آري شبيط والشيخ رائد صلاح والتحذير من الكارثة
ساهر غزاوي
لعل التحذير من الكارثة نتيجة اللعب في نار المسجد الأقصى الذي ورد في كتاب “أرض إسرائيل ميعادي.. إسرائيل النصر والمأساة” على لسان الشيخ رائد صلاح، تأتي أهميته من الكاتب والمؤلف نفسه القلق على مستقبل المشروع الصهيوني، فالكاتب هو آري شبيط، من “المؤرخون الجدد” أو ما يطلق عليهم “حركة المؤرخين الإسرائيليين الجدد” كما أنه أيضًا يعتبر كاتبًا مرموقًا ينشر في صحيفة “هآرتس” والصحافة العالمية. ففي كتابه يشرح آلية نجاح الحركة الصهيونية في بناء المجتمع الإسرائيلي ومن ناحية أخرى يبدد وبشكل نهائي الوهم المسمى بعملية السلام ويصل في ختام كتابه إلى نتيجة مفادها أن السلام بين العرب والإسرائيليين، مستحيل، رغم أن الكاتب من مؤيدي حل الدولتين بعد أن تنسحب المؤسسة الإسرائيلية من الأراضي المحتلة عام 1967.
تحت عنوان (في الجليل) يسرد الكاتب تفاصيل لقائه بالشيخ رائد صلاح في مكتبه بمدينة أم الفحم عندما كان رئيسًا للبلدية، وذلك في أعقاب هبة القدس والأقصى عام 2000. ويقول: “في الأسبوع الأول من تشرين أول 2000، تظاهر الفلسطينيون “الإسرائيليون” في معظم مناطق الشمال. ما بدأ على شكل موجة احتجاجات دعما للقضية الفلسطينية، بعد فشل محادثات كامب ديفيد، تحوّل إلى موجة من العنف. تعرضت الشرطة الإسرائيلية للهجوم (حسب الكاتب)، فردت بقتل ثلاثة عشر من المواطنين العرب. في اليوم الأخير من ذلك الأسبوع الدامي، أخذني المحامي محمد دحله في سيارته لأشاهد المعارك بنفسي، زرنا مدينة أم الفحم المليئة بالدخان فيما كان اللهب ينطفئ. توفقنا عند الشيخ رائد صلاح، قائد الحركة الإسلامية “المتطرفة”. الرجل ذو العينيين المشرقتين تحدث عن المساجد المهجورة في القرى المدمرة في جميع أنحاء البلاد، وعن الخطر الذي يحوم فوق المسجد الأقصى، وصرّح أن اليهود لا يمتلكون حقوقًا تاريخية في المسجد الأقصى وأن قصتهم عن “جبل الهيكل” محض خيال. ثم ذهبنا إلى خيمة عزاء لشهيد شاب من شهداء القضية. في قرية كفر كنا، الأب المفجوع على خسارة ابنه ذو السبعة عشر عامًا، تحدث إلينا بفخر عن ابنه الذي كان يرجع كل يوم من المظاهرات مستاءً من عودته حيًا، حتى جاء يوم لم يعد فيه حيًا. بعد ذلك سرنا في شوارع الناصرة وبين مطاعمها الفارغة. ما صدمنا في كل مكان ذهبنا إليه هو الصمت، الصوت المكتوم خوفا. يبدو وكأن اليهود الإسرائيليين، والفلسطينيين “الإسرائيليين” مذعورون مما فعلوه للتو. لذلك التزم الطرفان منازلهم، بنوع من حظر التجول الطوعي، وانتظروا بفارغ الصبر ما سيكشفه المستقبل.
ويضيف: “عندما دخلت مع محمد إلى مكتب الشيخ رائد صلاح المتواضع، كانت تنتظرنا مفاجأة. لم تكن عينا الشيخ مشرقتان مثل المرة الماضية، وكان حاجباه معقودين. أخبرني بعبرية معقولة أن إسرائيل ستبدأ قريبا بطرد العرب من هذه الأرض. يمكن اعتبار عرض أفيغدور ليبرمان بجعل أم الفحم جزءًا من الدولة الفلسطينية المستقبلية وسيلة مهذبة لترحيل المواطنين. الشعور الذي يسود القرى العربية الآن أن التاريخ سيعيد نفسه، وأن ما حدث سنة 1948 على وشك الحدوث ثانية. كان الشيخ رائد صلاح يرتدي معطفًا داكنًا فوق ثوبه الأبيض وطاقية صوفية فوق شعره الأشيب. الآن كما في المرة الماضية بدا جليلًا وقورا. أطلق عبر مكتبه تحذيرًا لي من أن الصهيونية العالمية ترتكب خطأ فادحا باصطفافها مع المصالح الإمبريالية للويلات المتحدة، وباعتقادها أنه من الممكن، في القرن الواحد والعشرين، إعادة خلق الأحكام الاستعمارية التي فرضها البريطانيون والفرنسيون على الشرق الأوسط خلال القرن العشرين. قال صلاح إن الصهيونية العالمية لم تفهم أن العرب الذين ظلوا صامتين لمئة عام، لن يستمروا في صمتهم، مليار ونصف مليار مسلم لن يظلوا صامتين أكثر من ذلك”.
ويقول شبيط على لسان الشيخ رائد: “أنا لست نبيا. والمستقبل بيد الله. لكن هذا الصراع إذا تحول من صراع إسرائيلي- فلسطيني ليصبح صراعًا إسلاميًا يهوديًا، فإن العواقب ستكون وخيمة. يريد البروتستانت اليهود أرماجيدون. لذلك فإن العالم والشرق الأوسط، وبالتأكيد هذه الأرض، معرضون للخطر. هنالك خطر كبير على المسجد الأقصى. أنا قلق جدا. أشعر أن الكارثة قادمة، وأنها ستعرض مستقبل اليهود للخطر”.
تركنا الشيخ وانطلقنا إلى موطن المحامي محمد دحله في الجليل (طرعان)، بعد أن تجاوزنا تقاطع “ألونيم”، قال محمد إنه لا يتفق مع كل وجهات نظر الشيخ صلاح، لكنه يحترم وجهة نظره واعتداله وتاريخ نشاطاته. كان يقصد بحديثه مسيرة الأعلام (البيارق)، وهي حج أسبوعي، يقوده الشيخ صلاح، يحضر فيه باصات مليئة بالمؤمنين من الجليل إلى المسجد الأقصى. عملية ملفتة للنظر، منظمة بدقة، وتنمو باضطراد. على الرغم من أن محمد لم يكن متدينا، وأنه تعرف بالغرب وتأثر به وتبنى الكثير من قيمه، إلا أنه يقول إن الشيخ رائد صلاح يمثل بالنسبة له ركيزة هامة للهوية. قال لي محمد: “في الوقت الذي يمكن فيه اعتبار قصتكم عن الهيكل، الذي بناه سليمان قبل ثلاثة آلاف سنة، محض خيال، فإن الشيخ صلاح يمثل ألفا وأربعمائة سنة من الوجود الإسلامي الحقيقي على هذه الأرض. هذا الأمر أسر قلبي. هنالك شيء عميق جدًا في هذه الاستمرارية. عندما أستمع إلى الشيخ صلاح، أشعر وكأنني أتواصل عبر نفق الزمان ببدايات الإسلام وبالخليفة عمر بن الخطاب الذي سمّيت ابني باسمه. اشعر بالتواصل مع عظمة الإسلام. مما يمنحني شعورًا عميقًا بالراحة، إحساسا بالثقة بالنفس. أعلم بأن الهزيمة ليست قدرنا. وأننا لسنا أقلية. فكرة الأقلية غريبة على الإسلام، هي تناسب اليهودية، لكنها تبقى غريبة على الإسلام. وعندما تنظر حولك ستتأكد من أننا لسنا أقلية عربية وهي في الحقيقة أغلبية. لذلك فإنني أعرض مساعدتي في كل مرة تعتقل السلطات الشيخ صلاح. كشخص يمتلك خبرة جيدة في القانون الإسرائيلي، فإنني أبذل ما بوسعي لمساعدته”.
(المصدر: آري شبيط، أرض إسرائيل ميعادي.. إسرائيل النصر والمأساة. عمان. دار الفارس للنشر والتوزيع. 2018. ص 366-368. (مترجم للعربية).

