صنّارة “إسقاط نتنياهو” تصطاد العرب.. بين معسكري “فقط بيبي” و”أيّ أحد إلا بيبي”

علي أحمد حمّاد
لم تعد السياسة في إسرائيل صراعًا بين مشاريع متنافسة، بل انقسامًا بين معسكر يريد نتنياهو مهما فعل، وآخر يريد أي بديل له؛ حتى وجد بعض عرب الداخل أنفسهم منجذبين إلى فخ “إسقاطه” بوصفه هدفًا بحد ذاته، لا جزءًا من قراءة وطنية واعية للمشهد.
لم تعد الأزمة السياسية في إسرائيل، كما كانت في عقود سابقة، أزمة خلافات جوهرية بين مشاريع متنافسة على شكل الدولة واتجاهها. فقد كان بالإمكان الحديث، في مراحل سابقة، عن نقاشات ذات مضمون سياسي وأيديولوجي: يمين ويسار، دولة يهودية أم ديمقراطية، اقتصاد رأسمالي أم أكثر اجتماعية، مكانة القضاء، حقوق العمال، وحدود الأمن. أما اليوم، فقد هبطت المنظومة السياسية الإسرائيلية إلى مستوى آخر تمامًا: لم يعد السؤال الأساسي ما هو المشروع السياسي المطروح، بل من هو الشخص الذي سيجلس في مكتب رئيس الحكومة. باختصار، تحوّل الحقل السياسي من صراع بين أفكار واتجاهات إلى صراع حول بنيامين نتنياهو: معه أو ضده.
فالمعسكر الذي يُعرَف عمليًا باسم “רק ביבי” (فقط بيبي) لا يجمعه برنامج سياسي متماسك بقدر ما تجمعه حالة ولاء شخصي للرجل. داخله تجد المتدين والمستوطن والغني والفقير واليميني العقائدي، وحتى قلّة العرب ممن انجذبوا إلى صورة “أبو يائير” أكثر من انجذابهم إلى مشروع سياسي واضح. إنه ليس معسكرًا تحكمه بوصلة فكرية واحدة، بل ائتلاف واسع من الولاءات والانفعالات، قاعدته الأساسية: نريد نتنياهو، أيًا كان الثمن.
لكن الأزمة لا تقف عند هذا المعسكر. فالمعسكر المقابل، أي “רק לא ביבי” (أيّ أحد إلا بيبي)، ليس في جوهره أكثر نضجًا من خصمه. صحيح أنه يرفع شعار إسقاط نتنياهو، لكن ما الذي يجمع مكوناته فعلًا؟ ليس هناك مشروع سياسي متماسك ولا رؤية أيديولوجية متفق عليها، بل كثيرًا ما يبدو هذا المعسكر كأنه متفق على النفي أكثر من اتفاقه على رؤية جامعة. ولهذا نرى فيه أطيافًا متنافرة: من يسار صهيوني إلى وسط ليبرالي إلى يمين صهيوني لا يختلف مع نتنياهو في كثير من القضايا الجوهرية، بل يختلف معه في الأسلوب أو في شخصه فقط.
وهذا ما يفسر مثلًا كيف يمكن تقديم تحالف نفتالي بينت ويائير لبيد بوصفه “بشارة تغيير”، رغم أن بينت نفسه أكد أن هذا المعسكر سيعتمد فقط على “أحزاب صهيونية”، وأن الأحزاب العربية ليست ضمن حساباته. بل إن الاستطلاعات الأولى بعد هذا التحالف أظهرت أن معسكر المعارضة اليهودي لا يملك أغلبية من دون الأحزاب العربية، ما يعني أن العرب مطلوبون عددًا عند الحاجة، لكنهم غير مقبولين شركاء كاملين في السياسة.
ومن هنا نصل إلى أزمة أعمق: أزمة القيادة. فحين تدور السياسة كلها حول نتنياهو، فهذا لا يقول شيئًا عن نتنياهو وحده، بل يقول شيئًا عن المجتمع الإسرائيلي نفسه. هذا المجتمع، بكل أحزابه ونخبه، يبدو عاجزًا منذ سنوات عن إنتاج شخصية قيادية أو حزب مهني قادر على فرض معادلة جديدة. لا يوجد منافس يملك وزنًا تاريخيًا مستقلًا عن نتنياهو، ولا مشروع يتقدم على حسابه بوصفه رؤية متكاملة للمستقبل. لقد جعل نتنياهو، بدهائه السياسي، المعترك الانتخابي كله يدور حوله لعقود، حتى لم يعد مجرد لاعب في المعادلة، بل صار المعادلة نفسها.
أما نحن، أبناء الداخل، فالمصيبة أن بعض القوى والأحزاب العربية تقع هي أيضًا في هذا الفخ. نرى أحيانًا خطابًا انتخابيًا عربيًا يتبنى منطق “إسقاط نتنياهو” وكأنه المهمة الوطنية العليا. وهذه في الحقيقة رؤية قصيرة النظر. لأن السؤال البديهي هنا هو: إذا كان الهدف مجرد إسقاط نتنياهو، فلماذا الحاجة أصلًا إلى أحزاب عربية مستقلة؟ أليس الأجدى، وفق هذا المنطق نفسه، أن يذهب المواطن العربي مباشرة للتصويت لبينت أو للبيد أو لأي قوة يهودية تملك فرصة أكبر لإزاحته!؟
هذه هي النقطة التي يجب قولها بوضوح: تحويل السياسة العربية في الداخل إلى مجرد ذيل لمشروع “רק לא ביבי” (أيّ أحد إلا بيبي) هو تنازل مجاني عن الحد الأدنى من الوعي الوطني. لأن معركتنا ليست مع شخص نتنياهو وحده، بل مع بنية سياسية كاملة، ومع إجماع صهيوني واسع يتبدل في الوجوه لكنه ثابت في الجوهر. ولذلك فإن الوعي الوطني يقتضي ألّا نكون وقودًا مجانيًا في لعبة لا تغيّر جوهر المعادلة، بل تعيد تدويرها داخل البيت الصهيوني نفسه.