بلدة “الطيبة” بالضفة.. اعتداءات المستوطنين تهدد الوجود المسيحي

في واحدة من التجمعات الفلسطينية القليلة ذات الغالبية المسيحية بالضفة الغربية المحتلة، تتزايد المخاوف في بلدة الطيبة شرقي مدينة رام الله من أن تدفع اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على الأراضي الزراعية والممتلكات مزيدا من العائلات إلى الهجرة، بما يهدد الطابع الديمغرافي والوجود المسيحي التاريخي فيها.
ويحذر مسؤولون محليون ورجال دين في البلدة من تداعيات “تزايد اعتداءات المستوطنين” التي تتزامن مع تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية فيها.
وتُعد الطيبة، وفق روايات كنسية ومحلية، من البلدات الفلسطينية القليلة التي لا تزال تحتفظ بغالبية مسيحية في الضفة، حيث يقول السكان إن جذور الوجود المسيحي التاريخي في البلدة يمتد إلى آلاف السنين.
وخلال السنوات الأخيرة، أنشأ مستوطنون عدة بؤر استيطانية في محيط الطيبة، كان أحدثها في أبريل/ نيسان الماضي، فيما باتت البلدة تُحاصر بعدة مستوطنات وبؤر رعوية ينشط فيها مستوطنون إسرائيليون يُعرفون باسم “فتية التلال”، وينفذون اعتداءات متكررة بحق السكان.
وتشمل اعتداءات المستوطنين بحق الطيبة والتجمعات البدوية المحيطة بها عمليات إحراق مركبات وسرقة أغنام ومنع الوصول للأراضي الزراعية.
وحذر مسؤولون فلسطينيون، مرارا، من أن إسرائيل تسعى لتفريغ فلسطين من المسيحيين في محاولة لتحييدهم عن جوهر الصراع الوطني، وترويج رواية زائفة للعالم بأن الصراع ديني وليس سياسيا.
تضييق متصاعد
وقال راعي كنيسة الروم الكاثوليك في الطيبة جاك عابد، إن البلدة “تمر بمرحلة صعبة” من التضييق والاعتداءات المتكررة منذ فترة، خاصة بعد الحرب على غزة.
وأضاف في تصريحات صحفية: “نحافظ على إيمان هذه البلدة التي بقيت مسيحية مئة بالمئة في الضفة، ونعتبر أن لنا رسالة في هذه الأرض المقدسة، رغم ما نتعرض له من تضييقات واعتداءات متزايدة”.
وأوضح أن ما يجري لا يقتصر على “أحداث متفرقة”، بل يمثل وفق تعبيره، “سياسة ضغط تهدف إلى إضعاف الوجود المسيحي في فلسطين”.
وأشار إلى أن المشروع “الاستيطاني المتطرف” ينعكس على حياة سكان الطيبة اليومية، من خلال التضييق الذي يمارسه المستوطنون والاعتداءات.
وأضاف: “نحن لا نتحدث من باب التعصب، بل من باب الحفاظ على وجودنا وهويتنا ورسالتنا في هذه الأرض”.
وعن الانتهاكات في الطيبة، قال عابد إن البلدة تعرضت خلال الفترة الأخيرة لأشكال متعددة من الاعتداءات بينها التضييق على الحركة، وإغلاقات، واعتداءات على ممتلكات.
ولفت إلى أن المشهد العام في البلدة بات يخلق “حالة من القلق والخوف لدى السكان” وانعكس على الاستقرار الاجتماعي، مضيفا: “نحن أمام واقع صعب، لكنه لا يضعف إيماننا بأن البقاء والصمود هو الرسالة الأساسية”.
وفي ختام حديثه، اعتبر عابد اعتداءات المستوطنين على الرهبان والراهبات في القدس، والمضايقات المتواصلة للوجود المسيحي، “جزء من صورة أكبر لما يحدث في فلسطين”.
وفي 28 أبريل/ نيسان المنصرم، تعرضت راهبة تعمل في المدرسة الفرنسية للكتاب المقدس والآثار بالقدس، لاعتداء حيث دفعها متطرف يهودي من الخلف، ما أدى إلى سقوطها وارتطام رأسها بحجر، قبل أن يركلها وهي على الأرض.
ضغوط يومية
من جانبه، قال رئيس بلدية الطيبة بالإنابة خلدون حنا، إن البلدة تمتد جذورها التاريخية إلى آلاف السنين، وتضم نحو 1500 نسمة داخلها وآلاف المغتربين في الخارج، موضحا أنها تواجه “تصعيدا متواصلا في اعتداءات المستوطنين”.
وأفاد في تصريحات صحفية، أن البلدة تقع على تلة مرتفعة شرق رام الله، وأن سكانها يعتمدون بشكل أساسي على الزراعة، وخاصة الزيتون، إلا أن هذا القطاع تعرض لقيود متزايدة خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف: “المستوطنون منعوا الأهالي من الوصول إلى نحو 5 آلاف دونم من الأراضي الزراعية، كما تم منعهم من قطف الزيتون في مساحات واسعة، ما تسبب بخسائر اقتصادية كبيرة”.
وأشار إلى أن الاعتداءات لم تقتصر على الأراضي الزراعية، بل شملت اقتحامات متكررة للبلدة، واعتداءات على منازل وممتلكات، إضافة إلى إحراق سيارات وتنفيذ محاولات تخريب.
وقال حنا: “أخطر ما حدث هو محاولة إحراق كنيسة الخضراء البيزنطية داخل البلدة، لكن الأهالي تمكنوا من السيطرة على الحريق قبل توسّعه”.
وفي 7 يوليو/ تموز 2025، أضرم مستوطنون النار قرب مقبرة وكنيسة القديس جاورجيوس (الخضر) التاريخية في البلدة، ما أثار ردود فعل كنسية ودولية واسعة، نددت باعتداءات المستوطنين على المقدسات ودور العبادة.
واتهم رئيس البلدية المستوطنين بالتحرك “تحت حماية ودعم من القوات الإسرائيلية”، مضيفا أن الهدف من هذه الاعتداءات “هو دفع السكان نحو الهجرة وتفريغ المنطقة”.
وأضاف: “هناك ضغط يومي على الأهالي، ومحاولات استفزاز مستمرة لخلق احتكاكات، لكن السكان يحاولون تجنب المواجهة المباشرة رغم الاستفزازات”.
“هجرة مُقلقة”
في سياق متصل، قال رئيس البلدية إن البلدة شهدت خلال السنوات الأخيرة حركة هجرة “محدودة لكنها مقلقة”.
وأضاف: “خلال العامين الماضيين فقط، غادر ما لا يقل عن 10 عائلات، بسبب الأوضاع الاقتصادية والضغوط المتواصلة”.
وأوضح أن اعتماد السكان على الزراعة يجعلهم أكثر عرضة للتأثر بالإجراءات الميدانية، مضيفًا: “حين يُمنع المزارع من أرضه، يُقطع مصدر رزقه الأساسي، وهذا ينعكس على الاستقرار الاجتماعي”.
وتابع: “الأزمة ليست فقط اقتصادية، بل نفسية واجتماعية أيضا، لأن الناس تشعر بأن مستقبلها مهدد”.
وأكد حنا أن الاعتداءات لا تميز بين مكونات المجتمع الفلسطيني، قائلاً إن “الاستهداف يشمل المساجد والكنائس والممتلكات على حد سواء”.
وجدد التأكيد على أنه رغم الضغوط المستمرة إلا أنهم “يتمسكون بالبقاء والصمود في الأرض”.
وتأتي هذه الشهادات وسط تحذيرات فلسطينية من تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة، وما يرافقها من تقييد لحركة السكان، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، إضافة إلى تزايد المخاوف من انعكاسات ذلك على الوجود الفلسطيني في المناطق الريفية، بما فيها القرى ذات الطابع الديني والتاريخي مثل بلدة الطيبة.
ويُقدّر عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية بنحو 750 ألفا، بينهم نحو 250 ألفا في القدس الشرقية، وفق تقديرات فلسطينية، في مستوطنات تعتبرها الأمم المتحدة “غير قانونية”.
ومنذ اندلاع الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، صعّدت تل أبيب عبر الجيش والمستوطنين من اعتداءاتها في الضفة الغربية، ما أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 1155 فلسطينيًا، وإصابة 11 ألفًا و750، إضافة إلى اعتقال قرابة 22 ألفًا، وفق معطيات فلسطينية.