الأغوار الشمالية تستغيث: إرهاب المستوطنين يطارد الفلسطينيين بين العطش والجوع والتهجير

تُرك الفلسطينيون في التجمّعات السكانية في منطقة الأغوار الشمالية يواجهون إرهاب المستوطنين وحدهم، بحيث ينهش المستوطنون بلحمهم وعرضهم، بالمعنى الحرفي. اعتداءات إرهابية يومية تحرمهم حتى من مياه الشرب، أبسط الاحتياجات في المناطق المقفرة، ولا يسلم منها مسن ولا طفل ولا امرأة، فالجميع مباحون. الليل موحش في العراء، تزيد قسوته هجمات المستوطنين تحت جنحه، فلا يعرف الناس طعم النوم، وإن كانت مشاهد النهار قاسية أيضًا.
الطريق إلى تجمّعي الفارسية عين غزال، والحديدية، مزروعة بأعلام إسرائيل، حال من لا حق له ويريد فرض واقع بالقوة، بتعزيز إقامة بؤر استيطانية، وبدعم كامل من حكومة وجيش الاحتلال، ما حوّل حياة أصحاب الأرض إلى جحيم، وظلم في أحلك صوره وتجلياته. أمّا الحكايات في منطقة الأغوار الشمالية شمال شرق الضفة الغربية فمبكية وموجعة والخوف يستوطن المكان، مغروس في كل ذرة تراب، وفي كل بيت هو عبارة عن خيمة بدائية، فيها المطبخ وغرفة النوم والجلوس في مكان واحد، لا تقي من الحر أو البرد ولا حتى الزواحف، وبالتأكيد ليس من وحوش الغزاة.
في مارس/ آذار الماضي فقط وقعت في منطقة الأغوار الشمالية واحدة من أصعب الهجمات الإرهابية وأوسعها، تحديدًا في تجمع خربة حمصة، تخللها عنف منظم واعتداءات جنسية وتهديدات بالقتل. أحداث عالقة في ذاكرة جميع التجمّعات السكانية في المنطقة، تلاحق السكان مثل كابوس يجعل النوم صعبًا.
وبحسب المعلومات، فإن جزءًا من المستوطنين في مستوطنات قائمة من قبل، يساندون الإرهابيين العاملين على إقامة بؤر استيطانية جديدة، وأن هؤلاء أصبحوا أكثر وحشية منذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
في تجمّع الفارسية عين الغزال، يتنقّل السبعيني حسين زهدي بصعوبة متكئًا على عصاه، مهمهمًا بقلق كبير على مواشٍ لا تجد علفًا. كما يشير في تصريحات صحفية، إلى مواضع في جسمه تؤلمه بسبب اعتداء المستوطنين عليه. “لا يوجد علف ولا طعام للأغنام”، يقول حسين زهدي متحدثًا عن المستوطنين، ومستدركًا: “يعتدون علينا ليل نهار ويلحقون الأغنام، وقتلوا لي ثماني نعجات في الفترة الأخيرة. ضربوني على ركبتي وعلى يديّ وآذوني دون اكتراث لسنّي. واستولوا على أراضينا بمحاصيلها. أنا هنا منذ أكثر من 70 عامًا، وجدي كان قبلي هنا والأرض ملكنا. نحن هنا منذ زمن طويل، قبل احتلال إسرائيل البلاد”.
كثيرون رحلوا عن الأغوار الشمالية
بدوره يصف أحمد زهدي الوضع في منطقة الأغوار الشمالية قائلًا “حياتنا عذاب. هنا يوجد مستوطنات، منها روتم وسلعيت. ولكن منذ البدء بإقامة بؤر استيطانية جديدة ووصول المستوطنين ديدي وحجاي، أصبح الحال أسوأ. وضعا سياجات لتحديد حركتنا وحتى حركة أطفالنا الذين يجدون صعوبة في الوصول إلى مدارسهم في عين البيضا. هم رهينة لحال الحاجز، مغلق أو مفتوح. المستوطنات والبؤر الاستيطانية تحاصرنا. قيّدوا حتى حركة مواشينا فلا نستطيع الوصول إلى المراعي. هذا عدا عن الاعتقالات والاعتداءات”. ويضيف: “تخيّلوا أن مستوطنًا وصل إلى هنا مع ثماني نعجات استولى على كل الجبال من حولنا، بينما حُرمنا نحن من أراضينا ومحاصيلنا. بل ويستخدمون الخيل والمركبات والكلاب لترويع أغنامنا والهجوم عليها. فوق هذا، حرمنا من الوصول إلى نبع الماء الذي يشكل شريان حياتنا، ونشتري اليوم الماء من مناطق بعيدة”.
ويتابع أحمد زهدي: “كل ما نريده هو أن نعيش، أن نأكل ونشرب مع حيواناتنا، ولكن حتى هذا غير متاح. كان في هذه المنطقة نحو 15 عائلة لم يبق منها إلا عائلتان. رحلوا الى طوباس والخليل ومناطق أخرى، ولكن حتى بعد هذا لم يسلموا، إذ يلاحقهم المستوطنون هناك أيضًا. نحن نحتاج الى مساعدة عاجلة لنستطيع الصمود. حالنا لا يرضى به أحد. والحياة باتت مكلفة. بتنا نبيع مواشي لنتمكن من شراء شعير وعلف لإطعام الأغنام الأخرى. لكن حتى نقل الحشائش والأعلاف والماء ليس سهلًا”.
وتصف إحدى النساء في الفارسية عين الغزال، فضّلت عدم ذكر اسمها، جانبًا آخر بالقول: “نعيش بقلق وخوف كبير على أولادنا. ينامون مذعورين ويصحون خائفين. أمّا خصوصيتنا فمفقودة وتُنتهك، كما يفتّشون هواتفنا. وفي الحاجز يجبرون رجالنا على خلع ملابسهم بالكامل وترديد عبارات مسيئة بحق أنفسهم. حالة إذلال”.
أرجوحة استيطانية
في مكان ما داخل تجمّع الحديدية في الأغوار الشمالية وعلى أراضي السكان، وُضعت أرجوحة. ليست للعب الأطفال، بل لحرمان السكان من الاقتراب من المنطقة. حولها غُرزت عدة أعلام إسرائيلية، وبمعنى آخر هي بؤرة استيطانية على شكل أرجوحة، قرب حوض علف ما عاد بإمكان الأهالي الوصول إليه. أما بالات القش في المكان فأُحرقت. مقابل الأرجوحة، على الجهة الأخرى، أقام مستوطن يُدعى أرئيل كوبي بؤرته قبل نحو خمسة أشهر، ووضع بعض المباني. بينه وبين الأرجوحة سكان المكان، الذين قرر وضع بوابة تغلق عليهم الطريق، ومنها يُمنع الاقتراب.
“الكثير من الناس تعبوا من ظروف الحياة القاسية وبحثوا عن مكان آخر”، يقول عارف بشارات. ويضيف: “الجيش هدم لنا 12 بيتًا، وبعد قدوم المستوطن كوبي، المدعوم من الحكومة والجيش ازداد الوضع تعقيدًا. يمتلك 12 بقرة، ولديه ألواح طاقة شمسية أكثر من كل المنطقة هنا، وجرار ودراجات جبلية وكل شيء متوفّر له. ويأتي إليه مستوطنون آخرون. سرق أراضينا التي كنا نزرعها، والآن لا يستطيع أصحابها الوصول إليها. واستولى على مساحات شاسعة في المنطقة. لدى سكان التجمّع مجتمعين مئات رؤوس الماشية، وبات صعبًا علينا إطعامها في الجبال والمناطق من حولنا وحتى أراضينا الخاصة التي لا نستطيع الوصول إلى جزء منها. أكثر من هذا، يترك المستوطنون كل المساحات التي سيطروا عليها، ويطعمون أبقارهم من أراضينا. دمروا محاصيلنا، القمح والشعير. وإذا حاولنا منع ذلك يقوم الجيش باعتقالنا. أنا اعتقلت أربع مرات”.
علي والأربعين حراميًا
قبل نحو شهرين في رمضان، هجم نحو 40 مستوطنًا على الأهالي في الأغوار الشمالية وقاموا بضربهم وحطّموا الممتلكات، وألواح الطاقة الشمسية وتنكات (صهاريج) المياه، أو أفرغوا محتواها من الماء. حدث ذلك قبل الفطور بربع ساعة. ألقوا الطعام وسكبوه في كل مكان، فيما كان الأطفال ينتظرون الإفطار. ويقول محمد بني عودة، إن المستوطنين “يستغلون وجود الجيش لاقتحام المنازل وتحطيمها، وفي رمضان شعروا بحرية أكبر في العبث والتحطيم. واعتقلوا جميع الرجال. كان الأطفال يبكون والنساء يصرخن وكل هذا لم يغير شيئًا. الجيش يؤازرهم. فوق هذا هم من يستدعون الجيش في بعض الحالات، والجنود لا يكلّفون أنفسهم عناء السؤال عمّا حدث ومن المعتدي، ويقومون باعتقالنا نحن. باتوا أداة بيد المستوطنين وينفذون أوامرهم”.
أما علي بني عودة فيقول إنه اعتُقل نحو سبع مرات لم يكن فيها هو المذنب. ويوضح، أن المستوطنين لا يكتفون بسرقة الأرض، ولكن يحاولون سرقة المواشي أيضًا ومنع اقتراب الأهالي من بعض المناطق، حتى لو كانت أراضيهم الخاصة. ويقول: “يوجد أماكن حولنا حين نقترب منها قليلًا نتعرض للاعتقال. باتوا يعتقلوننا حتى على كلمة نرد فيها إساءة عن أنفسنا. لا يريدوننا حتى أن نقول للمستوطن اصمُت”.
الطريق إلى المدرسة
كبالغ ملم بمختلف التفاصيل، يتحدّث الطفل أمير بني عودة (12 عامًا) بطلاقة عن ظروف الحياة القاسية وكل ما هو حاصل في المنطقة، كأن الأطفال هنا يكبرون قبل الأوان. أما عن أبناء جيله والطريق إلى المدرسة الواقعة بعيدًا عن التجمّع السكاني فيقول: “في الطريق إلى المدرسة، نتعرض لاعتداءات. أحيانًا يحاول المستوطنون بواسطة مركبات دفع رباعي التضييق على السيارات التي تقلنا. وأحيانًا في الشتاء المركبات تعلق في الوحل، ولا تستطيع التنقل، ونضطر للمشي وصولًا إلى المدرسة على بعد نحو 12 كيلومترًا في عين البيضا، بحيث ما إن نصل الصف حتى يكون الوحل قد غطى ملابسنا وأحذيتنا. هنا في الحديدية في الأغوار الشمالية يوجد نحو 30 طالبًا. نحن نداوم ثلاثة أيام في المدرسة وباقي الأيام نبقى هنا، وفي الليل لا ننام خوفًا من هجمات المستوطنين. يفعلون أمورًا لا توصف. ولا يسلم أحد منهم. إنهم بلا رحمة بتاتًا، ويضايقون حتى الأطفال حين يتجولون في المنطقة وكثيرًا ما يتسببون ببكائهم”.
كدت أُقتل على يد المستوطنين
أما رشا، والدة أمير، التي سبق أن اعتُقلت، فتؤكد حجم الصعوبات منذ وصول أرئيل كوبي على وجه الخصوص، وإقامة بؤرته الاستيطانية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025. وتقول: “في أحد الأيام كان هناك اجتماع للرجال وأنا توجّهت لإعادة الأغنام من موقع تناولها الشعير. وصل مستوطنون على متن مركبات رباعية، يحملون العصي لاعتراض طريقي. تلفظوا بألفاظ سيئة بحقي بصفتي امرأة عندما طلبت منهم الابتعاد. حاول أحدهم دهسي وضربي. عندها رفعت حجرًا دفاعًا عن نفسي دون أن أرميه، ولولا وصول بعض الأهالي لمتّ بين أيدي المستوطنين. اتصل المستوطن بالشرطة والجيش، وصدّقوا روايته واعتقلوني لساعات في منطقة بيسان، ثم أطلقوا سراحي مع آخرين من سكان التجمّع في منطقة مقطوعة”.
ترحيل تلو ترحيل
المسنة خديجة خضر، تحدّثت عن تهجيرها من مكان لآخر، فيما تأبى الرحيل مجددًا. وتوضح: “أنا موجودة في هذه المنطقة منذ 30 عامًا، وقبل ذلك كنا في المنطقة الشرقية أيضًا لنحو 30 سنة. أمي ولدتني في المنطقة. نتعرض للتضييق دائمًا ورحّلونا من منطقة لأخرى وهدموا بيوتنا عدة مرات. والآن يحاولون ترحيلنا مجددًا، ولكن لن نتزحزح من هذا المكان. الأرض أرضنا والبلاد بلادنا وسنبقى هنا على أرضنا مهما فعلوا. قبل فترة رش مستوطنون غاز الفلفل على ابني وحفيدي وهو طفل، وهما يرعيان الأغنام. هذا المستوطن الجديد يستدعي مستوطنين آخرين للمشاركة في تعذيب الناس. أنا لا أنام إلا وجه الفجر. أتفقد محيط البيت والمواشي خشية سرقتها والاعتداء عليها أو علينا”.
ممتطيًا حماره، اقترب السبعيني عمر بشارات من البيوت. جولته لم تكن بعيدة بسبب القيود. يلخص الأوضاع كما يراها بالقول إن “الحياة هنا يرثى لها. حتى عندما نرعى أغنامنا داخل أراضينا، يزعم المستوطنون أنها أراضي إسرائيل ويطردوننا منها. يتصلون بالشرطة التي تأتي وتعتقلنا. منذ فترة قصيرة احتجزوني لساعات طويلة، وأنا مكتّف اليدين ومعصوب العينين. لا أمان في النهار ولا في الليل. أقوم بزراعة أرضي وأراضي أقاربي، والتي تصل مجتمعة إلى نحو 700 دونم، وهم يأتون بأبقارهم لتلتهم محاصيلنا. ورغم كل الظروف نحن صامدون هنا، والقضية بالنسبة لنا حياة أو موت ولن نرحل مهما فعلوا”.
نداء دعم وصمود
يحتاج سكان التجمّعات الفلسطينية في الأغوار الشمالية إلى دعم كبير ومتواصل. شددوا على هذه الرسالة، خلال زيارة مجموعة من فلسطينيي الـ 48 أخيرًا لتجمعَي الحديدية، والفارسية عين الغزال، بمبادرة من مركز “حرية”. وفي الوقت ذاته، وجهوا عتبًا للفلسطينيين عامة وللمسؤولين الفلسطينيين، في وقت أكثر من يصل لمساندتهم، حتى لو كان الدعم محدودًا، هم بعض اليهود والأجانب المناوئين للاحتلال. يجدون في ذلك أيضًا بعض الدعم المادي بشراء بعض الداعمين الأجبان التي يصنعونها. أما الأطفال فكانت زيارة المجموعة من عرب الـ48 أشبه بيوم عيد لهم، حيث نُظمت فعاليات رسمت البسمة على وجوههم البريئة التي لا تعرف سوى الخوف، وتشبثوا بالمجموعة حتى تلقّوا وعدًا بزيارات أخرى.
المصدر: العربي الجديد
