أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

الصهيونية الدينية ومهمة حراسة المُــقدس: هل هي حرب مــفتوحة على الفلســطيني؟

الحاريديلية وسياسات استغلال الأحداث (5)

الحاريديلية وسياسات استغلال الأحداث (5)

صالح لطفي- باحث ومحلل سياسي

تعتبر أحداث هبة الكرامة وما حدث في المدن الساحلية من مساع للتيار الديني الصهيوني الرسمي والآخر الحاريديلي مساحة هامة لفهم العقلية العملية للتيار الديني عموما والتيار الحاريديلي وكيف يتصرف في ساعات الأزمة، وكيف تتم عملية الاستفادة المتبادلة بينه وبين المؤسسة الرسمية بأذرعها المختلفة من هذه اللحظة لتعزيز وتمكين الوجود اليهودي في تقاطع بين للمصلحة العليا المتمثلة بتهويد المكان.

 

العمل والحشد المنظم

لقد ظهرت عملية التنظيم والحشد المنظم والمبرمج للمستوطنين المحتلين للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، سواء التابعين للتيار الديني الصهيوني الرسمي بمختلف مدارسه أو التيار الديني الصهيوني التوراتي، بما في ذلك مجموعات شباب التلال ولهافا في القدس ومنظمات من التيار الديني التوراتي الشرقي (النوويات التوراتية الصهيونية الشرقية) المتواجدة في القدس والمدن الإسرائيلية ذات الكثافة السفارادية (أصول من اسبانيا والبرتغال) والشرقية (الأصول من الدول العربية والإسلامية)، وكانت الاستجابات التي أطلقتها منظمات محسوبة على التيارين الديني الصهيوني الرسمي أي المفدال تاريخيا والتيار الحاريدلي، فقد قامت مجموعة إسرائيل لي (ישראל שלי) وهو تنظيم أسسه كلٌّ من نفتالي بينيت وأيلييت شاكيد، فقد قام هذا التنظيم وبالتعاون مع مجموعات دينية من التيار الشرقي الحاريدلي بفتح صفحة على الواتس آب دعوا فيها لنصرة إخوانهم المحاصرين من أبناء النوويات التوراتية في مدينة اللد، وطالبوا بمن يأتي للنصرة أن يكونوا من أصحاب الخلفيات العسكرية المقاتلة، وكانت المجموعة الثانية التي دعت إلى نصرتهم في مدينة اللد، حركة رغفيم، רגבים-(منظمة تتبع التيار الديني الصهيوني من مجموعة بتسلئيل وتتواصل مع شباب التلال في الضفة الغربية والمنظمات الدينية الحاريدلية الشرقية وتقول في صفحتها الالكترونية إن مهمتها مراقبة البناء لدى العرب في الضفة الغربية والداخل الفلسطيني لحماية الأرض اليهودية وتتابع ذلك عبر إجراءات قانونية في المحاكم الإسرائيلية)، هذه المنظمة/الحركة/المجموعة، أصدرت العديد من البيانات والدعوات لإغاثة اليهود المستوطنين في اللد في المناطق العربية باعتبار أن وجودهم الاستيطاني في المدن الساحلية مهمة دينية ووطنية وقومية، وقد كانت الشعارات التي رفعت من أطراف متعددة من الحاريدلية والصهيونية الدينية الرسمية: (قادمون لمساعدة إخواتنا في المدن الساحلية)، ولقد استجاب لهذه النداءات المئات ممن اطلعوا على هذه الصفحات خاصة من شباب التلال ولهافيم وتنظيمات متطرفة لا تعترف أصلا بالسيادة اليهودية العلمانية، وشكلت هذه المجموعات تحديدا قيمة مضافة لأولئك الذين وفدوا إلى المدن الساحلية خاصة مدينة اللد باعتبارهم “حُماة الدار” واعتبرهم المئات من اليهود المتابعين لتلكم الصفحات “مقاتلون حقيقيون، فقط في ساعات الأزمة تتجلى حقيقة هؤلاء، الحارديليون، الذين ظُلموا لسنوات طويلة واليوم كل واحد يصلي من أجل أن تأتوا لحماية بيته”. هذا ما كتبه أحد المتابعين لتلكم الصفحات في تلكم اللحظات من الأحداث.

ليس بالضرورة أن كلَّ من استجاب هو من اتباع هذا التنظيم ولكن بالقطع استجاب لدعاوى نصرة اليهود الذي يعني في تلكم اللحظات أن من يمكنه حماية اليهود وقت الأزمات هم أمثال هؤلاء من اليهود المتشددين المتدينين وليست الحكومة التي تواطأت بوضوح مع هذه المجموعات على أملِّ منها أن تحدث مجازر لصالح المتدخلين الوافدين من أراضي الضفة الغربية ممن اعتادوا التعامل مع الفلسطينيين عبر فوهات البندقية وتحت حراسة الجيش والأجهزة الأمنية المختلفة.

إنَّ الجاهزية للمساعدة والقدوم من مختلف انحاء البلاد لم يكن لأسباب ايديولوجية فحسب، بل ولأسباب ذات منطلقات مجتمعية وجدانية تتعلق بالكرامة اليهودية والوجود اليهودي، فقد نجحت هذه الحركات أن تذوتها في النفسية الإسرائيلية، بما في ذلك تلكم غير المتدينة تدينا كاملا ولكنها تزور الكنيس في السبت وتحترم الشعائر اليهودية وهؤلاء اليوم يشكلون أكثر من ثلثي المجتمع الإسرائيلي، ومن خلال متابعات التصريحات الصادرة عن قيادات هذه التيارات وصفحاتها على أدوات التواصل الاجتماعي والصفحات الرسمية وصفحات الفتاوى التابعة لهذه المجموعات الواردة آنفا، يلاحظ أنّ الخطوط الفاصلة بين التيارات المذكورة والمتمثلة بأولئك الذين يرون برموز الدولة قيمة دينية وقومية، وأولئك الذين لا يعترفون أصلا بالدولة ولا يخدمون في الجيش ويعتبرون أجهزته الأمنية عدوا لدودا يقف حائلا أمام قيمهم العليا، سيرى أنّ الفوارق بين المجموعتين تلاشت أثناء تلكم الاحداث.

بذلك نجح التيار الحاريديلي بالحصول على شرعية من التيار الديني الصهيوني الرسمي، علما أنه تحصلَّ على مثل هذا الاعتراف من القوى السياسية ممثلة بالليكود الحاكم، لكن هذا الاعتراف المصلحي السياسي الذرائعي ما كان ينفعهم في الحقل الديني الصهيوني الواسع سواء ذلك المنتشر بين النخب الاشكنازية ذات الأصول المفدالية والمنظمات المنبثقة عن غوش امونيم أو أولئك الذين تركوا مدرسة الراب عوفاديا يوسف وانضموا لاحقا الى ايلي يشاي الذي تبخر سريعا وتعتبر شراكة بن جفير وبتسلئيل بدايات لهذا التحول.

تتجلى سياسات الأمر الواقع بين هذه المجموعات، من خلال العمل المشترك الذي قامت به في تلكم المدن، طبعا تحت حماية السلطات الرسمية.

تحركات هؤلاء كانت ضمن معادلة تزعم أنَّ الوجود اليهودي على الأرض يقدسها، أي أن القداسة لليهودي سابقة لقداسة الأرض، وهذا على خلاف قناعات الحاريديلية، ولكنها استثمرت هذه الاحداث لوضع قدم لها خارج بؤرها الجغرافيا وهو ما يعني أن الوجود اليهودي في المدن الساحلية يستوجب إخراج الجوييم لتحقيق مطلق للقداسة، وهذا الوجود المفروض سيتعزز كما يبدو لي لاحقا وفي ظل هذه الحكومة التي يترأسها واحد من أبناء القبعات الدينية وينفذ سياساته الدينية-الصهيونية-الحاريديلة من خلال أصوات مئات الالاف من العرب برسم مشاركة القائمة الموحدة في هذه الحكومة وهذا من المفارقات في عالم السياسة الإسرائيلية يستوجب إرجاع البصر كرتين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى