أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

اكتب رسالتك بالدموع

الشيخ كمال خطيب

ها نحن قد ولجنا في الثلث الأول من شهر رمضان، إنه ثلث الرحمة “رمضان أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار”. يدخل علينا رمضان، ويهل علينا هلاله في أيام الحر الشديد والذي يكاد لا يطاق ولا يحتمل، خاصة إذا كان يومًا خماسينيًا. صحيح أنّ من الناس من كان يبحث عن اليوم الشديد الحر لصيامه، وكان يعتبر ذلك متعته ومما يحبه في دنياه كما يقول الإمام علي كرم الله وجهه عما يحبه من دنياه “إطعام الضيف، والصيام بالصيف وضرب أعداء الله بالسيف”.

ولكن أول ما يخطر ببال صاحب الحس الإيماني السليم، وحين يلفحه وهج وحرارة الشمس فإنه يتذكر حرّ يوم القيامة ووهج ولفح النار يومها. وإذا كنا سنصوم أطول أيام السنة في شهر رمضان المبارك، لكنه اليوم الذي له بداية وله نهاية. وإن كان امتد طوال ستة عشر ساعة، إلا أنّ حرّ ووهج ولفح وحرارة يوم القيامة سيمتد ويكون مقداره خمسين ألف سنة كما قال الله سبحانه {سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع، من الله ذي المعارج، تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة}4-1 سورة المعارج.

نعم إن صاحب الحس الإيماني وصاحب العقيدة الصافية هو من جسده في الدنيا لكن تفكيره منشغل بذلك اليوم الذي هو آت لا ريب فيه، اليوم الذي فيه تتدلى الشمس لتكون فوق رؤوس العباد وبينما لفح ووهج النار يلفحهم ويتصبب منه العرق، حتى أن من الناس من يبلغ العرق عنقه ومنهم من يلجمه العرق لجامًا، ومنهم من لا يبلغ إلا كعبيه وكل حسب عمله، وما هذا إلا من حر الشمس وحر النار، ومن الخجل حياءً من الله سبحانه، ومن الأفعال والمعاصي التي ارتكبها في الدنيا وها هو سيسأل عنها اليوم. فصاحب الحس الإيماني هو من يصوم يومًا من أيام الدنيا اتقاءً لذلك اليوم. إنه من يعطش في الدنيا على أمل أن يسقى يوم العطش، ومن تلفحه شمس الدنيا لعله يستظل تحت عرش الرحمن سبحانه يوم لا ظل إلا ظله، وهذا ما كان يفعله ويقوله سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه “لولا ثلاث لتمنيت الموت: لولا أن لي أخوة في الله أجالسهم، أذكرّهم ويذكرونني. ولولا أني أغبّر جبيني في التراب في سجودي طاعة لله تعالى. ولولا إني أصوم اليوم الشديد الحر اتقاءً لحر يوم القيامة”.

فاجعل صيامك الأيام الحارة في شهر رمضان وقاية وحماية لك من حر يوم القيامة، واسأل الله سبحانه أن يجيرك ويعيذك من لفح جهنم وحرها. فكيف إذا اجتمع علينا في رمضان حر الصيف وحر السيف والكرب، وما قد يقع على المسلمين فيه من بلاء وظلم من قبل أعدائهم، حيث كل الإشارات والإرهاصات والدلائل تشير أننا مقبلون على صيف ساخن جدًا، وحيث أن أكثر من ستصيبهم سخونته هم المسلمين سواءً كانوا أخوتنا وأهلنا أبناء الشعب السوري أو العراقي أو اليمني أو نحن أبناء الشعب الفلسطيني، حيث لن يكون ميدان وساحة حرب قوى الاستكبار العالمي إلا شرقنا الإسلامي وخاصة بلاد الشام المباركة. فاللهم يا رب أجرنا من حر الصيف ومن حر سيف الحرب ومن حر الحيف “الظلم”، والطف بنا وبالمسلمين يا رب العالمين.

# وكيف لا أرجوه سبحانه

كم هم المحرومون من بيننا، كم هم الأشقياء من أخوتنا وأقاربنا وجيراننا وأبناء شعبنا من الذين يهل عليهم هلال رمضان وتهب عليهم نفحاته ونسماته، لكنهم لا يشعرون بها ولا يتذوقونها ولا يستمتعون بها. كم هم الذين حرموا لذة الإفطار بعد الجوع والعطش؟ كم هم الذين خسروا متعة صلاة التراويح وصلاة الفجر وقيام الليل في رمضان؟ كم هم الذين لم يتذوقوا لذة المناجاة والدعاء والتذلل بين يدي الله سبحانه؟ إنهم لا يدركون معنى أن يدعو الصائم ربه سبحانه ستة أشهر أن يتقبل منه صيام رمضان الذي انقضى، ثم يدعو سبحانه ستة أشهر أخرى  ليبلغه رمضان القادم، وأن يكتب له صيامه كما كان هدي الصالحين من قبل، حيث كان رمضان يملأ عليهم تفكيرهم وأحاسيسهم لما يعلمون من خير وبركة وقربات لهم إلى الله سبحانه في رمضان، وحيث كان ذلك الصيام وسيلة وبابًا من أبواب رجائهم وأملهم برحمة الله سبحانه ومغفرته لهم يوم القيامة، وأن ينعم عليهم بالجنة وحيث الصيام من أهم الوسائل، وكيف لا وفي الجنة باب يقال له الريان يدخل منه الصائمون وفقط الصائمون، إكرامًا وتقديرًا من الله سبحانه للصائمين.

قال أحد الصالحين: دخلنا على أخ لنا وكان يحتضر وفي النزع، فجعلنا نُرَجّيه ونأملّه بالله خيرًا، وألا يجزع لأن رحمة الله واسعة، فما كان من هذا الرجل المحتضر وقد أفاق من إغمائه إلا أن قال: “وكيف لا أرجوه وأنا الذي صمت له سبحانه ثمانين رمضان” يقصد أنه في حياته قد مرّ عليه ثمانين رمضان وكلها صامها لله سبحانه. فهو بذلك الصيام على أمل وطمع ورجاء بالله سبحانه أن يجعل الجنة مأواه وأن يغفر له ويرحمه.

وهذا رجل صالح يدعى عبد الله بن إدريس والذي لما كان يحتضر وكانت ابنته واقفة عند رأسه، تقول ابنته: فشهق أبي شهقات خشيت أن يكون قد مات فبكيت. فقال لي: لا تبكي يا ابنتي ولا تجزعي على أبيك، فأنا والحمد لله قد ختمت القران الكريم في حياتي وأنا صائم في رمضان، وفي هذه الغرفة أربعة آلاف ختمة استعدادًا لهذه اللحظة. يا ابنتي ألم تسمعي ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رمضان وإن القرآن ليشفعان للعبد يوم القيامة، يقول رمضان يا رب لطالما منعته الطعام والشراب فشفعني فيه، ويقول القرآن يا رب لطالما منعته النوم فشفعني فيه فيشفعان”.

هكذا إذًا ليظل رجاؤنا بالله سبحانه وبعفوه ومغفرته وجنته عظيمًا، وإن شهر رمضان لهو من أعظم ما يرجو به المرء رحمة ربه سبحانه والطمع في نيل جنته.

# كن من الرعيل الأول

لعظيم فضل الصيام عمومًا وفي شهر رمضان خصوصًا وعلى أخص الخصوص، فإن صيام اليوم شديد الحر هو من أكثر ما كان يحبه الصالحون، فكان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يتوخى اليوم الشديد الحر الذي يكاد الإنسان ينسلخ منه حرًا فيصومه. وكان الحسن البصري رحمه الله يسمي أهل الصيام في الحر الشديد بالرعيل الأول، لأنهم أرادوا أن يسبقوا غيرهم ويتفوقوا على من سواهم في الأجر والثواب، ولا يكون لهم ذلك إلا بصيام الأيام شديدة الحر. إنهم أرادوا أن يتقدموا صفوف الأتقياء ويسبقوا صفوة الأنقياء، فكان الحسن البصري إذا عرض عليه طعام أو شراب فقال إني صائم، فقيل له: في هذا الحر الشديد؟ فقال: أحب أن أكون من الرعيل الأول.

وهذا عامر بن قيس وكان من سكان البصرة، فانتقل للإقامة في الشام وكان فيها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما واليًا، فكان معاوية يسأله أن يرفع إليه حوائجه ليقضيها له لأنه صاحب علم وفضل فكان يأبى ويرفض، فلما كان معاوية يلح عليه فكان يقول: “إن لي حاجة إن استطعت أن تقضيها لي، وهي أن تردّ علي من حرّ البصرة لعل الصوم أن يشتد علي شيئًا فإنه يخف علي في بلاد الشام”.

وهذا الإمام الشعبي يحدث عن الإمام مسروق فيقول: كان مسروق صائمًا في يوم صائفٍ، فغشي عليه لكثرة ما عطش، فقالت له ابنته: افطر يا أبتي. قال: ما أردت يا ابنتي. قالت: أردت الرفق بك يا والدي. فقال لها أبوها: يا ابنتي، وإنما أنا اطلب الرفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.

فإياك إياك أن يدخل إليك الشيطان يخوفك من حر الصيف وطلب الرزق، وأنك لا تستطيع الصيام مع العمل الشاق، فاطلب الرزق لعيالك واطلب الرفق لنفسك وكن من الرعيل الأول.

# اكتب رسالتك بالدموع

ونحن في الأيام الأولى من رمضان شهر المغفرة والتوبة شهر العتق من النار، فما أجمل ولا أفضل من أن تجعلها أيام وميعاد الصلح بينك وبين الله سبحانه، لا أجمل من أن تجعل من رمضان 2018/1439 يوم وعام صلحك مع الله تعالى، وأن تندم على ما فات، وأن تعزم عزمًا أكيدًا ألّا ترجع إلى ما كنت عليه في الأيام والسنين الخوالي. فاكتب رسالة توبتك وندمك بقلم الخشوع والخضوع والندم، ووقعها بالدموع فإنها يقينًا ستصل إلى الله سبحانه. قال أبو علي الدقاق: “إذا بكى المذنبون فقد راسلوا الله تعالى”.

راسل الله بدموع الصدق تذرفها في ساعات الخلوة مع الله في جوف الليل، وأنت تناديه وتناجيه وتقول له: إلهي ومولاي عبيدك غيري كثير، أما أنا فليس لي رب سواك. قل له: يا رب أين يذهب المذنبون وإلى من يلجأ المفرطون، فإذا أغلقت بابك دونهم فعلى باب من يقفون؟ قل له: إلهي ومولاي لا تعاملني بما أنا أهله وعاملني بما أنت أهله، أنا أهل الذنوب والخطايا وأنت أهل التقوى وأهل المغفرة.

نعم اكتب رسالة توبتك وندمك بدموع الأسف والندم وصدق التوبة، وكن على يقين أن رحمة الله أوسع من ذنوبك، وأن مغفرته أشمل من خطاياك ولو كانت مثل زبد البحر. ولا أجمل من أن تكتب رسالتك هذه الممهورة بالدموع في ليالي رمضان وأنت تصوم نهاره وتقوم ليله.

كان شيخ الإسلام سعيد بن اسماعيل في مجالسة عامة وفي مجالس رمضان خاصة يكثر من قوله: “يا عفو عفوك، يا عفو عفوك، في المحيا عفوك، وفي الممات عفوك، وفي القبر عفوك، وعند النشور عفوك، وعند تطاير الصحف عفوك، وعند المرور على الصراط عفوك، وعند الميزان عفوك، وفي جميع الأحوال عفوك يا عفو عفوك”.

ولما مات سعيد بن اسماعيل رأه أحد أصدقائه في المنام، فقال له الصديق: ماذا نفعك من أعمالك كلها في الدنيا؟ فقال له: قل له يا عفو عفوك يا عفو عفوك.

اللهم وإننا على أعتاب رمضان شهر القران وشهر العتق من النيران، فإننا نكتب إليك بالدموع والرجاء أن تعفو عنا وأن تغفر لنا، وأن تعتق رقابنا من النار، وأن تجعل فرج أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فيا عفو عفوك ولطفك وسترك وفرجك يا أكرم الأكرمين يا رب العالمين.

رحم الله قارئا دعا لنفسه ولي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

زر الذهاب إلى الأعلى