كيف نعلّم أبناءنا تحمّل المسؤولية بدل البحث عن الأعذار؟

د. إيهاب الشيخ خليل
في فترة المراهقة لا يحتاج أبناؤنا إلى من يراقب كل خطوة لهم بقدر حاجتهم إلى من يعلّمهم أن لكل اختيار نتيجة وأن الإنسان يبدأ بالنضج حين يستطيع أن يقول: أخطأت!!! وسأصلح خطئي.
وتبدأ التربية في البيت من التفاصيل الصغيرة كَ: موعد لا يلتزم به الابن، واجب يؤجله، كلمة جارحة يقولها ثم يبررها، خطأ يحاول أن يلقيه على صديقه أو معلمه أو ظروفه. وهذا الأمر يتطلب أن يكون دور الأهل بالغ الأهمية لأن طريقة تعاملهم مع الخطأ قد تصنع شابًا يواجه نفسه وقد يتقن صناعة الأعذار…
يقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ “المدثر: 38” ففي هذه الآية معنى تربوي عظيم… فالإنسان مرتبط بعمله ولا يستطيع أن يبني شخصيته على تحميل الآخرين نتائج اختياراته! ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ “النجم: 39” فالنجاح يصنعه السعي وما يصاحبه من صبر والتزام ومراجعة للنفس.
وينبغي أن نعيد النظر في بعض أشكال الحماية التي يمارسها الأهل بحسن نية حين يخطئ الابن في المدرسة فيسارع الأب إلى اتهام المعلم أو يهمل دراسته فتبحث الأم عن مبررات له أو يسيء إلى زميله فنكتفي بقولنا: “إنه ما زال صغيرًا”، فنحن لا نحميه انما قد نحرمه فرصة ثمينة ليتعلم المسؤولية، والمحبة الحقيقية تعني مساعدتهم على المواجهة والإصلاح بما يستطيعون إصلاحه، ولا تبنى المسؤولية بالإهانة خاصة أن الابن الذي يعترف بخطئه ثم يجد السخرية والتجريح قد يتعلم في المرة القادمة كيف يخفي الخطأ وقال رسول الله ﷺ: “كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون” فالخطأ جزء من التجربة الإنسانية والقيمة الأخلاقية تظهر فيما يفعله الإنسان بعد أن يعرف خطأه: أيكابر أم يعتذر؟ أيهرب أم يصلح؟ أيكرر الفعل أم يتعلم منه؟
وللجيل الحرج نقول: لا تجعل الاعتذار هزيمة ولا الاعتراف بالخطأ ضعفًا، قد تستطيع أن تخدع والديك أو تخفي أمرًا عن معلمك أو تلقي المسؤولية على صديقك، لكنك في كل مرة تهرب فيها من الحقيقة… تؤجل بناء شخصيتك… والقوة أن تملك الشجاعة لتقول حين تخطئ: أنا فعلت ذلك… وأنا مسؤول عنه…
ولخّص النبي ﷺ معنى المسؤولية الاجتماعية بقوله: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته” فالأب مسؤول، والأم مسؤولة، والابن مسؤول بقدر عمره وقدرته!! والبيت الذي يعرف فيه كل فرد واجباته يصبح مدرسة للحياة…
وفي ثقافتنا اليوم مشكلة أخرى لا ينبغي تجاهلها فوسائل التواصل قد تعوّد الناشئ على سرعة الحكم وسهولة التبرير!! وكلمة جارحة تكتب في ثوانٍ… وصورة تنشر بكبسة زر… وإشاعة تنتقل إلى عشرات الأشخاص ثم يأتي العذر: “كنت أمزح” أو “الجميع فعلوا ذلك” لكن كثرة المشاركين في الخطأ لا تحوّله إلى صواب والضحك لا يمحو الأذى الذي وقع على إنسان آخر!!…
ويحتاج أبناؤنا إلى سؤال مختلف بعد كل خطأ بدل أن يكون أول سؤال: “من فعل هذا؟” يمكن أن نسأل: “ماذا حدث؟ وما مسؤوليتك أنت؟ وكيف ستصلح ما حدث؟” بهذه الأسئلة ينتقل الناشئ من الخوف من العقوبة إلى فهم أثر أفعاله ومن الدفاع عن صورته أمام الناس إلى بناء ضمير يراقب اختياراته.
إن أجمل ما يمكن أن نمنحه للجيل الحرج ليس حياة بلا أخطاء فهذا مستحيل، وإنما شخصية لا تهرب حين تخطئ… شخصية تعرف أن الاعتذار لا يصغّر الإنسان… وأن إصلاح الضرر أشرف من اختراع المبررات… وأن الله الذي أمرنا بالمحاسبة فتح لنا باب الرجوع والإصلاح… وحين يتعلم الابن أن يقول “أنا مسؤول” نكون قد وضعنا في داخله أساسًا سيحتاج إليه في دراسته وعمله وأسرته وعلاقته بالناس وسيحمله معه حين لا يكون أبوه أو أمه إلى جواره…
