همسات قلم

ليلى غليون
عندما يصبح المظهر لغة العصر
لقد أصبح الإنسان يُعرف ويقاس غالبًا بما يبدو عليه لا بما هو عليه، وبما يقال عنه لا بما يقال منه، وأصبح الظاهر أكثر حضورًا من الجوهر، حيث بات الإنسان يُختصر أحيانًا في صورته أوفي شكله، أو يُحكم عليه من انطباع عابر، ولكن رغم هذا الزخم من المظاهر والانطباعات المزيفة، يظل للجوهر مكانه العميق الذي لا يراه إلا من أمعن النظر في الانسان بعمق ليراه كما هو لا كما يبدو، لأن قيمته الحقيقية لا تختصر بصورته ولا بمظهره، بل تبنى في داخله.
ركب عمر بن العاص بغلة مسنة واجتاز بها منازل كبار الصحابة والقواد في الفسطاط، فقال له أحدهم: أتركب هذه البغلة أيها الأمير وأنت من أقدر الناس على امتطاء أكرم ناقة في مصر؟ فقال: لا ملل عندي لدابتي ما حملت رحلي، ولا لامرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديق ما حفظ سري، فإن الملل من كواذب الأخلاق.
هذه القصة قفزت إلى ذهني وأنا استمع الى حوار دار بين اثنين يحاول أحدهما اقناع الآخر بتبديل سيارته إلى سيارة آخر موديل، لا لأن سيارته لم تعد صالحة أو أنها من الطراز القديم، بل لأنه ترقى في المجتمع وأصبحت له مكانة مرموقة، وسيارته القديمة لا تليق بهذه المكانة، لذا يجب أن يقتني سيارة تليق به وبمركزه العالي الجديد.
إن المظاهر والشكليات أصبحت من المركبات الأساسية في حياة الكثير منا، بل وفي بعض الأحيان يغض الطرف عن الجوهر ليوضع في خانة الإهمال، وهذه الصورة تتضح جليًا عندما يقدم أحد الشباب لخطبة فتاة، ليتم الاختيار في كثير من الأحيان بناء على المواصفات الخارجية، (جمال، مال، بيت فاره)، كذلك فإن قبول هذا الشاب يتم حسب الطريقة ذاتها، فهذا عمر بن العاص وهو أمير الجماعة، لا يرى غضاضة ولا هو تقليل من المكانة أن يركب بغلة مسنة ضعيفة لأنه على يقين من أن الإنسان لا يستمد شخصيته من خارج ذاته، وإنما من ثقته بربه أولًا، ثم من ثقته بنفسه بعدها، وإذا كانت النفس مدعومة بهذا الرصيد القوي، فأي إضافة ستضيفها المظاهر والشكليات على هذا الرصيد؟ وأما الفارغ المفلس الذي يحرص على البريق والصخب، فانه يتسول ويستجدي مظاهر التعاظم الكاذب من خارج نفسه حتى يملأ ذاك الفراغ المنتشر في ذاته وهو لا يدري أنه يزيدها فراغًا على فراغ ووهمًا على وهم حتى لو أوتي الدنيا وما فيها.
علمتهم العلم ولم أعلمهم الاخلاق
بعد أن دمرت القنبلة الذرية هيروشيما وناكازاكي، إبان الحرب العالمية الثانية، قال الناس للعالم (أوتوهان): إن تلاميذك قد استغلوا معرفتهم بالفيزياء والطاقة في صنع القنبلة التي خربت العالم، فقال: (هذه غلطتي، لقد علمتهم العلم ولم أعلمهم الأخلاق).
إن الأعمال الكبيرة والتي عظمتها تناطح الجبال، فإنها لا تغدو عن كونها هباء إذا افتقدت العنصر الأخلاقي، فليس أجمل ولا أروع من أن يتسلح جميع أفراد المجتمع بسلاح العلم، وأن يتبوأوا المكانة السامية والدرجات العلا في شتى أبواب المعرفة، وهذا واجبنا أن نسابق الريح ونكون الفرسان في ميادين العلوم المختلفة لنعود كما كنا أساتذة الدنيا وسادتها بإسلامنا وعلمنا وأخلاقنا التي فتحنا بها قلوب الناس قبل أن نفتح البلاد والأمصار، ولا أبالغ لو قلت، إننا نحرص أشد الحرص على تعليم أولادنا وندفع من عرقنا وأعصابنا وأموالنا الشيء الكثير في سبيل تحصيلهم وتفوقهم لينالوا الشهادات العالية والمناصب الراقية ويحققوا لنا الآمال والأمنيات التي عقدناها عليهم -وهذا بالتأكيد من لب واجباتنا نحوهم ولا ضير ولا غضاضة في ذلك- ولكن هل حرصنا قبل هذا أن نزرع العنصر الأخلاقي فيهم ونغذيه وننميه ليصبح تركيبة أساسية من مكونات شخصياتهم ونفسياتهم؟
هل علمناهم قبل هذا كيفية احترام الصغير للكبير وكيفية المحافظة على حقوق الغير والإحسان للجار ومساعدة المحتاج وإغاثة الملهوف وصلة الرحم وبر الوالدين؟ هل علمناهم كيف يحفظون حدود الله، كيف يحفظون السر وكيف يحفظون الألسن من الغيبة والأعين من النظر الى الحرام والجوارح من الزلل؟ هل علمناهم حب الإسلام وحب رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وحب الأوطان وحب إخوانهم في شتى بقاع الدنيا؟ هل أثرنا مشاعرهم لما يجري للمسلمين من ويلات ونكبات وسفك دماء ليشعروا بالانتماء نحوهم ويحملوا بعضًا من همومهم وآلامهم؟
إن نظرة إلى واقعنا العصيب وما يفرزه من معطيات سلبية سواء من انحرافات سلوكية أو عقوق الوالدين أو أعمال عنف بأشكاله المختلفة وغيرها، لتدل على مدى تقصيرنا في إمداد أبنائنا بالتغذية الأخلاقية وعدم إعطـــــاء هذا الجانب العناية المطلوبة الكافية.
معركة في الظلام
ذهب الصوفي سهل بن عبد الله لزيارة أبي داوود الفقيه، فقال له سهل: لي حاجة إليك، قال: وما هي؟ قال سهل: لا أذكرها حتى تعد بأن تقضيها إذا أمكنك الله تعالى، قال أبو داوود: إن شاء الله تعالى، فقال سهل: إني أرى أن أطهر لسان هو الذي حجبه صاحبه عن اللغو وشغله بكتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا اللسان هو لسانك، وحاجتي هي، أن تسمح لي بتقبيل هذا اللسان الذي أكرمه الله وهداه إلى حفظ السنة المطهرة بالرواية الصادقة، فوافق أبو داوود ومكن صاحبه الصالح من ذلك.
نعم إنه اللسان، ذاك السلاح البتار الذي عادة ما نشهره في معظم مجالسنا وسهراتنا ولقاءاتنا لنطعن به غيرنا من الخلف ونحسبها بطولة، ولا ندري أننا نخوض لوحدنا معركة في الظلام نحن فيها الأضعف والأخسر، وكيف لا نكون الأضعف وقد عجزنا عن المواجهة واختبأنا وراء الستار وأخذنا نطلق قذائفنا وصواريخنا الكلامية نطعن فيها غيرنا، كيف لا نكون الأخسر وقد قدمنا حسناتنا هدية لمن طعنّاه في ظهره لنزيد من رصيد حسناته لا بل وأضفنا إلى سجل سيئاتنا من سيئاته؟! ومن هنا كان من أخلاق العابدين: “لو كنت مغتابًا أحدًا لاغتبت والديّ لأنهما أحق الناس بحسناتي”.
فلنحفظ ألسنتنا من اللغو وفحش الكلام ولننشغل بعيوب ذواتنا فما أكثرها، فهي أولى وأحق من الانشغال بعيوب الآخرين.
وفي نهاية هذه الهمسات ندرك أن قيمة الانسان لا تقاس بما يملكه من مظهر، بل بما يحمله من خلق، وما يصدر عنه من قول، فالمظهر قد يخدع والكلمة قد تجرح، لكن الأخلاق وحدها تبقى حين تزول الأقنعة.
لذا فجمال الإنسان الحقيقي يكمن في اتساق ظاهره مع باطنه، وفي وعيه بما يقول وكيف يقول، وفي قدرته أن يظل نسخة عن نفسه لا نسخة مما يعجب الآخرين. وتبقى هذه الهمسات قلم تذكير بأن البساطة في المظاهر والسمو في الأخلاق والحكمة في الكلام هي ما يصنع انسانًا يستحق أن يُذكر ويقال عنه إنسانًا.
