجاه إقامة الصلوات في المسجد الأقصى، حيث يشير الإحصاء الصادر عن المعهد الإسرائيلي للديموقراطية، عن ارتفاع مستمر، ما يعني أننا أمام مجتمع يتأدلج باستمرار ويتعاطى مع القضية الفلسطينية عمومًا والقدس والأقصى على أنها قضية سياسية -أيديولوجية، وهو ما يجب أن يتنبه له حكام العرب والنخب الحاكمة.

يكشف لنا الاستطلاع أنّ 72.5% من المصوتين للأحزاب اليمينية مع الصلاة في المسجد الأقصى، فيما يهبط إلى 34.5% في أحزاب المركز واليسار (ميرتس) وإلى 15.5% بين الأحزاب الحاريدية. وواضح أنّ البعد الأيديولوجي والسياسي وسياسات المصالح لها دور في القرار ويبين ذلك السبب المرتجى من وراء هذه الصلاة في زعمهم أنها بيان ودليل على فرض السيادة (38% من اليمين يرون أنّ الصلاة في الأقصى دليل على فرض السيادة، و12% برسم أنها فريضة دينية).

من بيانات تحليل الاستطلاع في الخصيصة التي تهمنا أن ثمة صراع داخل التيار الديني عمومًا بمدارسه الثلاث حول جدل العلاقة مع المسجد الأقصى وكيف يجب أن تكون هذه العلاقة والمنطلقات أيديولوجية بامتياز: الحاريدية، والحاريدية الصهيونية، والصهيونية الدينية، واليمين العلماني والمحافظ، وهو ما يُترجم راهنًا في حرب ضروس تدور رحاها في الفضاءات السياسية، وخاصة في الكنيست ولجانها التشريعية المختلفة، والحرب الضروس بين المعارضة والتيار الحاكم من نفس المدرسة، خاصة في جدل العلاقة مع المسجد الأقصى المبارك وتحديدًا مسألة الاقتحامات، حيث يتبارزون في دعاوى الاقتحامات وحمايتها إلى جانب منح بنيت ككل الذين سبقوه الضوء الأخضر لأجهزة الأمن، أن تقتل في الضفة بدم بارد وأن تضرب بعصا غليظة المصليات تحديدًا في المسجد الأقصى المبارك.

ولأنَّ الصهيونية الدينية ومعها الحاريدية الصهيونية تتصدر المشهد السياسي سواء في المعارضة أو الائتلاف، فإننا أمام حالة متقدمة من التشدد والتطرف الديني باتت معالمه واضحة في كافة مناشط الحياة، ومن ضمنها العلاقة مع القدس وبيان ذلك في مسيرة الإعلام اليهودية التي جرت الأحد قبل الماضي، حيث كشفت عن حجم الضخ الإعلامي والأيديولوجي الصهيو- حاريدي، وقد سعت الكتل الصهيونية الدينية في الائتلاف والمعارضة لإثبات وجودها في القدس والبلدة القديمة والمسجد الأقصى، وكشفت أخلاقيات هذه المجموعات التي تمتعت بحماية من المستعمر الإسرائيلي، عن هبوطها ومدى ارتباطها العضوي والمصلحي بالمؤسسة الاحتلالية، تمامًا كما كشفت الأحداث عن جودة الفرد المقدسي واستعداده للوقوف أمام الجحافل الاستعمارية بصدر عار، فإذا كان المستعمر الإسرائيلي المدجج بالسلاح والعتاد، يسعى لفرض سيطرته على الأرض والفضاء بما في ذلك المسجد الأقصى المُبارك، فإنَّ الانسان المقدسي أثبت له أن لا مكان له على هذه الأرض.

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى