أخبار وتقاريردين ودنياومضات

لا تُخبر أحدًا عن ذهابك ومذهبك وذهبك

د. نواعم شبلي جبارين

في زمنٍ أصبحت فيه الخصوصية سلعةً رخيصة، وأضحى الإنسان يكشف تفاصيل حياته أمام الناس دون تردد، بات من الحكمة أن يتعلّم المرء فنّ الكتمان، وأن يدرك أن بعض الأمور لا ينبغي أن تكون مشاعًا بين الجميع. ومن أبلغ الحكم التي اختصرت فلسفة الحياة الاجتماعية قولهم: “لا تُخبر أحدًا عن ذهابك ومذهبك وذهبك.” وهي ليست دعوة إلى الغموض المرضي أو الانعزال عن الناس، بل هي دعوة إلى الاتزان، وحفظ الخصوصية، وصيانة النفس من الحسد والتطفل وسوء النوايا.

فالإنسان الحكيم لا يجعل حياته كتابًا مفتوحًا لكل من هبّ ودبّ، لأن كثرة الحديث عن التفاصيل الشخصية قد تفتح أبوابًا من المتاعب لم تكن في الحسبان. ولعل التجارب الإنسانية القديمة والحديثة أثبتت أن بعض النِعم تذبل حين تُعرض كثيرًا، وأن بعض الخطط تفشل حين تُعلن قبل اكتمالها.

أولًا: لا تُخبر أحدًا عن ذهابك

ليس كل سفر أو انتقال أو خطوة في الحياة تحتاج إلى إعلان وتفصيل. فكثرة الحديث عن تحركات الإنسان قد تجلب تدخلًا غير مرغوب فيه، أو حسدًا دفينًا، أو حتى تعطيلًا للمشاريع قبل اكتمالها. وقد قيل قديمًا: “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان.” لأن النفوس ليست سواء، فهناك من يفرح لك بصدق، وهناك من يضيق قلبه لرؤية نجاح غيره.

إن الإفراط في مشاركة التفاصيل اليومية عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلق نوعًا من الاستنزاف النفسي والاجتماعي، حيث أصبح البعض يعيش لأجل إخبار الناس بما يفعل، لا لأجل عيش الحياة نفسها. فالسعادة الحقيقية لا تحتاج دائمًا إلى جمهور يصفق لها.

ثانيًا: لا تُخبر أحدًا عن مذهبك

والمقصود هنا ليس فقط المذهب الديني، بل كل قناعة فكرية أو توجه شخصي أو مشروع داخلي لم يكتمل نضجه بعد. فالإنسان الواعي يدرك أن لكل مقام مقالًا، وأن كشف القناعات أمام الجميع قد يفتح أبواب الجدل العقيم والتصنيف المسبق.

لقد علّمتنا الحياة أن بعض الناس لا يناقشون ليَفهموا، بل ليُهاجموا أو يُثبتوا تفوقهم الفكري. لذلك فإن الاحتفاظ ببعض القناعات للنفس نوعٌ من النضج لا من الخوف، ومن الحكمة لا من الضعف.

كما أن احترام خصوصية الفكر يساهم في حماية المجتمع من التعصب والانقسام، لأن الإنسان حين يتعلم أن يحتفظ ببعض ما يؤمن به لنفسه، يصبح أكثر اتزانًا وأقل ميلًا لفرض آرائه على الآخرين.

ثالثًا: لا تُخبر أحدًا عن ذهبك

المال نعمة عظيمة، لكنه في الوقت ذاته من أكثر الأمور التي تثير الحسد والطمع وتغيّر النفوس. ولذلك كان التواضع في إظهار النعم خُلُقًا راقيًا دعا إليه الدين والعقل معًا. فالإنسان ليس مُلزمًا بأن يكشف للناس دخله، أو ممتلكاته، أو حجم ما يملك، لأن قيمة المرء لا تُقاس بما يملكه من ذهب، بل بما يحمله من أخلاق وعلم وإنسانية.

وقد رأينا كثيرًا كيف تتحول العلاقات حين يدخل المال إلى ميزان المقارنات، فتظهر الغيرة، وتضعف المحبة الصادقة، وتتحول بعض النفوس إلى ساحات تنافس واستهلاك واستعراض.

إن الستر في أمور الرزق ليس بخلًا ولا خوفًا، بل هو احترام للنفس، وحماية للنِعم من أعين لا ترحم وقلوب قد لا تتمنى الخير للآخرين.

بين الكتمان والحكمة

الكتمان لا يعني الانغلاق، كما أن الصراحة لا تعني التعري الكامل أمام الناس. فالحياة تحتاج إلى توازن دقيق بين ما نقوله وما نحتفظ به لأنفسنا. فالإنسان الناضج هو الذي يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ولمن يقول، وما الذي يجب أن يبقى في دائرة الخصوصية.

ولعل أجمل ما في الحكمة أنها تمنح الإنسان راحة داخلية، لأن من يُقلل الحديث عن تفاصيل حياته يقلل أيضًا من تدخل الآخرين فيها، ويعيش بطمأنينة أكبر بعيدًا عن الضجيج والمقارنات والأحكام.

خاتمة

إن عبارة “لا تُخبر أحدًا عن ذهابك ومذهبك وذهبك” ليست مجرد كلمات عابرة، بل خلاصة تجارب طويلة علّمت الإنسان أن بعض الأبواب تُغلق بالصمت، وأن بعض النِعم تُحفظ بالكتمان، وأن الوقار الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض.

فليس كل ما نعرفه يُقال، وليس كل ما نملكه يُعرض، وليس كل ما نخطط له يجب أن يُعلن. وفي عالم امتلأ بالضجيج، يبقى الهدوء حكمة، ويبقى الكتمان أحيانًا نعمة تحفظ للإنسان هيبته وراحته وسلامه الداخلي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى