أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالاتومضات

المهارات الخمس

الشيخ كمال خطيب

هو الحبيب محمد ﷺ فقد أوتي جوامع الكلم كما ورد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فقال: “فضّلت على الأنبياء بستّ”. وذكر منها: “أُعطيت جوامع الكلم”. وفي رواية للبخاري “أُعطيت مفاتح الكلم” وهي عطية من الله سبحانه لرسوله ﷺ بالقدرة على إيجاز اللفظ مع سعة المعنى أو قلة عدد الحروف وكثرة عدد المعاني والدلالات فيما قاله ﷺ.

وإنها خمسة من أحاديثه الشريفة ﷺ قليلة الكلمات كثيرة المعاني. يقول الدكتور حسان شمسي باشا: “أحاديث تغنيك عن حضور دورات تدريبية لمهارات مهمة في الحياة لأنها تجمع أصول الأخلاق والأدب”.

 

مهارة ضبط اللسان

إنها المهارة والفن والإبداع الذي نتعلمه من حديث رسول الله ﷺ الذي يقول فيه: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت”. إنه اللسان إما أن تضبطه فتقول فيه خيرًا فيقودك إلى الجنة أو أن تدعه ينفلت فحتمًا سيقودك إلى النار كما قال ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه وقد أخذ بلسانه ﷺ وقال له: “كفّ عليك هذا. فقلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم”. فكما أن المنجل يقطع كل ما يقع عليه أخضرًا أو يابسًا فإن اللسان عند بعض الناس يتكلم بكل نوع من الكلام حسنًا كان أو قبيحًا.

لقد خلق الله لنا لسانًا واحدًا حتى نتكلم قليلًا، وخلق لنا أذنين اثنتين حتى نسمع كثيرًا. جاء رجل إلى النبي ﷺ قائلا: “يا رسول الله عظني وأوجز. فقال ﷺ: إذا قمت في صلاتك فصلّ صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدًا”. وفي الحديث الآخر قوله ﷺ: “لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى لا يستقيم لسانه، ولا يدخل رجل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه”. إنه اللسان إذا أتقنت مهارة ضبطه فإنه سيكون سبب سعادتك وإلا فإنه سيكون سبب شقاوتك {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ*قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ*وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ*وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ*وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ*حَتّى أتِينا اليَقِينُ} 43-46 سورة المدثر.

إنه اللسان بإتقانك مهارة ضبطه فإنه بدل أن يلغو فإنه يسبح الله تعالى، وبدل أن يخوض فيما لا ينفع ولا يفيد فإنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وبدل أن يقع في الأعراض فإنه سينتصر للحق. إنه بدل أن يشكو فإنه يشكر، وقد قيل: إن من الناس من يشكو الله لأنه جعل تحت الورد شوكًا، وإن من الناس من يشكر الله لأنه جعل فوق الشوك وردًا قال سبحانه {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} آية 18 سورة النحل. إنه اللسان يشكو أو يشكر فتعلم مهارة ضبطه.

 

مهارة ضبط الفضول

إنها المهارة والفن والإبداع الذي نتعلمه من حديث رسول الله ﷺ الذي يقول فيه: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه” حتى أن علماء قالوا إن هذا الحديث يمثل ثلث الدين، وهو أصل من أصول الأدب يعلمنا كيف نضبط علاقتنا مع الناس وكيف نحافظ على احترام الناس واحترامهم لنا.

إن الفضول يعني حب التدخل ومعرفة ما ليس لك من خصوصيات الآخرين، وهو ما أطلق عليه بالعامية “الحشري” أو “ثقيل الدم”. ولأنها حالة وسلوك سلبي ينعكس على نظرة وتعامل الإنسان مع صاحب هذا السلوك “الفضولي” فلا بد أن يعمل الانسان إلى ضبط هذه الرغبة وكبح جماحها، وقد قيل: “من تدخل فيما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه”، وقبل ذلك فإن من حسن دين الانسان وإسلامه ترك ما ليس له كما ورد في الحديث الشريف: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”. وقديمًا قال الشاعر:

الحِلم دين والسكوت سلامة    فإذا نطقت فلا تكن مكثارًا

ما إن ندمت على سكوتي مرة    إلا ندمت على الكلام مرارًا

إن الفضول في الإنسان تجعله يعيش بشعور الوسوسة حتى يعرف الشيء الذي لا يخصّه، فتجده يسأل غيره أين كنت؟ من أين جئت؟ بكم اشتريت هذه السلعة؟ متى ستسافر؟ من سيسافر معك؟ وبالعامية “جلدُه بحُكه”. إنه لا يهدأ حتى يعرف وباللفظ الآخر يقال “فلان بكحْكر” أو “فلان بنبش”، وهذا كله ليس من أخلاق المسلم وقد توفي رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فقال رجل: “أبشر بالجنة. فقال له رسول ﷺ: أولا تدري؟ فلعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا يغنيه”. وقد قيل للقمان الحكيم: ما حكمتك؟ فقال: “لا أتكلّف عمّا كفيت ولا أسأل عمّا لا يغنيني”.

إن عدم إتقان مهارة ضبط الفضول يوقعان الفضولي في حرج شديد بل قد يتسببان له بقلة احترام الناس له بل وريبتهم منه وهو الذي يحشر أنفه فيما لا يعنيه أو يسأل عمّا ليس له به شأن وقد قال بكر بن عبد الله: “أحق الناس بلطمة من أتى طعامًا لم يدع إليه، وأحق الناس بلطمتين اثنتين من يقول له صاحب البيت اجلس هنا فيقول لا بل أجلس هنا أي في مكان غير الذي أشار إليه صاحب البيت أن يجلس فيه، وأحق الناس بثلاث لطمات من دعي إلى طعام فقال لصاحب المنزل: ادع زوجتك تأكل معنا”. فاحترم نفسك ولا تكن فضوليًا.

 

مهاره ضبط النفس

إنها المهارة والفن والإبداع نتعلمه من حديث رسول الله ﷺ الذي يقول فيه لرجل قال له أوصني يا رسول الله فقال: “لا تغضب”، فردد مرارًا قال “لا تغضب”.

لقد قال الله سبحانه في بيان فضل مهارة ضبط النفس والتحكم بها عند الانفعال لمّا قال {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} آية 186 سورة البقرة. وقال رسول الله ﷺ: “ليس الشديد بالصُرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”. وقد سأله رجل قائلًا: “يا رسول الله ماذا يباعدني عن غضب الله؟ فقال: لا تغضب”. وسأل رجل رسول الله ﷺ قائلًا: “دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال: لا تغضب”. نعم إن القدرة على ضبط النفس وضبط الانفعال فإنها تعبر عن قوة الشخصية كما قال ﷺ: “ليس الشديد بالصُرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”. وقد مرّ النبي ﷺ بقوم يصطرعون فقال ما هذا؟ قالوا: فلان، ما يصارع أحدًا إلا صرعه. فقال ﷺ: أفلا أدلكم على من هو أشد منه؟ رجل كلّمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه”.

إن مهارة ضبط النفس تقود إلى النجاة والسلامة من كثير من الآثار السلبية التي تنتج عن الغضب، إنه الغضب الذي يقود إلى التنازع والتخاصم وما يتبع ذلك من مظاهر العنف التي تسود مجتمعنا، بل تغرقه في أتون دوامة العنف والانتقام. إننا نرى ونسمع من يتظاهرون في الغضب والعصبية والحمية في أمور تافهة وصغيرة ولا يقدرون على ضبط أنفسهم، بينما هم الذين يتبلّدون ولا يتأثرون من انتهاك حرمة ربهم ولا حرمة مقدساتهم ولا أوطانهم.

كان الحارث بن عباد في حرب، وكان يسعى وكل همه أن يظفر بعدي بن أبي ربيعة ليثأر منه في خصومة سابقه بين قبيلتيهم، وكان الحارث بن عباد لا يعرف عدي بن أبي ربيعة وبينما هو في معمعة المعركة أسر رجلًا، فطلب منه أن يدلّه على عدي بن أبي ربيعة، فقال له الأسير أتطلقني من أسري إن دللتك؟ قال نعم، قال: أنا عدي بن أبي ربيعة فأطلقه الحارث وفاء بوعده. لقد ضبط نفسه وكل مشاعر الانتقام ومشاعر الفرح بالعثور على مبتغاه لكن رجولته هي التي انتصرت على كل ما سواها. فكن رجلًا وأتقن مهارة ضبط نفسك وأمسك بلجامها وقُدها ولا تجعلها تقودك.

 

مهارة سلامة القلب

إنها المهارة والفن والابداع الذي نتعلمه من حديث رسول الله ﷺ الذي يقول فيه: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”. إن العمل والسعي للانتصار في معركة النفس والقلب تتطلب جهدًا كبيرًا من صاحبها، ولكنه الجهد الذي لا بد منه والثمن الذي لأجله يستحق صاحبه أن يدخل الجنة. فلقد وصف الله أهل الجنة بأنهم الذين انتصروا في معركة سلامة الصدر وأتقنوا مهارة سلامة القلب {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} آية 43 سورة الأعراف. {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} آية 47 سورة الحجر، لا بل إن الله سبحانه قد وصف أصحاب رسول الله ﷺ بأنهم الذين انتصروا في مهارة سلامة القلب لما قال سبحانه {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} آية 9 سورة الحشر.

قال الدكتور حسان شمسي باشا: “وإن أحسنت لمن أحسن إليك فأنت البرّ الوفي لأن الله تعالى يقول {هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ} آية 60 سورة الرحمن، وإن أحسنت لمن لم يحسن إليك فأنت الكريم الخفي فالشاعر يقول:

 

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم       فطالما استعبد الإحسان إنسانًا

وإن أنت احسنت لمن أساء إليك فأنت المؤمن الصفي فالله تعالى يقول {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} آية 34 سورة فصلت. فاختر أي واحد من هؤلاء الثلاثة تكون ولعلك أن تفوز بها كلها فتكون أنت البرّ الوفي والكريم الخفي والمؤمن الصفي”.

خرج عبد الله بن جعفر بن أبي طالب إلى بستان له وكان معروفًا بسخائه رضي الله عنه فنزل على نخيل قوم وفيه غلام حبشي ويعمل فيه، إذ أتى الغلام بطعامه فدخل البستان كلب ودنا من الغلام فرمى إليه الغلام بقرص فأكله ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكله وعبد الله بن جعفر ينظر إليه، فقال: يا غلام كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت. قال بن جعفر: فلم آثرت به هذا الكلب؟ فقال: إن هذه الأرض ما هي بأرض كلاب، وإن هذا الكلب جاء من مسافة بعيدة جائعًا فكرهت أن أشبع وهو جائع، فقال له عبد الله بن جعفر: فما أنت صانع اليوم؟ قال: أطوي يومي هذا، فقال عبد الله بن جعفر: يلومونني على السخاء ووالله إن هذا الغلام أسخى مني، فاشترى الحائط “الحديقة” والغلام وكل ما في الحائط فأعتق الغلام ووهبه الحائط.

وما أجمل ما قاله الشاعر:

عاشر بمعروف فإنك راحل     واترك قلوب الناس نحوك صافية

واذكر من الإحسان كل صغيرة   فالله لا تخفى عليه خافية

لا منصب يبقى ولا رتب هنا     أحسن بذكرك بالمحاسن كافية

واكتب بخطك إن أردت عبارة    لا شيء في الدنيا يساوي العافية

فتدرب على إتقان سلامة قلبك لعلّك تكون البرّ الوفي أو الكريم الخفي أو المؤمن الصفي.

 

مهاره ضبط المشاعر

إنها المهارة والفن والإبداع الذي نتعلمه من حديث رسول الله ﷺ الذي يقول فيه: “بشّروا ولا تنفّروا، يسّروا ولا تعسّروا”. فليس سهلًا أن تضبط بوصلة مشاعرك باتجاه الاستبشار والتفاؤل دائمًا فالإنسان يحزن ويفرح، يبكي ويضحك، يتشاءم ويتفاءل إنه يتأثر بكل ما يجري حوله. فالمهارة والابداع ألّا تجعل الحزن يسيطر عليك ولا تجعل البكاء يلازمك، بل أن تحول التشاؤم إلى تفاؤل وقد قيل في القول المأثور: “التفاؤل فن تصنعه النفوس الواثقة بفرج الله”، وهذا ما كان عليه هدي النبي ﷺ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال: “كان النبي ﷺ يعجبه الفأل الحسن ويكره الطّيرة”. إنه وفي وسط عتمه الغار ومع وقوف كفار قريش على باب الغار يقول ﷺ لأبي بكر وقد قال له “لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدمه لرآنا” فكان جوابه ﷺ: “يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما”.

لقد كانت مهارة ضبط المشاعر باتجاه التفاؤل هو هديه ﷺ في كل حين، فكيف وهو يقول لما سمع أهل المدينة يقولون للعائدين من معركة مؤتة يا فُرّار، فردّ عليهم بل هم الكُرّار إن شاء الله. في دفعة معنوية وتحويل الهزيمة إلى نصر، بل إنه الذي كان يرسم ملامح الحالة الاجتماعية بأدق التفاصيل حتى أنه لما سأل رجلًا عن اسمه فقال اسمي صعب فقال له بل أنت سهل، وللذي قال أن اسمه حرب بل أنت سلم، وليس هذا وحسب بل إنه وجّه لتحويل الظروف الصعبة من يأس قاتل يدمر النفوس والأمم إلى طاقة روحية تغيّر مجرى الأحداث لمّا قال: “أفضل العبادة انتظار الفرج من الله تعالى”، بل إنه الذي قال: “واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا”.

فأتقنوا ضبط المشاعر، وتفاءلوا بالخير تجدوه، وابقوا على أمل بل يقين أننا إلى الفرج أقرب فأبشروا..

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى