هندسة الوعي وسياسة الملاحقة: الفلسطينيون في الداخل وصراع البقاء

المحامي خالد زبارقة
ما هي هندسة الوعي؟
هندسة الوعي هي مصطلح يشير إلى مجموعة من العمليات المنظمة (نفسية، تربوية، وإعلامية) التي تهدف إلى توجيه أفكار وتصورات مجموعة بشرية معينة، بحيث تتبنى قناعات تخدم القوة المسيطرة، أو على الأقل تتوقف عن مقاومتها. بالنسبة للفلسطينيين في الداخل (عرب 48)، لم تكن “هندسة الوعي” مجرد ترف فكري، بل هي أداة استعمارية بنيوية تسعى لتجريدهم من انتمائهم الوطني، وتحويلهم إلى “رعايا” بلا هوية سياسية واضحة، يعيشون في حالة من الاغتراب بين واقعهم الديني والقومي/الوطني، والمواطنة المفروضة عليهم.
“الأسرلة” مقابل الهوية الوطنية
منذ عام 1948، حاولت المؤسسة الإسرائيلية خلق “العربي الإسرائيلي” الجديد؛ وهو كائن مشوّه الهوية، يقرأ تاريخًا لا يشبهه، ويُطالب بالولاء للدولة التي قامت على أنقاض شعبه، والتي تفرض عليه سياسات قمعية تتجاهل، عن سبق إصرار، خصوصيته الدينية والوطنية، وأحيانًا تنتهكها.
- التعليم كأداة للهندسة: يتم التحكم بشكل صارم في المناهج التعليمية في المدارس العربية، حيث يُحظر ذكر “النكبة”، ويُغيّب التاريخ الفلسطيني، مقابل التركيز على رواية الحركة الصهيونية. الهدف هو خلق فجوة معرفية بين الأجيال الشابة وتاريخها الأصيل.
- التجزئة الطائفية والمحلية: لطالما سعت السياسة الإسرائيلية إلى تفتيت المجتمع الفلسطيني إلى كتل طائفية (دروز، مسيحيون، مسلمون، بدو)، لضرب الوحدة الوطنية، وإشغال الناس بصراعات داخلية أو هويات فرعية ضيقة تمنع تشكّل وعي جمعي موحّد.
من الحكم العسكري إلى “قانون القومية”
لم تكن الملاحقة يومًا وليدة الصدفة، بل هي نهج بنيوي مرّ بمراحل عدة:
- المرحلة الأولى (1948-1966): الحكم العسكري الذي فرض قيودًا مشددة على التنقل والعمل، وهدف إلى كسر الروح المعنوية وتدجين المجتمع.
- المرحلة الحالية: الملاحقة القانونية والسياسية: تشهد السنوات الأخيرة تصعيدًا عبر سنّ قوانين عنصرية، أبرزها “قانون القومية” (2018)، الذي جعل “حق تقرير المصير” حصرًا لليهود، محوّلًا الفلسطينيين رسميًا إلى مواطنين من الدرجة الثانية، ومؤسسًا لمرحلة جديدة من الملاحقة الممنهجة.
الأداة الناعمة للتفكيك
لا يمكن فهم تفشي الجريمة والعنف في المجتمع العربي في الداخل بمعزل عن “هندسة الوعي”. يتهم القادة الفلسطينيون في الداخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بالتواطؤ المتعمد مع عصابات الإجرام، عبر غضّ الطرف عن السلاح غير المرخص.
- الهدف: تحويل المجتمع من مجتمع مُسيّس يهتم بحقوقه الوطنية والمدنية، إلى مجتمع غارق في الرعب اليومي، يبحث فقط عن “الأمن الشخصي”. عندما يصبح همّ المواطن الوحيد هو النجاة من رصاصة طائشة، يتراجع اهتمامه بالقضايا الكبرى. هذه هي قمة هندسة الوعي عبر “الفوضى الممنهجة”.
“القانون في خدمة الردع”
انتقلت الملاحقة بعد أكتوبر 2023 من “الإدارة البيروقراطية” إلى “حالة الطوارئ القصوى”. لم تعد الملاحقة تقتصر على النشطاء، بل امتدت لتطال الفرد العادي في أضيق دوائره الخاصة:
- الاعتقالات التعبيرية: شنّت الأجهزة الأمنية حملة اعتقالات واسعة استندت إلى منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تم اعتقال أشخاص بسبب “إعجاب” (Like) أو مشاركة صورة تعبّر عن حزن إنساني، ووُجهت لهم تهم “التماثل مع الإرهاب”.
- التعديلات القانونية التعسفية: مثل قانون “استهلاك المواد الإرهابية”، وهو تعديل يحاكم الفرد على ما يقرأ أو يشاهد، مما يمثل سابقة قانونية تهدف للتحكم في المعرفة الفردية.
- قمع الاحتجاج والملاحقة المؤسساتية: تم منع التظاهر كليًا في البلدات العربية، وتزامن ذلك مع ملاحقة أكاديمية ووظيفية أدت إلى فصل مئات الطلاب والموظفين بسبب آرائهم، مما حوّل القانون إلى وسيلة لضرب الأمان الاقتصادي والاجتماعي للفلسطيني.
هبة الكرامة: انكسار الهندسة
رغم عقود من العمل على “أسرلة” الوعي، جاءت “هبة الكرامة” في مايو 2021 لتثبت فشل هذه المشاريع. فقد خرج الشباب الذين لم يعايشوا الحكم العسكري ليعلنوا التحامهم مع قضيتهم الأم. هذا الانكسار هو ما دفع السلطات إلى تبنّي سياسات أكثر عدوانية بعد أكتوبر 2023 لترميم “الردع” المنهار.
هل تنجح الهندسة؟
إن ما تشهده الساحة الفلسطينية في الداخل اليوم هو ذروة مشروع استعماري يسعى لـ”كيّ الوعي” وإعادة تعريف الهوية الفلسطينية تحت وطأة الترهيب. إن سياسة الملاحقة تكشف عن “عقدة خوف” لدى المؤسسة الإسرائيلية؛ خوفٌ من أن عقود الأسرلة وسياسات التفتيت لم تنجح في انتزاع الفلسطيني من جذوره، بل زادته تمسكًا بروايته التاريخية.
لقد تحوّل “القانون” من أداة لتنظيم الحياة إلى سيف مسلط يطارد الفكرة قبل الكلمة، ويهندس الصمت ليكون اللغة الوحيدة المسموح بها. ومع ذلك، فإن التاريخ يثبت أن الوعي لا يُهندس بالمساطر الأمنية، وأن الهوية الجماعية الممتدة عبر الأجيال أقوى من سياسات الترهيب الرقمي.
إن الرهان الحقيقي اليوم يقع على عاتق المجتمع الفلسطيني في الداخل؛ في قدرته على تحويل هذه الملاحقة إلى وقود للصمود. في نهاية المطاف، سيبقى الفلسطيني في الداخل هو “صاحب المكان”، وستظل محاولات هندسة وعيه مجرد فصول في رواية صراع طويلة، تحسمها دائمًا حقيقة واحدة: أن الذاكرة الحية لا يمكن إخضاعها، وأن الحق في الانتماء لا يحتاج إلى تصريح من قانون أو مباركة من شرطي.