الحرب على اللغة العربية جزء من الحرب على الإسلام

الشيخ رائد صلاح
لفت انتباهي أثناء دراستي لسيرة من أخذوا على عاتقهم إعلان الحرب على الإسلام، وعلى المشروع الإسلامي، والصحوة الإسلامية، أنهم أعلنوا حربًا على اللغة العربية، وكأنهم اتفقوا، من حيث لم يتفقوا، على أن الحرب على اللغة العربية هي جزء من الحرب على الإسلام، وعلى المشروع الإسلامي، والصحوة الإسلامية، وكأني بهم قد تواصَوْا بذلك، رغم أنَّ بعضهم ما زال حيًّا، وبعضهم قد مات منذ عقود طويلة، وهذا يعني أنه لم يضمهم اجتماع واحد في يوم من الأيام حتى يلتقوا على قرار واحد، ومع ذلك جمعهم هذا القرار الواحد الذي يقول: إن الحرب على اللغة العربية جزء من الحرب على الإسلام، وعلى المشروع الإسلامي، والصحوة الإسلامية.
ولا يشذ عن ذلك من حاولوا تقديم أنفسهم على اعتبار أنهم من أنصار اللغة العربية العاملين على خدمتها، فقد ادعوا ذلك من باب إخفاء دورهم الحقيقي الذي نذروا أعمارهم له، وهو محاربة الإسلام، والمشروع الإسلامي، والصحوة الإسلامية.
وعلى سبيل المثال، إن البعض من هؤلاء، الذين بذلوا الغالي والرخيص في هذه الحرب، وإمعانًا منهم في خداعنا، فقد قاموا بتأليف معاجم عن اللغة العربية، وكأنهم من العاملين على خدمة اللغة العربية، والحقيقة غير ذلك، حيث كان من وراء تأليف تلك المعاجم محاربة الإسلام، والمشروع الإسلامي، والصحوة الإسلامية بأساليب ملتوية.
وقد كتبت عن ذلك في مقالة لي بعنوان: (معجم عزمي بشارة).
ومن باب توضيح المطلوب توضيحه، وحتى تستبين السبيل، وحتى يحيا من حيَّ عن بينة، وحتى يموت من مات عن بينة، ها أنذا أقدم هذه الأمثلة التي قد تكون صادمة للبعض:
1- طه حسين: حاول أن يروج لنظريته التي تقول: إن اللغة العربية هي لغتنا، ونحن أحرار فيها، ومن حقنا أن نتصرف فيها كما نشاء، وفي ذلك إعدام للغة العربية؛ لأنها إن كانت لغة العرب قوميًّا، فهي لغة الثقافة والعقيدة لأكثر من مليار مسلم.
ولا أدري لماذا كان طه حسين حاقدًا على أبي الطيب المتنبي لدرجة أنه اتهمه بأنه لقيط، وقد كذبت الأيام هذه الاتهامات.
فهو طه حسين الذي حوَّل فكر الاستشراق والتغريب إلى اللغة العربية، وجعله مدخلًا للفكر الإسلامي العربي، وقاد هذه المعركة في وجه الإسلام، وقد بدأ بهذا المنطلق بالأدب والشعر والترجمة، ليصل منها في النهاية إلى تغريب الإسلام والتأثير في مفاهيم القرآن والتاريخ الإسلامي.
2- مصطفى أمين: حرص على إعلاء العامية ونشرها، وإدخال الكلمات العامية في نطاق الفصحى، وكذلك إدخال المصطلحات الأجنبية دون تعريبها، وكان ذلك امتدادًا لهدف الغرب القديم في هدم اللغة العربية (وكلوكس وولمور).
ومع شديد الأسف، فقد لقي ذلك تقدير الدكتور إبراهيم مدكور رئيس مجمع اللغة العربية، الذي قال في تكريم مصطفى أمين، حيث أثنى على لغة الصحافة المستخدمة على عهد مصطفى أمين، وقال: (نحن سعداء باللغة الصحفية في الصحف اليومية والأسبوعية اليوم).
وهكذا عاش مصطفى أمين عدوًّا للغة العربية الفصحى على مدى أكثر من 50 عامًا، وكان يعلن بجرأة شديدة أنه يدعو إلى لغة قريبة من العامية، وكان حربًا على الأسلوب العربي الأصيل الذي كان قد أرسى قواعده في مجلة الرسالة التي كان يصدرها الأستاذ أحمد حسن الزيات.
ويوم أن دخل مصطفى أمين إلى مجمع اللغة العربية، فقد دخله من الباب الخلفي؛ لأنه لم يُؤثَر عنه أي دفاع عن اللغة العربية وعن دورها في حياة الأمة الإسلامية أو الوطن العربي.
3- أدونيس: الاسم الأصلي له هو علي أحمد سعيد، وقد اختار له هذا الاسم المستعار أدونيس أنطون سعادة مؤسس الحزب القومي السوري، وكان أدونيس قد انتمى إلى هذا الحزب في الثلاثينيات، وهذا الحزب، بشهادة جميع الباحثين الجادين والمحايدين في تاريخه وفكره، حزب فاشي عنصري معادٍ أشد العداء للعرب والعروبة.
ولذلك فقد كان أدونيس حربًا على اللغة العربية بوصفها لغة القرآن، وكان يدعو إلى تفكيكها، ويبدي إعجابه بالمحاولات الباطنية فيما يسمونه تفجير اللغة، وكان يسعى إلى القضاء على الثوابت في الشعر، ويدعو إلى تفكيك بنية القصيدة العربية التقليدية، وتفكيك ثوابت البيان والنظم.
وذات يوم قال عن شعره: (شعري مليء بالمتناقضات، مليء بالصور المتناقضة، ومليء بالغموض، الأمر الذي يجعل شعري مناقضًا تمامًا للفلسفة المنطقية، شعري…).
وكم غلب على أقواله النرجسية وجنون العظمة وحب التدمير، وعلى سبيل المثال، كان من ضمن أقواله: (عرفت أقل من امرأة لأني تزوجت بأكثر من امرأة. وعرفت أقل من رجل لأني تزوجت أكثر من رجل).
4- توفيق الحكيم: لأنه كان من دعاة الإقليمية المصرية الفرعونية الكارهة للعرب والمسلمين، ولأنه دعا إلى الفصل بين العرب ومصر بادعاء أن لكل منهما وضعًا مختلفًا، ولأنه كان كذلك، فقد كان من أعظم خطاياه الدعوة إلى ما سماه اللغة الثالثة بتغرير العامة، لجعلها لغة وسطى بين الفصحى والعامية.
5- لويس عوض: إلى جانب حرصه على إحياء الأسطورة من خلال التاريخ الوثني كله وآثار اليونان والرومان، وإلى جانب دعوته إلى القومية المصرية الفرعونية، فقد سعى إلى تدمير اللغة العربية الفصحى، لغة القرآن، وإعلاء العامية.
وعندما هاجم سلامة موسى اللغة العربية، قام لويس عوض بتأليف كتاب بالعامية اسمه (أمثال مذكرات طالب بعثة) وأصدر ديوان شعر كاملًا بالعامية باسم (بلوتولاند).
ثم حرص طوال حياته على هدم القصيدة العربية والإعلاء من شأن قصيدة النثر، وحرص على الدعوة إلى العامية، والتشكيك في سلامة اللغة العربية، وعلى كراهية العروبة والإسلام، والدعوة إلى الفرعونية.
وسعيًا منه لتبني الأساليب الناعمة الملغومة لمحاربة اللغة العربية، فقد ألَّف كتابًا بعنوان (مقدمة في فقه اللغة)، قصد به النيل من الإسلام واللغة العربية زاعمًا أن ما تضمنه هذا الكتاب هو نتيجة دراسة وعلم وتحقيق، وهو ما زعمه كل من عاصره أو جاء بعده من أعداء الإسلام واللغة العربية والعروبة، حيث ادعوا أنهم أصحاب منهج علمي، ويعتمدون على متخصصين ومراكز دراسات في مؤلفاتهم الخادعة باسمها، والتي قصدت إلى إعلان حرب على الإسلام والقرآن.
ولقد لفت الانتباه إلى ذلك في مقالتي (معجم عزمي بشارة).
ومن أشد دعاويه الباطلة يوم أن قال: (إن اللغة العربية مثل اللغة اللاتينية، ولأن اللغة اللاتينية لغة ميتة، فينبغي كذلك أن تكون اللغة العربية).
وواصل ادعاءاته الباطلة، وقال: (إن اللغة اللاتينية تفرعت إلى لهجات هي الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية، وقد تحولت هذه اللهجات إلى لغات، وكذلك تحولت اللغة العربية إلى لهجات: المصرية والسودانية والعراقية والشامية والخليجية… والمفروض أن تتحول هذه اللهجات إلى لغات منفصلة تمامًا عن الأصل وعن بعضها البعض).
بل يذهب أبعد من ذلك، ويدعي أن العرب موجة ظهرت من الموجات التي نزلت على شبه الجزيرة العربية من القوقاز والمنطقة المحيطة ببحر قزوين والبحر الأسود نحو 1000 ق.م، وخالطوا السكان الأصليين.
ثم بنى على ذلك مدعيًا أن اللغة العربية فرع من فروع الشجرة التي خرجت منها المجموعة الهندية الأوروبية.
وهكذا كان شعار الدكتور لويس عوض الخالد هو الذوبان في الحضارة الغربية، وتحطيم البلاغة العربية، وكسر رقبة اللغة العربية، وترجمة القرآن الكريم إلى العامية المصرية.
وقد رد على أفكار لويس عوض كثيرون:
*رد على قضية العامية: الأستاذ محمود محمد شاكر.
*رد على كتابه الذي تجنى به على الأفغاني: الأستاذ محمد عمارة.
*رد على رأيه الذي استصغر فيه ابن خلدون: الأستاذ أحمد رشدي صالح.
*رد على كتاب (المعلم يعقوب): الأستاذ أحمد حسين الصاوي وجلال كشك.
*رد على كتابه حول فقه اللغة العربية: الأستاذ البدراوي زهران وأنور الجندي.
6- نجيب محفوظ: حفلت قصص نجيب محفوظ بصور نساء غارقات في الخيانة، ومجتمعات تفوح منها رائحة الحشيش والإباحية، ولقد أعجب الغربيون والمستشرقون بهذه الصورة التي قدمها كثير من كتّاب القصة، وفي مقدمتهم يوسف السباعي، ونجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، وتوفيق الحكيم.
وكانت هذه القصص لا بد أن تترجم أو تحوز الجوائز!! أما الذين ترجموها فهم المستشرقون الذين يتفاخرون بأن منهجهم في الفن قد نُقل إلى اللغة العربية، وفُرض على المسلمين والعرب، وأن النصوص الغربية في الأسلوب وفي المضمون قد دخلت اللغة العربية، وأن منهج الدراما الذي رفضه المسلمون، حيث ترجموا العلوم في القرن الثالث الهجري، قد دخل أخيرًا إلى الأدب العربي واللغة العربية وكُتبت به مسرحيات من خلال مضمون غربي ووافد استمدته من الأدب اليوناني والوثني، وهكذا تم الترويج باسم الأدب والدراما للإباحية وإثارة الغرائز ومصادمة مشاعر الجماهير، وهكذا كانت المحاولة لتحطيم العقيدة والمقاومة وتفكيك اللغة العربية ووأد الأخلاق الإسلامية، وما أجمل ما كتبه أحمد هاشم الشريف في رسالته إلى الأستاذ نجيب محفوظ عندما قال له في هذه الرسالة: (إنك ظلمت المرأة المصرية الفقيرة والمكافحة في الأحياء الشعبية عندما قدمتها في صورة (زنوبة) صبية العائلة في (الثلاثية)، (وحميدة) الساقطة في أحضان الإنجليز في (زقاق المدق)، (ونفيسة) البغي المسرفة في (بداية ونهاية)، (ونبوية) الزوجة الخائنة في (اللص والكلاب).
إنني أخشى أن ينظر الناس إلى أدبك في المستقبل باعتباره تاريخًا مصريًا ووثيقة اجتماعية، فلا يجدون في أغلب رواياتك صورة للمرأة المصرية غير صورة غادة الكاميليا الخاطئة الفرنسية، وقد انتقلت إلى أحيائنا الشعبية، وتزداد خشيتي بعد حصولك على جائزة نوبل، وترجمة رواياتك إلى شتى اللغات، وبلوغك درجة العالمية، فلا يعرف العالم عن المرأة المصرية غير الانحراف والخطيئة، وأنت ظلمت المرأة الفقيرة المكافحة في الأحياء الشعبية، ثماني كاتبات فزن مثلك بجائزة نوبل، آخرهن نادين غورديمر وطوفى موريسون بسبب دفاعهن عن الرجل الأسود…).
7- شبلي شميل: كانت أكبر الصحف وأشهرها في بدايات القرن العشرين هي المقطم والأهرام، وكانت الأهرام تسير في ركاب النفوذ الفرنسي، أما المقطم فتجري في ركاب النفوذ البريطاني، وكانت الأهرام في قيادة بشارة تقلا، وكانت المقطم في قيادة صروف ونمر ومكاريوس.
وفي رحاب المقطم جاء شبلي شميل، زميل صروف في الإرسالية، ومن خلال المقطم شُنَّت حروب كبرى على الإسلام، وحرب على اللغة العربية. وهكذا كان دور المقطم واضحًا وممتدًا، وكانت اللغة العربية هي الهدف الأكبر للحملة على الإسلام.
8- سلامة موسى: إذا كان دور جورجي زيدان خطيرًا من خلال رواياته الطاعنة في التاريخ الإسلامي، ومن خلال مجلة الهلال التي كانت خاضعة للنفوذ الفرنسي والنفوذ الإنجليزي، فإن دور وريثه سلامة موسى كان أشد خطورة.
فقد عمل على تدمير اللغة العربية الفصحى، وكان لا يتوقف عن الدعوة إلى العامية، وكان حليفًا في ذلك لكل أعداء اللغة العربية الفصحى، أمثال (وكلوكس) و(ويلمور).
وكانت حملة سلامة موسى على اللغة العربية تؤكد حقده الشديد نحو ما تحمله اللغة العربية الفصحى، وهو القرآن الكريم، وكان تحقير العربية لغةً وخطَا ولسانًا وتراثًا ونسبًا من أهم أعماله؛ لأنه كان يعلم أن وراء هذه اللغة عقيدتنا وتاريخنا الإسلامي وقيمنا كلها، وجوهر شخصيتنا العربية الإسلامية المؤمنة بالله تبارك وتعالى إلهًا واحدًا.
9- محمد عابد الجابري: في الوقت الذي دعا فيه إلى استبعاد العقيدة الإسلامية والقيم الإسلامية من مفهوم الثقافة، وذلك ما يسمى استبعاد التراث الإسلامي من واقع المثقف العربي، وفي الوقت الذي دعا فيه إلى حجب كل قيم الفكر الإسلامي الأساسية القائمة على التوحيد الخالص ومنهج المعرفة ذي الجناحين، وما قدمه الفكر الإسلامي في مجال التجريب والعلوم، فقد أراد أن يُجرِّب قلمه في ميدان اللغة، فاقتحم الميدان بغير سلاح، فشطح في هذا الميدان، ووقع في تناقض معيب، حيث ادعى أن العامية أغنى من الفصحى، ومن جانب آخر رمى العامية أنها ليست لغة ثقافة وفكر.
ورغم أن الدكتور الجابري لا يعرف شيئًا من التاريخ اللغوي للعربية، إلا أنه يصمها بالعجز عن مواكبة التطور، ويصم في إصرار ظالم، طريقة الخليل بن أحمد بأنها لم تكن إلا مظهرًا واحدًا من مظاهر الصنعة والاصطناع التي تعرضت لها اللغة العربية في عصر التدوين، والتي جعلت منها قوالب جامدة ونهائية على حد ظنه!! ويقول الدكتور الجابري ساخرًا وظالمًا لنفسه ولغيره: (لقد اتجه جامعو اللغة ورواتها إلى البادية، إلى الأعراب الأقحاح، وأصبح هؤلاء الأعراب الحفاة العراة مطلوبين بكل إلحاح)!!
وينسى الجابري أن هذا البدوي الذي يصفه بهذا الوصف الظالم هو الذي نزل عليه القرآن بلغته، وأن هذه اللغة العربية التي يعيبها عنده أنها لغة العرب البدو، هي التي نُقل في ثوبها تراث الإغريق والسريان، وليس هؤلاء ولا أولئك من البدو.
وهكذا سعى الجابري واهمًا إلى فرنسة الفكر الإسلامي واللغة العربية، لغة القرآن.
10- وهكذا مضى من ذكرت أسماءهم في هذه المقالة في محاربة الإسلام ومحاربة اللغة العربية، واستعانوا بالمال الأجنبي أو العربي الإقطاعي أحيانًا، ونشروا صحفًا ومجلات، وأقاموا مراكز دراسات، وألفوا كتبًا، وبعضهم نظم الشعر، وبعضهم كتب القصة أو المسرحية، وبعضهم أقام حزبًا ذا اسم براق، وبعضهم ادعى الدفاع عن اللغة العربية بهدف محاربة الإسلام واللغة العربية والأمة الإسلامية والعروبة والخلافة الإسلامية.
وبعضهم سعى إلى تغريب الفكر الإسلامي والعقل المسلم والعقل العربي، وجعلها تابعة لشتى ماركات الفكر الغربي القديم وما بعد القديم والحديث.
ولا يزال لهؤلاء تلاميذ أحياء، اتبعوهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، ولن ينال هؤلاء الأتباع إلا ذل الهزيمة في معركتهم الخاسرة مع الإسلام واللغة العربية، كما نال ذلك أساتذتهم من قبل. وإن غدًا لناظره قريب.
