أخبار رئيسيةالضفة وغزةتقارير ومقابلاتمرئياتومضات

هروب أم تهجير؟ حرب الرواية وأحداث النكبة تتكرر في “يانون” بالضفة (شاهد)

في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، خرجت آخر العائلات الفلسطينية من القسم الشمالي في خربة يانون جنوب مدينة نابلس نابلس شمالي الضفة الغربية، مخلفة وراءها بيوتا ترك الأثاث فيها كما هو، ومدرسة تعطلت، ومسجدا أغلقه المستوطنون، ونبع ماء سرق، وبوابة حديدية وضعت عند مدخل القرية لتعلن انتهاء الحياة فيها.

وبينما لا تزال تلك العائلات غير قادرة على استيعاب فكرة هذه الخسارة، بدأ مستوطنون يتجولون بين البيوت الخاوية ليصوروا مقاطع فيديو يذاع فيها بلسان واحد: “سمعنا أن أهل القرية هربوا وتركوا بيوتهم”.

هذا التحول من فعل “هجروا” إلى فعل “هربوا” ليس زلة لسان، ولا تفصيلا إعلاميا عابرا، بل هو -بحسب باحثين في الخطاب الإسرائيلي- امتداد لسردية عمرها 78 عاما، عاد إنتاجها في يانون مع اقتراب ذكرى النكبة الـ 78.

لم يكن الخروج طوعا.. بل قسرا
راشد مرار (60 عاما) لم يتبق له من قريته سوى اسم على ورق وبضع صور محفوظة على هاتفه لمنزله وتفاصيل قريته الصغيرة التي احتضنت ذاكرته منذ الولادة.

يجلس اليوم على بعد كيلومترات قليلة من بيته الذي ولد فيه هو ووالده وجده قبله الذي عايش العهد العثماني، وينظر إليه من بعيد.

يلخص هذه المعركة كلها بجملة واحدة: “من يعيش المعاناة ليس كمن يراقبها من بعيد، ومن يتلقى ضربات العصي ليس كمن يكتفي بعدّها”.

صوته، وهو يستعيد يوم الخروج، لا يخفي مرارته حينما يقول: “إنسان يطرد من بيته الذي ولد فيه، ماذا يكون شعوره؟ الموت حق على الناس، لكن ما جرى ليس حقا. الموت من الله، أما ما حدث فكان بسبب المستوطنين”.

ما يرفضه مرار بصلابة هو رواية “الخروج الطوعي” ذاتها. يقول في تصريحات للإعلام: “من يقول إننا خرجنا بإرادتنا فهو كاذب، أيا كان، لا أحد يخرج من بيته إلا إذا رأى الموت في عينيه مرات لا تحصى”.

إجراءات ما قبل التهجير
المشهد الذي يصفه مرار ليس قرارا اتخذ في لحظة، بل خلاصة حصار يومي امتد لسنوات، لا سيما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدأ بمنع إدخال العلف لأغنام المواطنين ومواشيهم. ثم تطور إلى تفتيش أبناء القرية واحتجازهم صباحا ومساء على الطريق من قبل مستوطنين يرتدون لباس الجيش الإسرائيلي.

وأي ضيف من خارج القرية -يواصل مرار- يمنع من زيارتها، حتى ابنته وزوجها. الحراثة والرعي والبناء كل ذلك ممنوع، وحتى جني حبات الزيتون من تحت الشجرة الملاصقة للبيت ممنوع.

ثم جاءت اللحظة الأخيرة: “صباح 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي جاء المستوطنون إلى أخي وقالوا له: بعد الساعة 4 (مساء) لا نريد أن نرى أحدا هنا، سنضع بوابة ونغلق المكان”. في المساء نفسه، كانت البوابة الحديدية قد نصبت وأغلقت على القرية، و6 عائلات كانت صامدة من بين عشرات العائلات التي غادرت تباعا، رغم كل التضييق، اضطرت أخيرا للخروج خوفا على مصير 22 شخصا، 6 منهم من ذوي الإعاقة.

عزلة واستهداف للأرواح
صارت الحياة في يانون خلال السنوات الأخيرة التي سبقت التهجير أقرب إلى عزلة مرضية، بحسب مرار، حتى إن ابنته تقول له: “لقد أصبحنا نعيش حالة من التوحد”. طوال النهار لا يرون “أي إنسان عربي” يدخل القرية، لا تاجرا ولا قريبا ولا زائرا، فقط “مستوطنون وجيش”.

أما الليل، فلا نوم فيه خوفا من أي اعتداء محتمل؛ “إلى متى يستطيع الإنسان تحمل السهر؟ يوما أو يومين أو أسبوعا، ثم ماذا بعد؟” يتساءل المواطن الفلسطيني النازح عن مسقط رأسه.

لم يتوقف الاعتداء عند ضرب مقومات الحياة، بل بلغ تهديد الأبناء في أرواحهم، يحكي مرار عن مستوطن داهم بيته مع نحو 20 آخرين قائلا له: “إذا قمت بالتصوير فسأحاسبك هنا داخل البيت، الجيش والمخابرات يقفان خلفي”.

ولأن مرار يربي الأغنام، فقد نزل بقطيعه إلى يانون الجنوبية المصنفة “ب” أي تتبع شؤونها المدنية للسلطة الفلسطينية، ظنا منه أنها أبعد عن الخطر، لكنهم لم يتركوه هناك أيضا، يقول: “صار الجيش يأتي كل يوم، والمستوطنون”.

وانتهى به الأمر إلى بيع جزء من أغنامه ونقلها إلى بلدة عقربا المجاورة، حيث يستأجر الآن “بركسا” (منشأة من الصفيح) بـ1700 شيكل شهريا (نحو 586 دولارا) ليؤوي ما تبقى منها، تاركا منزله الذي يملكه وأرضه للمستوطنين.

يانون وتقسيمات أوسلو
يانون -بحسب رئيس مجلس بلدي عقربا غالب ميادمة- ليست مكانا عابرا في خريطة الضفة الغربية. هي تجمع زراعي قديم، عرفه الحكم العثماني فأقام فيه حامية عسكرية، وفيه مسجد تشهد فسيفساؤه على عمق تاريخي يتجاوز عمر الاحتلال نفسه.

وأراضيها التابعة لبلدة عقربا -يضيف ميادمة- يعود جزء منها لعائلات نابلسية كآل الآغا وآل حموضة، وفي جزء آخر لعائلة بشناق التي هجرت أصلا من البوسنة والهرسك وحلت بها زمن الخلافة العثمانية.

وتنقسم يانون إلى قسمين: شمالي مصنف “ج” (تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة أمنيا وإداريا وفق اتفاق أوسلو)، وجنوبي مصنف “ب” (إدارة مدنية فلسطينية وسيطرة أمنية إسرائيلية). الشمالي هو الذي أفرغ بالكامل قبل أشهر، وقطعت عنه الكهرباء، ووضعت على مدخله البوابة الحديدية، فيما تتقدم المضايقات الآن نحو الجنوبي حيث يصمد ما تبقى من المواطنين.

ويوضح ميادمةفي تصريحات صحفية أن مستوطنة “إيتمار” التي وصفها بـ”العنصرية” والجاثمة على أراضي القرية والقرى المجاورة، بدأت منذ سنوات تحيط القسم الشمالي بسلسلة من البؤر الاستيطانية “كإحاطة السوار بالمعصم”، وأن ما يجري ليس عشوائيا بل “دراسة منهجية للمضايقة”، تبدأ بمنع الرعي وقطع الكهرباء، ولا تنتهي عند السيطرة على منبع المياه في “رأس النبع”، وتهجير السكان.

وأعفت البلدية -وفق ميادمة- سكان القرية من فواتير الكهرباء والمياه، وأوصلت إليهم الطرق والمدرسة، لكنها أمام السلاح المنظم تقف عاجزة: “لا نملك جهازا عسكريا يتصدى لذلك، المساعدات توفر مقومات الحياة من طعام وشراب، لكن الأمن لا يأتي عبر المساعدات العينية”.

احتلال وطرد واستيطان
ما يجري في يانون لا يمكن قراءته بمعزل عن تحول أعمق في الخطاب الإسرائيلي السائد، يقول الباحث في الشأن الإسرائيلي عزام أبو العدس في تصريحات صحفية. فالصهيونية الدينية -وفق توصيفه- ترفع اليوم شعارا ثلاثيا بات مركزيا في الخطابين الإعلامي والعسكري الإسرائيليين: “كيبوش، غيروش، هيتشهفوت”؛ أي “احتلال، ثم طرد، ثم استيطان”. وخلاصة هذا الشعار، كما يلخصها أبو العدس: “صفر عرب من البحر إلى النهر”.

ويرى أن لغة المستوطن في فيديو يانون -حين تحدث عن “هروب” السكان- ليست عفوية بل هي امتداد مدروس لـ”لغة الغنيمة”؛ إذ “انتقل الخطاب الصهيوني من مسألة السيطرة على الأرض إلى الاستيلاء على المباني والممتلكات”.

ويستشهد بآلاف الشهادات الموثقة لعمليات سرقة نفذها مستوطنون على الحواجز وفي البيوت، مضيفا أن “بعض المستوطنين أصبحوا أثرياء بالمعنى الحرفي نتيجة استيلائهم على الممتلكات الفلسطينية، وليس فقط الأرض”.

ويذهب أبو العدس إلى أن ما تشهده الضفة اليوم يمثل “تطورا في مسألة نزع إنسانية الإنسان الفلسطيني، واعتباره صفرا من الحقوق”. فالمستوطن لا يكتفي بنزع الأرض، بل يصادر الذاكرة المعلقة على جدران البيت، والأثاث الذي ترك على عجل، وحتى الأغنام والمعدات الزراعية.

نكبة الأمس واليوم.. الهدف واحد
وعند سؤاله عن المقارنة مع رواية النكبة عام 1948، يلفت أبو العدس إلى فارق نوعي بين الأمس واليوم؛ فاليسار الإسرائيلي الذي أقام دولة إسرائيل “حاول تغليف النكبة برواية تقول إن العرب قد غادروا، وإنها قصة صمود بطولية لليهود، وأنه لم تحدث هناك مجازر”. أما اليمين الإسرائيلي الحاكم اليوم، فهو أكثر “وقاحة ووضوحا”: “نحن قادمون لاحتلال أرضكم، وطردكم، والاستيطان مكانكم”.

ولذلك -بحسب الباحث- تتعمد منصات إسرائيلية ومستوطنون توثيق القرى الفارغة ونشر صورها بعد إفراغها، لأن الرسالة المرادة ثلاثية الأبعاد: “رسالة للعرب بأننا قادمون لتهجيركم، وصورة انتصار تبث، وحالة يراد تعميمها” حتى تتحول إلى “أمر واقع ومسألة يومية”.

مرار، الذي لم يقرأ في الخطاب الصهيوني، يقول الكلام نفسه بمفرداته الخاصة: “هذه نكبة بالفعل، بل إنها نكبة ثانية أكبر من الأولى بالنسبة لي، كيف يخرج الإنسان من بيته مرغما، ثم يتجول مستوطن بين البيوت الفارغة؟ أليست هذه نكبة؟” يضيف متسائلا بقهر.

وتشكل يانون مثالا مكثفا على معركة موازية تخوضها الرواية الفلسطينية اليوم؛ ليس فقط لأن سكانها سلبوا أرضهم، بل لأنهم ينتزعون من الكلمات قبل أن ينتزعوا من البيوت. فـ”التهجير القسري” يعاد تقديمه بوصفه “خروجا طوعيا”، و”المهجر” يصبح “هاربا”، و”المستوطن” يتحول إلى “مشترٍ”، فيما تغلف الجريمة باعتبارها “فرصة تاريخية”.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى