أخبار وتقاريرمقالاتومضات

كأن غزة أُخرجت من الجغرافيا والماضي والحاضر

الشيخ رائد صلاح

كأن الأرض لم تعرف في جغرافيتها وطنًا اسمه غزة، وكأن التاريخ لم يكتب في سرديته عن أيام غزة، وكأن الحاضر بات من المحظور عليه أن يلفظ اسم غزة، فهي الآن غارقة في مأساتها، ولا تزال تحصي عدد شهدائها، ولم تصل إلى الرقم الأخير، ولا تزال تحصي عدد مفقوديها وجرحاها ومجهولي المصير فيها، ولم تنجح حتى الآن في أن تدون قائمة أعدادهم وأسمائهم الأخيرة، ولا تزال تحصي عدد بيوتها المدمرة، وعدد بيوتها المهدمة، وعدد بيوتها المتصدعة، وعدد بيوتها القائمة، ولم تسعفها العمليات الحسابية حتى الآن أن تعرف النسبة المئوية الأخيرة لما اندثر من بيوتها وتحول إلى كومة تراب، ولما لا يزال قائمًا في وجه عواصف الهدم والقصف والتدمير، علمًا أنها على يقين الآن أن ما بقي من بيوتها هو اليسير النادر، ولم تنجح حتى الآن أن تحيط بالخراب الذي لحق بمساجدها وكنائسها ومدارسها وجامعاتها ومستشفياتها، ولا تزال تكتشف كل يوم أن الخراب الذي وقع على هذه المعالم من حياتها هو أشد مما تصورت، وأشد مما تصور كل أهل الأرض، ولم تنجح حتى الآن أن تضم إلى صدرها كل أراملها وثكالاها وأيتامها ويتيماتها ومشرديها ومشرداتها، فهم بعشرات الآلاف، وهي لا تملك إلا صدرًا واحدًا، ولم تنجح حتى الآن أن توقد نارًا لطهي طعامها وخبز عجينها، فلا يزال الحصار الخانق لها هو سيد الموقف، ولا تزال محرومة من الغذاء والماء والكساء والدواء والكهرباء ونقي الهواء إلا قليل القليل، ولم تنجح حتى الآن أن تنام مطمئنة، فلا تزال تطاردها الطائرات والدبابات والبنادق الرشاشة، ولا يزال يلمع في سمائها وميض القصف وانفجار الصواريخ والقنابل وأزيز الرصاص، ولم تنجح حتى الآن أن تستقبل عيدًا أو أن تودع عيدًا، وأنى لها ذلك وهي لا تزال تحفر القبور لشهدائها، ولا تزال تقيم لهم الجنائز وبيوت العزاء وصلاة الحاضر عليهم أو الغائب، ولم تنجح حتى الآن أن تبتسم، وكيف تبتسم وهي النائحة الباكية الموجوعة المدثرة بآلامها وأحزانها وهمومها وغمومها وكروبها.

فيا لها غزة وهي ترسف بقيود كل هذه المآسي، في الوقت الذي نسيها فيه القريب والبعيد والجار وعابر السبيل، لدرجة أن لفظة غزة سقطت عن ألسنتهم، وغابت عن آذانهم، ونبذتها أحاسيسهم، ولفظتها مشاعرهم، وودعتها عواطفهم، وكأن غزة ما كانت أصلًا في وجدانهم حتى يتساءلوا: ما أحوال غزة؟ وكأن ضمائرهم ما عادت قادرة على التخلص من أرقها وقلقها إلا إذا تخلصت من شبح اسمه غزة، وكأن موائد طعامهم وشرابهم وغنائهم ما عادت تحلو لهم وتصفو أجواؤهم إلا إذا أعلنوا البراءة الصامتة من غزة، وكأن بعضهم بات يقول لبعض: لا تصدعوا رؤوسكم بغزة، فقد صدعت رؤوسنا بما فيه الكفاية وزيادة، وإلا هل لا يزال في الحاضر الإسلامي والعربي وجود حي لـمنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية؟ فإن كانتا لا تزالان تنبضان بالحياة وتملكان عرق حياء، فما لي أراهما صامتتين عن غزة؟

ويوم أن أتساءل، فأنا أتساءل وأنا أعلم سلفًا أنهما لا تملكان القدرة على إدخال لقمة طعام أو شربة ماء أو حبة دواء أو قطعة لباس إلى غزة، ومع ذلك أتساءل عن حضورهما: أين اختفى؟ وعن صوتهما: لماذا سكت؟ على قاعدة: (فليسعف القول إن لم يسعف العمل)، ومع ذلك باتتا مشلولتين عن إسعاف غزة بالقول، وبالدعم الكلامي من بعيد، وبمواساة غزة بشعارات المارد العربي وبشعارات الجسد الواحد.

ثم هل لا يزال الإعلام العربي يواكب الأحداث أولًا بأول كما لا يزال يعرّف على نفسه؟ وهل لا يزال إعلام الرأي والرأي الآخر؟ وهل لا يزال إعلام صوت من لا صوت له؟ وهل لا يزال إعلام سبر الأغوار وكشف الحقيقة؟ وهل لا يزال إعلام نصرة المظلومين في كل مكان؟ فإذا كان كذلك، فلماذا غابت غزة عن شاشات الإعلام العربي؟ ولماذا تعطلت عدسات التصوير في هذا الإعلام ولم تعد قادرة على نقل ما يجري في غزة؟ ولماذا سكت مراسلو هذا الإعلام ومراسلاته عن استغاثات غزة؟

وها أنا ذا أتجول في الإعلام العربي ما بين قناة وقناة، وما بين شريط أخبار وشريط أخبار آخر، وما بين نشرة صباح ونشرة مساء ونشرة منتصف اليوم ومنتصف الليل، ثم أبحث عن غزة فأكاد ألا أجدها في هذا الفضاء الإعلامي العربي، الذي لا يزال يتجول بلا توقف بين واشنطن وطهران، وبين روسيا وأوكرانيا، وبين مضيق هرمز وقناة بنما، وبين قصر الإليزيه وسور الصين العظيم، وبين تصريحات دونالد ترامب وتصريحات بنيامين نتنياهو، وبين تصفيات كأس العرب وكأس أوروبا وكأس أفريقيا وكأس أمريكا الجنوبية الا من رحم الله.

ثم أتساءل كاذبًا على نفسي، لأني أعرف الجواب سلفًا، ومع ذلك أتساءل: هل اختفت غزة عن فضاء الإعلام العربي أم أخفيت؟ وهل لا تزال الأقمار الفضائية العربية كنيلسات وأخواته قادرة على الكشف عما يجري في غزة للفرد المسلم والفرد العربي والفرد الإنسان في كل العالم؟

ثم أين هو صوت الشعوب المسلمة والعربية حيال ما يجري في غزة، مع يقيني الثابت وقناعتي الدائمة أن هذه الشعوب هي شعوب الخير إلى يوم الدين؟ فهل اختفى صوتها أم أُخفي صوتها؟

وهل أَغلقت أفواهها أم أُغلقت أفواهها؟ وهل تعبت عن القيام بحراكاتها الشعبية المليونية نصرة لغزة أم أُتعبت وحوصرت، وبات يقال لها: ناموا ولا تستيقظوا، ما فاز إلا النوّم؟ فإذا كان نصف قلبي على غزة فإن نصف القلب الآخر على هذه الشعوب المسلمة والعربية التي أمست على القهر تنام وعلى السوط تستيقظ، فيا حسرة على حالها، وهي التي باتت تغطي ربع مساحة الكرة الأرضية، ومع ذلك كأنها في كوكب آخر غير الكرة الأرضية.

فيا لتلك الأيام التي زحفت فيها مليونياتها نصرة لمأساة غزة ما بين إسطنبول والرباط وكوالالمبور وجاكرتا وكراتشي والخرطوم وصنعاء وغيرها، فهل هرمت تلك المسيرات؟ وهل وهنت عن المسير، أنا أربأ بتلك المسيرات أن تُخدع وأن تظن أن مأساة غزة قد انتهت، وأنها تنعم بالأمن والأمان الآن، أنا أربأ بتلك المسيرات أن تميل إلى بهلوانيات الرئيس دونالد ترامب واهمة أن لجنة ترامب الأممية قد أنقذت غزة ونقلتها من الحصار والبؤس والفقر والجوع والعطش والمرض إلى رغد العيش وصلاح البال والأحوال، ومن وطأة القتل والقنص وإزهاق الأرواح إلى شاطئ السلامة على الأرواح والمسكن والزرع والضرع، لأن حقيقة مأساة غزة تقول غير ذلك، فلا يزال تعداد شهدائها وجرحاها ومرضاها وأسراها، ترتفع أرقامه يومًا بعد يوم، وما انفك عنها الحصار ولو لثانية، بعد أن أعلن ترامب عن فرض وقف إطلاق النار في غزة.

وليت هذه الشعوب المسلمة والعربية تعرف أن وقف إطلاق النار هذا هو من طرف واحد فقط، بمعنى أن الطرف الفلسطيني هو الوحيد المفروض عليه وقف إطلاق النار، وأما الطرف الإسرائيلي فلا يزال يطلق النار، ولا يزال يقتل متذرعًا بذرائع شتى، ولا يزال يخترق وقف إطلاق النار حتى تجاوز مئات المرات التي اخترق فيها وقف إطلاق النار.

وأنا على قناعة تامة أن الطرف الإسرائيلي يوم أن يقوم بكل ذلك، فهو يحظى سلفًا بموافقة البيت الأبيض التي قد تصل إلى حد المباركة، وتطمين الطرف الإسرائيلي أنه ما دام ينعم بتغطية البيت الأبيض فهو فوق المحاسبة، بل هو فوق المعاتبة ولفت الانتباه ورفع البطاقة الحمراء في وجهه.

وليت هذه الشعوب المسلمة والعربية تتحرر من وهم مقولة الرأي العام الدولي، فهي مقولة ما كانت في يوم من الأيام، وهي في حقيقتها أفيون الشعوب الضعيفة التي تجد فيها تخديرًا لذلها وهوانها ووهنها، والذي قد يدفعها إلى أن تظن نفسها على شيء، وهي في الحقيقة ليست على شيء.

بل هي في الحقيقة قطع غيار لمصالح الصليبية العالمية والصهيونية العالمية والوثنية العالمية، وليت هذه الشعوب المسلمة والعربية تتحرر من سراب الصحراء التي اسمها الأمم المتحدة، فهي سراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا ما وصل إليه لم يجده شيئًا، وهي في أحسن الأحوال قد تحولت هذه الهيئة الأممية إلى بيت للعجزة وإلى نادٍ للمسنين، وها هو الإنسان في الأرض يداس عليه كل لحظة، ويستباح دمه، وتزهق روحه، ويحتل وطنه، وتؤكل حقوقه، ويضيع عرضه، وتصادر قيمه، ويباع رقيقًا، وفي المقابل ها هي الأمم المتحدة لا تزال تواصل عقد جلساتها الطارئة وغير الطارئة، ولا تزال تصدر قراراتها، وما أكثر قراراتها، وما أكثر أرقام قراراتها، ثم تذهب مع الريح.

وهكذا باتت الأرض بلا عنوان، ولا نظام دولي، ولا قانون دولي، ولا رقابة دولية، ولا ردع دولي، ومن يقول غير ذلك يكذب على نفسه، وهكذا باتت البشرية اليوم أسيرة العربدة، وضحية الغطرسة، وسبية المغولية المعاصرة التي أضحت تمارسها الشركات العالمية المتوحشة الكبرى، مدعومة ببنوك نقد دولية باتت تهيمن على ثروات العالم وتصبها في حضن مجموعة عائلات قليلة العدد متسلطة النفوذ، حتى باتت تملك الأرض والأرزاق والأعناق، وتفرض القيم المادية الدونية وفق مقاسها الشهواني المنفلت الذي لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا.

وها هي فضائح جزيرة إبستين هي نموذج قذر لهذا الانحطاط البهيمي الذي لا تزال تفرضه هذه الشركات العالمية المتوحشة وهذه العائلات ذات الإمبراطوريات المالية على أهل الأرض على اختلاف مللهم ونحلهم، وذلك لا يعني أن شعوب الأرض قد تُودع منها، بل لا يزال في داخلها بقايا من فطرة حية لم تمت ولم تتشوه ولم تستسلم، ولعل بقايا هذه الفطرة الحية هي التي دفعت هذه الشعوب في شتى قارات الدنيا، على صعيد القارة الأمريكية والأوروبية والآسيوية وصولًا إلى الصين واليابان وأستراليا، أن تنهض منتصرة لمأساة غزة ومعبرة عن شدة غضبها حيال ما يجري بغزة.

وهي يوم أن انتصرت لغزة فقد انتصرت لذاتها أولًا، وهي يوم أن أقامت المسيرات المليونية في واشنطن ولندن وباريس وبرلين ومدريد وروما وأثينا وغيرها إسنادًا لغزة، فقد حرصت على الحياة لذاتها إلى جانب حرصها على حياة غزة ورفع مأساتها عنها.

ثم فجأة اختفت هذه المسيرات من الشوارع ومن ساحات الجامعات ومن الميادين العامة، رغم أن مأساة غزة التي أثارت هذه الجماهير على صعيد عالمي لا تزال هي مأساة غزة، فلماذا سكت الجميع عن مأساة غزة على كل صعيد، وهكذا أصبحت غزة تعيش مأساتها لوحدها في زمن انهار فيه كل شيء، فهي منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية قد تحولتا إلى منظومة منهارة، وهو الإعلام العربي قد تحول إلى منظومة منهارة، وهي قصور الرئاسة على صعيد إسلامي وعربي قد تحولت إلى منظومة منهارة، وهي مقولات حقوق الإنسان وحق تقرير المصير والرأي العام الدولي والعدالة الدولية قد تحولت إلى منظومة منهارة، وهي الأمم المتحدة وما تفرع عنها من لجان ومجالس واتحادات قد تحولت إلى منظومة منهارة.

فماذا بقي لغزة في الحسابات البشرية؟ بقي لغزة حفظ الله تعالى لها ورعايته لها وتفريج كربها، فهو الله العظيم القائل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، ثم بقي لغزة حقها أن تبقى غزة، وأن تحيا غزة، وأن توصل حاضرها بتاريخها، وأن تربط مستقبلها بحاضرها، فهي ذات حق لا يموت، وذات ثوابت لا تموت، وذات طموح لا يموت.

ثم بقي لغزة الشعوب المسلمة والعربية التي لا يزال فيها الخير، ولا تزال وفية لغزة، وإن كمم البعض أفواهها، ولا تزال تتوق إلى حرية وكرامة واستقلال لها ولغزة.

ولا تزال تسعى لتقرير مصيرها وصناعة حكمها الراشد وإحياء العدل والقسط في مسيرة حياتها، وهذا ما سيكون في قادمات الأيام القريبة، من ضمن بشرى قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، تملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعد أن مُلئت ظلمًا وجورًا»، ولا تزال تستعيد وعيها، وترمم ذاتها، وتجدد العهد مع جذورها، بعد أن أنهكها بريق الحلول المستوردة، والأفكار المستوردة، والوجهات المستوردة، وأنا على يقين أن هذه الشعوب الخيرة ستنفض عن وجودها غبار الذل ودجل التبعية المتخلفة، والقومية العمياء، وافتعال الصدام الوهمي بين العروبة والإسلام، التي روج لها في البدايات جرجي زيدان وطه حسين وتوفيق الحكيم وسلامة موسى، ومن جاء بعدهم من شحارير وعصافير وأدونيسات، وصولًا إلى عزمي بشارة ومن يدور في فلك دولاراته اليوم، وكم أرهق هؤلاء الأمة المسلمة والعالم العربي والشعب الفلسطيني، وكم عانت غزة من إسقاطات هذا الرهق الثقيل الذي طال حتى ظنه البعض أنه ليس بمنقضٍ، ولكن لا بد بعد الليل من طلوع الفجر، وإن غدًا لناظره قريب.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى