أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالاتومضات

قانون لم الشمل والتهافت السياسي..

صالح لطفي- باحث ومحلل سياسي

لطالما نظّرَ بعض المفكرين والمنظرين في السياسة على أنها فن الممكن، وأنّ هذا الممكن هو السبيل لتحقيق الأهداف المرجوّة بغض النظر عن الأثمان التي ستدفع ومن سيدفعها وكيفية دفعها. وإسرائيل تعتبر عمليا من منتجات هذه القاعدة المعنية بكون السياسة فن الممكن، وهي إذ نشأت من رحم هذا الإمكان السياسي بكونه مصلحيًا يخدم من قام على تصنيعها، فقد مضت كدولة على هذه السّنّة، فمنذ أن قامت وإلى هذه اللحظات، مارست فن الممكن السياسي على كافة المستويات الداخلية والخارجية، وهذا الممكن السياسي تحقق عبر وسائل جمّة ليس أقلها البغي والمكر والخديعة والمخاتلة، وما اتفاقية أوسلو عنا ببعيد. في سياق الممكن، تستعمل المؤسسة الإسرائيلية كافة مقدّراتها وإمكانياتها لتحقيق ما تريد متسلحة بسياسة فرض الأمر الواقع المصحوب بالقوة وتبعاتها المختلفة، وذلك يحقق هذا الممكن ويحيله بيانا لا شيّة فيه، وما السياسات التي تمارسها علينا كفلسطينيين عبر كافة جغرافيا التراب الفلسطيني، إلا توضيحًا لما أقول.

مساء الاثنين المنصرم، صادقت الكنيست بالقراءة الأولى على مشروع تقدّمت به وزيرة الداخلية عن حزب “يمينا” والقاضي بمنع لمّ شمل العائلات الفلسطينية في سياق قانون المواطنة، وقد صوّت إلى جانب القانون الأحزاب الائتلافية في حين تغيبت كتل ميرتس والموحدة وأعضاء من حزب العمل عن التصويت.

يمكن للقارئ والمشاهد للحدث السياسي المتعلق بالتصويت وكيف تمّ أن يتفهم ميرتس وأعضاء العمل المتغيبين، باعتبار انهم جزء من الكل الصهيوني مع فوارق أيديولوجية وفكرية، ولكن لا يمكن تَفهُم ما قامت به القائمة الموحدة إلا في سياق فن الممكن في السياسة، بعدئذ تنازل أعضاؤها عن البعدين الأخلاقي في السياسة والسياسة في الاخلاق، ففن الممكن في السياسة بدا لي متجذرًا في العقلية السياسية للمسؤولين في القائمة، فإذا كانت الغاية تبرر الوسيلة معراج من يقولون إن السياسة فن الممكن، فإن كتلة القائمة الموحدة قد منحت هذه الفلسفة صكًا أخلاقيا، باعتبار أنّ مقاطعتها التصويت لا تعني أبدًا انها ضد القانون بقدر ما يعني انها قارفت السياسة في جانبها المصلحي الضيق الذي يضمن البقاء في الحكومة واستمرارها من جهة، ومتنازلة عن مصالح عليا ذات بعد قيمي وأخلاقي من جهة أخرى. وبذلك وقعت في مفسدة الاستبداد إذ تظنّ أنّها تحسن صنعا، خاصة إذا ما علمنا أنّ ممارسي السياسة من مختلف الاشربة الفكرية بما فيهم التيار النفعي ومقابله الدوغمائي، يعتقدون بضرورة الضابط الأخلاقي للسياسة، ولقد رأينا شاكيد كيف نظرت إلى تمرير قانون المواطنة ومنع لمّ الشمل على أنّه انتصار للصهيونية (أيديولوجيا) وانتصار للفطرة (أخلاق).

لقد كان توماس جيفرسون (1743-1826) أول من صاغ مبادئ الديموقراطية بعبارات ومبادئ ذات قيم إنسانية، وهو يرى أنّ كل شيء يمكن أن يتغير إلا حقوق الانسان، فإنه لا يجوز المساس بها لأنها بتعبيره: “جزء من جوهر الإنسان الذي وضعه الله الخالق فيه وانتزاع هذا الحق تدمير وهدم للإنسان وتدمير ما أبدع الله الخلاق العظيم”.

ما فعلته الموحدة من عدم التصويت، يصبّ مطلقا في فن الممكن في السياسة ويتجاوز البعد الأخلاقي كقيم ثابتة وموجهة إلى القيم النفعية كوسيط أخلاقي يبرر الفعل السياسي وممارساته، ضمن ما يسمّونه اللعبة الديموقراطية، ويبين بعضا من جدل العلاقة القائم بين الأقلية الفلسطينية كأقلية مهيضة الجناح ومقهورة وقياداتها التي تنتخبها كلما اعلن عن انتخابات تشريعية، إذ سرعان ما تتضح ضحالة هؤلاء في التنظير والممارسة ونزع الحقوق.

لا شكَّ عندي أنّ ما تقوم به الموحدة كذراع لتيار إسلامي يرى بنفسه إسلاميا ووسطيا في الفكر والمعتقد والممارسة، سيقف عند ممارساته السياسية وجدل العلاقة بين الدين والسياسية في ظلال الحالة الإسرائيلية عديد الباحثين والمفكرين من الإسلاميين المشتغلين بجدل العلاقة بين الدين والسياسة من جهة، وبين الأخلاق والسياسة من جهة أخرى، ليس على اعتبار طوباوية الأخلاق في علاقتها مع السياسة فقط، بل وعلى اعتبار نسبة السياسة في الاخلاق لدى المحسوبين على التيار الإسلامي المُمارس للسياسة.

استماتة الموحدة على البقاء في الحكومة وبأي ثمن، لا يمكن تفسيره بعيدا عن سياسة ما يمكن تحقيقه وأنّ الغاية تبرر الوسيلة، وفقا للمنظور المكيافيلي لعلاقة الاخلاق بالسياسة، خاصة وأن هذا القانون (قانون المواطنة ومنع لم الشمل وقد صوت لصالحه 44 عضوًا) قد مرر إلى جانبه في إطار صفقة عقدتها شاكيد مع المعارضة ثلاثة قوانين تمنع لم شمل العائلات الفلسطينية، فقد تمّت الموافقة على قانون تقدم به النائب هاوزر 73 عضوًا وآخر تقدم به النائب روثمان بدعم 73 عضوا وآخر تقدم به ديختر بدعم 74 عضوًا. وكافة هذه المقترحات القانونية سيتم رفعها إلى لجنة الكنيست للبت في تحويلها الى اللجنة التي ستعمل على اعدادها للقراءات الأولى والثانية، ومن الوارد جمعها في إطار قانون واحد يقضي بمنع لم الشمل نهائيا.

هذا القانون عرى القائمة الموحدة أخلاقيا مرتين، مرة بتوحشها النفعي وأنّها قائمة تؤمن بقيم المصلحة والغاية تبرر الوسيلة، وثانيا بتواطؤها الأخلاقي على جزء حي من أبناء شعبها قد يكون بعضهم ممن لهم حق التصويت قد صوتَّ لها، بل ويؤمن بنهجها المسمى راهنًا، النهج الجديد.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى