التربية الإيمانية للأبناء.. من غرس محبة الله إلى بناء شخصية متوازنة
المستشارة التربوية منار سواعد: التربية الإيمانية تبدأ بالمحبة.. والارتباط قبل الانضباط

مارية محاجنة
في ظل التحديات التربوية المتزايدة، وتعدد المؤثرات الرقمية التي تحيط بالأطفال، تبرز التربية الإيمانية بوصفها أساسًا في بناء شخصية الأبناء وتعزيز علاقتهم بالله، بعيدًا عن الاقتصار على تلقين المعلومات الدينية أو ربط العبادات بالأوامر والعقاب.
في هذا الحوار مع موقع “موطني 48″، تتحدث منار سواعد، المستشارة التربوية والمعالجة السلوكية ومرشدة الأهالي وموجّهة المجموعات، عن مفهوم التربية الإيمانية وسبل ترسيخها داخل الأسرة.
المدينة: ما المقصود بالتربية الإيمانية، وكيف نميّز بينها وبين تعليم الطفل العبادات والمعلومات الدينية فقط؟
سواعد: التربية الإيمانية، في جوهرها، هي عملية بناء شاملة لشخصية الطفل وقيمه وبوصلة تفكيره ومشاعره الإيجابية. وهي تهدف، بالأساس، إلى أن يستشعر الطفل أن “الله معي وفي حياتي” منذ نعومة أظفاره.
ومن خلال هذه التربية، يتعلم الطفل العقيدة من خلال “نظارات حب الله الخالق”، التي يرى من خلالها هذا الحب في عيون والديه، ويلمس آثاره في حديثهما المستمر عن نعم الله ورحمته.
في المقابل، فإن الاقتصار على تقديم الأوامر
والنواهي، وشحن الطفل بالمعلومات الجافة دون أن يعيش معانيها الدينية العميقة، غالبًا ما يؤدي إلى نتائج عكسية؛ إذ قد ينشأ لديه نوع من النفور والجفاف الروحي والبعد الوجداني. وقد يفتح هذا الفراغ الروحي الباب أمام الوساوس والشكوك، ويجعل الالتزام بالواجبات الدينية عبئًا ثقيلًا، بما قد يدفع الفرد تدريجيًا إلى الابتعاد عن أدائها.
لذلك، فالفرق جوهري بين “تعليم الأشكال والطقوس الظاهرة” وبين “غرس الإيمان بوصفه منهجًا وشعورًا وحياة”.
موطني 48 : كيف تغرس الأم الإيمان في قلب طفلها منذ سنواته الأولى، وكيف يتكامل دور الأب معها في هذه المهمة؟
سواعد: الأب والأم شريكان أساسيان ومباشران في هذه المهمة العظيمة. وتبدأ التربية الإيمانية الصادقة من الوالدين نفسيهما، من خلال سلوكهما القويم، واستشعارهما الإيمان في قلبيهما، وإخلاص النية لله تعالى في تربية هذا الخَلَف الطيب.
ولكي تتكامل هذه الجهود، لا بد للوالدين من الوعي بخصائص نمو الطفل ومراحله المختلفة؛ فلكل مرحلة عمرية احتياجاتها وأساليبها الإيمانية المناسبة.
من الولادة حتى سن الثالثة (المرحلة الحسية)
يكون الجانب الحسي هو القائد والمحرّك الأساسي للطفل. والأهم في هذه المرحلة هو تكوين شعور لديه بأن الله جميل ورحيم. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الهدوء والسكينة عند الحديث عن الله، والتأمل البسيط في جمال خلقه ومحيطنا، والتعامل الدافئ مع الطفل.
وعندما يحب الطفل والديه والأشخاص الذين يتحدثون أمامه عن الله، يبدأ عقله وقلبه في تكوين تصور إيجابي ومريح عن الخالق.
من سن الثالثة أو الرابعة حتى السابعة (مرحلة البحث والاستكشاف)
هذه مرحلة التفكير والتحليل وطرح الأسئلة بدافع الفضول والشغف. والواجب التربوي هنا هو تشجيع الأبناء على طرح الأسئلة وعدم قمعهم، مع ضرورة البحث عن الدافع وراء السؤال: هل يطرحه الطفل لمجرد المعرفة، أم لاختبار رد فعل الأهل؟
المراحل المتقدمة (تطور التفكير الوجودي)
يبدأ الطفل في بناء علاقة روحانية مباشرة مع الله، وتتبلور لديه الحاجة الفطرية العميقة إلى إلهه وخالقه، وهنا يأتي دور الوالدين في التوجيه والتثبيت.
موطني 48: كيف نربّي أبناءنا على محبة الله، دون أن ترتبط علاقتهم به بالخوف والعقاب فقط؟
سواعد: لزرع محبة الله في قلوب الأبناء وتعزيزها على نحو صحيح، من المهم جدًا بناء علاقة طيبة ومباشرة معهم أنفسهم أولًا. والقاعدة التربوية الذهبية هنا هي: “الارتباط قبل الانضباط”. فإذا أحب الأبناء الله، وأحبوا الشخص الذي يحدثهم عنه، فسوف يتقبلون ما يُطلب منهم برحابة صدر، ويؤدون الطاعات بمحبة وشغف.
إن الشعور بالأمان والسكينة والتفهم يسبق بناء أي علاقة طيبة أو تقديم أي نصيحة. ولكي نصل إلى قلوب أبنائنا، علينا أن ندخل إليهم من باب اهتماماتهم؛ فنشاركهم عالمهم الخاص، ونتفهم تحدياتهم وصعوباتهم، ونتفاعل مع مشاعرهم بوعي، دون اعتراض أو إطلاق أحكام. كما ينبغي أن نمدحهم، ونرى جوانب الخير فيهم، ونشجعهم عليها، ثم نطلب منهم تعديل السلوك الذي نرغب في تغييره.
ولبناء مظلة إيمانية وتربوية متوازنة للطفل، ينبغي للوالدين العمل على شحن ثلاث بطاريات أساسية لديه:
بطارية الكفاءة والقدرة
إن تقدير إنجازات الطفل يمنحه شعورًا بالقدرة والاستطاعة، ويعزز دافعيته الداخلية إلى العمل والإنجاز، فيشعر بأنه قادر على أداء العبادات والمواظبة عليها.
بطارية المحبة والقبول
الإنسان بطبعه لا يستجيب بسهولة لطرف لا يشعر بأنه يحبه؛ بل قد يلجأ إلى العناد والتحدي، مما يؤدي إلى التوتر والتصعيد. ومن المهم استثمار الوقت في إشعار الأبناء بحبنا غير المشروط، وتعبئة رصيد المحبة في قلوبهم باستمرار.
بطارية الحرية والاستقلالية
إن منح الطفل مساحة للاختيار ضمن نطاق المباح وما تسمح به الشريعة يجعله يشعر بأنه قادر على اتخاذ قراراته ومستقل بذاته. وهذه المساحة من الاستقلالية ضرورية جدًا لبناء شخصية إيمانية واثقة، لا تقيدها المخاوف المفرطة.
موطني 48: كيف نتعامل مع أسئلة الأبناء الدينية وشكوكهم وتساؤلاتهم التي قد تُربك الأهل أحيانًا؟
سواعد: يتطلب التعامل مع أسئلة الأبناء الحكمة والهدوء. وكما أشرنا سابقًا، من الضروري أولًا فهم الدافع وراء السؤال: هل يسأل الطفل بدافع المعرفة والاستكشاف الفطري، أم يطرحه لاختبار رد فعل الأهل وقياس المساحة المتاحة له؟
إن تشجيع الأبناء على طرح الأسئلة بحرية، واستقبال تساؤلاتهم برحابة صدر، أمر بالغ الأهمية في ترسيخ العقيدة. وإذا طرح الأبناء أسئلة إيمانية أو وجودية دقيقة، فينبغي الإجابة عنها بأسلوب مبسط يناسب مرحلتهم العمرية، دون الإفاضة في تفاصيل معقدة قد تزيد من تشتتهم وتتجاوز قدرتهم على الاستيعاب.
وفي حال عدم معرفة الإجابة، يجب ألا نتردد في مشاركة الأبناء البحث والتفكير للوصول إلى الحقيقة معًا؛ فذلك يعزز ثقتهم بأهلهم ويساعدهم على التعامل مع تساؤلاتهم وشكوكهم بطريقة سليمة.
موطني 48: كيف نغرس الصلاة والقرآن والأذكار في حياة الأبناء، حتى تصبح جزءًا من سلوكهم اليومي، لا مجرد أوامر مفروضة عليهم؟
سواعد: من المهم جدًا مراعاة المرحلة العمرية للطفل، وتفهم وضعه النفسي والجسدي عند دعوته إلى العبادة، وأن نكون “معهم لا عليهم”. كما ينبغي تجنب إطلاق الأحكام القاسية والتعميم عند تقصيرهم، مثل القول: “أنت لا تصلي أبدًا”.
فالأبناء ما زالوا في مرحلة النمو، وهم “قيد الإنشاء”، ومن طبيعة البشر أن يصيبوا ويخطئوا، وأن يحتاجوا إلى الوقت لتعديل سلوكهم تدريجيًا.
موطني 48: كيف يؤثر سلوك الوالدين في البناء الإيماني للأبناء، وكيف تحافظ الأسرة على بيئة إيمانية تعينهم على الثبات في ظل المؤثرات الرقمية وضغوط الحياة؟
سواعد: القدوة العملية للوالدين هي الركن الأساس في البناء الإيماني. وإلى جانب القدوة، يتحقق التوازن المطلوب في حياة الأسرة من خلال القاعدة النبوية: “ساعة وساعة”.
إن تعليم الطفل، منذ نعومة أظفاره، مهارات إدارة الوقت وتقسيم المهام، ومساعدته على بناء روتين يومي متنوع ومثرٍ يتناسب مع احتياجاته العمرية، من الواجبات التربوية الأساسية.
أما في ما يتعلق بالعالم الرقمي والتكنولوجيا، فينبغي النظر إليهما بوصفهما نعمة وفرصة إذا أحسنّا استغلالهما. والواجب هنا هو فتح حوارات ونقاشات مع الأبناء حول إيجابيات هذه الوسائل وسلبياتها، مع مراعاة طبيعة العصر الذي يعيشون فيه.
