أخبار وتقاريرمقالاتومضات

معركة الوعي (300) إستراتيجية تفكيك المجتمع المسلم (2-2)

حامد اغبارية

1)

شكّلت المرأة واحدة من أهم الوسائل وأخطرها، عند أصحاب مشروع تفكيك المجتمعات الإسلامية.

فقد اعتُبرت عندهم الخلية الأضعف التي يمكن تسميمها، وتغيير دورها الفطري داخل الأسرة والمجتمع.

وقد سعى أصحاب مشروع الخراب إلى تفكيك البنية الاجتماعية للمجتمع المسلم، عبر إعادة صياغة دور المرأة وإبعادها عن هويتها الدينية والتقليدية.

إذ أدرك هؤلاء أن الأسرة المسلمة هي الحصن الحصين لصمود المجتمع أمام محاولات التفكيك.

وقد استخدم المشروع وسائل شتى من أجل إضعاف الروابط الأسَرية المبنية على الثقافة الإسلامية، وكان في مركز هذه الوسائل تشجيع الفردانية على حساب الجمعي، ثم العمل على تحريض المرأة وتشجيعها على التمرد داخل الأسرة وعلى القيم والمبادئ الإسلامية، وعلى الشريعة الإسلامية التي تشكّل المرجعية، والحصن المنيع، والضابط والموجِّه.

2)

أدرك أصحاب مشروع الخراب أن المرأة المسلمة لن تسارع إلى التفاعل مع دعوات إخراج المرأة المسلمة عن دورها، لمجرد أن أصواتا من الغرب تدعو إلى ذلك.

لهذا كان لا بد من أصوات تخرج من داخل المجتمع المسلم. وقد عمل الاستعمار الثقافي والفكري الغربي على “صناعة” نساء (مسلمات!!) تلقين التدريب على أدوات التغريب في أوروبا وأمريكا.

ومن هؤلاء صفية زغلول وهدى شعراوي ونوال السعداوي (مصر)، ووفاء سلطان (سوريا)، وفاطمة المرنيسي (المغرب)، ومريم نمازي (إيران)، وأيان علي (الصومال)، وأسماء برلاس (الباكستان) وقائمة طويلة من النسويات اللواتي شكّلن كتيبة متقدمة في مشروع التفكيك طوال ما يزيد على قرن من الزمان.

وقد نجح أصحاب مشروع الخراب في تحقيق الهدف إلى حد بعيد، إذ نجح في تحويل المعركة من كونها بين الاستعمار الثقافي الغربي وبين المجتمعات المسلمة، إلى معركة بين التيار النسوي العربي والإسلامي وبين التيار النسائي الإسلامي، أو بينه وبين المجتمع الإسلامي.

لكن مشروع الخراب لم يخرج من المعركة تماما، بل وقف خلفها ممسكا بخيوطها ليحرك المياه الراكدة كلما هدأت المعركة أو بدا له أن المعركة رجحت كفتها لصالح المدافعين عن أصالة المجتمع ومرجعيته الإسلامية.

3)

ومن القضايا التي اشتغل عليها مشروع الخراب فيما يخص المرأة، تصوير أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بالمرأة بأنها تظلم المرأة وتعمل على تهميشها وتهميش دورها في المجتمع.

ثم تقديم المرأة المسلمة وإظهارها كضحية لدينها وثقافتها الإسلامية، وأن دورها الحقيقي لا ينحصر في تنشئة الأسرة وتربية الأبناء وتحصينهم، وإنما من حقها الانطلاق والتحرر من قيود هذا الدور والتمرد عليه، لتصبح لها شخصيتها المستقلة المتحررة، التي تطالب بالمساواة التامة مع الرجل في كل شيء؛ في العمل والميراث والقيادة المجتمعية.

وقد عمل مشروع الخراب على صناعة ما يُعرف اليوم بـ “الجندرية”، ومن خلاله إفساد المرأة في قضايا الحرية الجنسية، والشذوذ، أو ما سمونه بالمثلية والهوية الجنسية.

وكان أخطر ما نجح المشروع في إثارته قضية حجاب المرأة، وتحويلها إلى قضية رأي عام قابلة النقاش والمراجعة. ومن الوسائل التي استخدمتها طرح القضية في الإعلام، واستجلاب شخصيات (مأجورة) تشكك في مشروعيته في الإسلام، ودفع أنظمة عربية وإسلامية إلى إصدار تشريعات وقوانين تحظر الحجاب وتعاقب عليه.

وإنك تنظر اليوم إلى مظهر المرأة ولباسها في الشارع العربي والإسلامي فتشعر أنك تسير في شوارع باريس أو لندن أو برلين أو واشنطن؛ مظهر يمكنك أن تقول إزاءه: لقد تحولت الملابس التي كانت تُعتبر في حقب إسلامية سابقة، ملابس داخلية لا يجوز الظهور بها على الملأ، قد أصبحت أمرا عاديا لا غضاضة فيه. بل “أبدعت” دور الأزياء الغربية في إنتاج أنواع من ملابس المرأة أكثر عريا وقباحة، تبعتها في ذلك مصانع ملابس في المجتمعات الإسلامية تبعية القطيع الأعمى.

4)

عمل مشروع الخراب على دفع المرأة المسلمة إلى مزاحمة الرجل في المجالات التي تناسب تكوينهُ الخلقي، ولا تناسب تكوينها، ودفعتها إلى تقديم حقها في العمل في مختلف المجالات، سواء التي تناسب تكوينها أو التي لا تناسبه، على واجب إداء دورها في الأسرة والمجتمع.

وجعلت هذه القضية معركة حامية الوطيس بين الرجل والمرأة، وبين الزوجين، وبين الأب وابنته، دون الالتفات إلى أن العلاقة بين الجنسين ليست صراعا حقوقيا، وإنما تكامل أدوار وتعاون في بناء الأسرة والمجتمع.

ومن القضايا بالغة الأهمية التي روج لها مشروع الخراب ونجح في زرعها في المجتمعات المسلمة نجاحا كبيرا، مسألة تنظيم الأسرة، أو تنظيم النسل، حتى وصل الأمر إلى تجنيد الأنظمة الحاكمة إلى درجة إصدار تشريعات وقوانين تخص هذه المسألة، بحجة أن تنظيم الأسرة؛ أي تقليل الإنجاب، يحقق هدفين بالغي الأهمية كما يزعمون: حماية اقتصاد الدولة، وتمكين امرأة من التفرغ للخروج إلى العمل، وتحصيل حقوقها التي “حرمتها منها الشريعة الإسلامية”، وتحقيق ذاتها وفرض شخصيتها أسوة بالرجل!!

وها نحن نرى بالعين المجردة الحالة المأساوية للاقتصاد في الدول العربية والإسلامية، وحال المرأة التي “حققت” حريتها وانطلاقها و”فرضت شخصيتها” رغم أنف الشريعة!!

5)

ومن القضايا التي ركز عليها مشروع الخراب قضية الميراث وقضية تعدد الزوجات وقضية الدور السياسي للمرأة، وحقها في تولي المناصب العليا في الدولة كالقضاء ورئاسة الدولة وما دونها من مناصب عليا.

بدأ مشروع الخراب بتجنيد أصوات من الرجال والنساء، من الذين صنعهم على عينه، وأعدّهم لأداء المهمة، من أجل التشكيك في الشريعة الإسلامية وبالقرآن والسنة النبوية من خلال طرح النقاش حول “الظلم اللاحق بالمرأة” في قضية الميراث، وفي قضية التعدد.

وخرجت أصوات تطالب بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة في الميراث، والعمل على منع تعدد الزوجات باعتباره ظلما للمرأة وهضما لحقوقها، بل خرجت أصوات فاسدة تدعو إلى المساواة بين الجنسين في هذه المسألة، أي أن للمرأة الحق في التعدد مثل الرجل!!

6)

لقد نسي هؤلاء أو تناسوا أنهم كانوا يعيشون في ظلمات الجهل والغباء والانحراف، وبلغت بهم الوقاحة درجة أنهم يعتبرون أنفسهم حضارة مستنيرة، تملك زمام الفهم والحكمة في كل شيء.

فكيف كانوا على الحقيقة، قبل أن تخرجهم الحضارة الإسلامية من سراديب الجهل المظلمة؟

لقد استغرق الكنيسة الغربية عقودا طويلة في العصور الوسطى لاتخاذ قرار نهائي في قضية كون المرأة إنسانا أم شيطانا. فقد كانوا يعتبرونها أصل الشر المطلق ومصدر الخطيئة.

وكان الرومان في العصور الغابرة يعتبرون أن المرأة بلا روح، وجراء هذه الفكرة الفاسدة تعرضت امرأة عندهم لأقسى أنواع الظلم والعذاب والبطش. فكانوا يسكبون عليها الزيت الساخن، أو يربطونها إلى الأعمدة في الساحات العامة أو يربطونها بالخيول لتجرها في الطرقات حتى تموت. فهي بلا روح!!!

بل إن “حكماءهم” الذين يُعتبرون مصدر إلهام وتوجيه، أمثال فلاسفة اليونان ومن بعدهم فلاسفة الغرب، يحتقرون المرأة أيّما احتقار.

فقد اعتبرها (زعيم الفلسفة اليونانية) أفلاطون بأنها من العبيد الأشرار.

واعتبرها الفيلسوف الألماني عمانويل كانط بأنها ضعيفة في كل الأمور، وخاصة في قدراتها العقلية، ورأى فيها “فيلسوف الثورة الفرنسية” جان جاك روسو، أنها موجودة من أجل المتعة الجنسية والإنجاب، ورأى فيها فرويد أنها جنس بشري ناقص، لا يمكن أن تصل إلى الرجل أو تقترب من مستواه.

وفي الشريعة اليهودية تعتبر المرأة أنها أصل الخطيئة حين أغرت أدم في الجنة ليأكل من الشجرة. وتُعتبر كذلك أنها في فترة الحيض تكون نجسة تماما، ولا يجوز لها أن تجلس مع الزوج أو تأكل معه.

هذا بعض مما كان عليه حال المرأة في تلك المجتمعات المريضة منحرفة العقيدة، ثم يأتون اليوم ليحاربوا المجتمعات المسلمة بواسطة نفس الأمراض التي كانوا يعانون منها، من خلال نشر هذه الأمراض الخبيثة في مجتمعاتنا، تحت شعار تحرير المرأة وتحريرها.

أما شعارنا نحن: لقد حصلت المرأة في الغرب على حقوقها (أو جزء منها) في العصر الحديث بعد معارك طاحنة سالت فيها دماء كثيرة، بينما حصلت المرأة المسلمة على حقوقها دون عناء، بوحي من السماء.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى