يافا الفلسطينية.. كانت مهدا للصحافة والثقافة قبل النكبة

يافا الفلسطينية.. كانت مهدا للصحافة والثقافة قبل النكبة

عبد القادر ياسين
في مدينة يافا الفلسطينية الساحلية، وُلدت، وإن كان تاريخ ميلادي محل اختلاف بين شقيقتيْ الأكبر قالت إنه في 26 كانون الثاني (يناير) 1936، بينما الأصغر أكدت بأنه في العام 1938. وأتت لجنة تسنين، تابعة لمديرية الصحة في قطاع غزة، لتزيد الأمر ارتباكًا، حين قدَّرت يوم ميلادي في 30 أيلول /سبتمبر 1937.
أعتز كثيرًا بيافا، لأنها المدينة العربية الفلسطينية الأكبر، والميناء الفلسطيني الأول، وفيها كانت تصدر الصحف اليومية العربية الثلاث: فلسطين، والدفاع، والشعب، دون العاصمة، القدس. وفيها محطة “إذاعة الشرق الأدنى” البريطانية، الناطقة بالعربية، والتي كانت تبث من حي الجبلية؛ في القسم الجنوبي من يافا.
تمتعت يافا بثلاث دور سينما، هي: فاروق، الشرق، والحمراء. وقبل نحو سنتيْن من النكبة: ارتفع عدد دور السينما إلى خمس، حين تم افتتاح داريْ سينما، نبيل، ورشيد، في الوقت ذاته، والواحدة مقابل الأخرى وسط البلد.
لطالما استقبلت سينما الحمراء كبار المطربين المصريين، أم كلثوم، وأسمهان، فالحمراء أرقى سينما في مبناها، حيث حوائطها الخارجية من الرخام الإيطالي، الأسود البراق، و كراسيها مخملية،استمرأ ماسحو الأحذية قطع أجزاء من مخملها ، تصلح لتلميع الأحذية!
اللافت أن بعض أحياء يافا أخذت أسماءها من أحياء مدينة الإسكندرية المصرية؛ فهناك أحياء المنشية، والنزهة، والعجمي، فضلاً عن حي رشيد، الذي اكتسب اسمه من مدينة رشيد، الساحلية المصرية، وهو حديث، نسبياً، ومعظم ساكنيه من المدينة المصرية المشار إليها، ونسبتهم الأكبر عملت في صيد الأسماك، ومنها خرج أبناء عائلة “الرشيدي”، الذين استبسلوا في الدفاع عن شمال يافا (الكرمل، والمنشية، وبعدها رشيد).
إلى ذلك ثمة “سوق البلابسة”، نسبة إلى أبناء مدينة بلبيس في محافظة الشرقية المصرية، حيث وصلت نسبة كبيرة إلى يافا، هربًا من التجنيد، التي فرضته سلطات الاحتلال البريطاني على أبناء مصر، أبان الحرب العالمية الأولى(1918 ـ 1914).
بمناسبة الحديث عن مصر في فلسطين، أذكر أن محمد حسين هيكل باشا، قطب “حزب الأحرار الدستوريين” في مصر قد زار القطاع العربي من فلسطين، ورفض أن يُلبي دعوة وفد عربي فلسطيني بزيارة القطاع العربي! كما أن توفيق الحكيم نزل ضيفًا على “الوكالة اليهودية ” تل أبيب، فزاره وفد من الأدباء العرب الفلسطينيين، وألح على الحكيم كي يزور يافا العربية، المجاورة لتل أبيب. رفض الحكيم الدعوة، زاعمًا بأنه أتى ليرى مدى التقدم الحضاري، الذي أحدثه اليهود في فلسطين، وأنه في غير حاجة لزيارة القطاع العربي. هنا انبرى له أديب شاب، هو خليل الخطيب، وقال له ساخرًا: هل حمارك هو الذي أوحى لك هذه الفكرة؟!
ربما تميَّزت يافا عن غيرها من المدن العربية الفلسطينية بـ “السكنات”، فثمة سكنة تل الريش، وسكنة درويش، وسكنة أبو كبير، وسكنة الغزازوة، وحي الجبالية، الذي اقتصرت سكناه على من وفدوا من قرية جباليا، بضواحي مدينة غزة. إلى يافا القديمة، التي تعود مبانيها إلى مئات السنين، وقام هذا الحي على ربوة صخرية متوسطة الارتفاع.
وقد نسفت قوات الانتداب البريطانية أجزاء غير قليلة من يافا القديمة، بذريعة تجميل المدينة. أما الدافع الحقيقي وراء نسف هذه الأجزاء، فيعود إلى رغبة القوات البريطانية في توسيع الطرقات الضيقة في هذا الحي؛ حتى يسهل على جنود الاحتلال البريطاني مطاردة مقاتلي ثورة 1936 ـ 1939، الوطنية الفلسطينية.
عند مدخل يافا، ثمة “سْبيل أبو نبوت”، والسْبيل هو ماء للشرب، كان قام بمده حاكم يافا العثماني، أواخر القرن الثامن عشر، أبو نبوت، عشية اجتياح القوات الفرنسية، بقيادة نابليون، الأراضي الفلسطينية، واحتلالها يافا، ضمن بقية المدن الفلسطينية، وإن استعصت عكا على هذه القوات، فاندحرت عن المدينة المنيعة، بعد طول حصارها.
أذكر أنني قمت بدور في مسرحية، جرى تمثيلها فوق مسرح سينما الحمراء، العام 1945، فكانت أول عمل أقوم به ـ أو إن شئت قل ـ أول حرفة امتهنها، بعدها توالت الهوايات، من الشعر (1957)، إلى الرسم (1948 ـ 1956)، فالقصة القصيرة (1961). والمقال السياسي (1954)، قبل أن أرسو عند البحث الأكاديمي، ابتداء من العام 1965، وحتى الآن.
خلال تنقلي بين هواياتي، وقع ما لم يجل بخلد طفل، لم يتجاوز العاشرة، حين أيقظني والدي، أنا وإخوتي، واستعجلنا بضرورة ارتداء ملابسنا، ففعلنا، على صوت زخَّات الرصاص، فبيتنا يقع في المنشية، على تخوم تل أبيب، حاضرة المستوطنين اليهود، حينذاك، وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها، القاضي بتقسيم فلسطين (القرار 181، في 29 تشرين الثاني / نوفمبر 1948)؛ فاندلع قتال بين الطرفين: العصابات الصهيونية المسلحة (الهاغناه؛ الأرغون، وشتيرن)، وبين المناضلين الفلسطينيين.
جمعنا والدي، وقد تركنا منزلنا إلى “فندق الانشراح”، وسط البلد، بعيدًا عن تخوم تل أبيب، وتركنا منزلنا، هنا طُويت صفحة، وفُتحت أخرى في حياة الأسرة، وحياة القضية الفلسطينية، في آن.