أخبار عاجلةمقالاتومضات

سيناريو غزة في جنوب لبنان.. منطقة عازلة بخط أصفر جديد

الإعلامي أحمد حازم

كافة التقارير الإعلامية والدبلوماسية تشير إلى أن إسرائيل تمارس في الجنوب اللبناني نهجًا هو نسخة طبق الأصل عمّا مارسته وتمارسه حتى الآن في غزة. يعني ذلك استنساخًا لسيناريو غزة في جنوب لبنان، من خلال إنشاء منطقة عازلة أطلقوا عليها “الخط الأصفر”، وهو خط أمني يشبه الحدود المفروضة على قطاع غزة، بحسب ما كشف عنه الجيش الإسرائيلي. وهذا يعني أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تتعامل مع الجنوب بوصفه نطاقًا أمنيًا دائمًا تريد ضبطه بقواعد ميدانية جديدة تفرضها بالقوة.

وتسعى إسرائيل لتثبيت الخط الأصفر كحدود أمنية جديدة عبر تدمير شامل للقرى، خاصة في القطاعات الغربية والوسطى والشرقية، من خلال عمليات برية تشمل تسوية بلدات بأكملها بالأرض، مماثلة لما شوهد في غزة، بما في ذلك جرف المباني والبنى التحتية، مما تسبب بتهجير مئات الآلاف من اللبنانيين، ومنع عودتهم إلى قراهم في المناطق الحدودية.

الخط الأصفر في الجنوب اللبناني يُراد له أن يؤدي الدور نفسه الذي أدته خطوط العزل في غزة، من ضبط السكان وإغلاق المجال وتقييد العودة.

الكاتب والمحلل اللبناني قاسم قصير يحذر من “أن تثبيت الاحتلال الجزئي داخل الجنوب قد يفتح مرحلة طويلة من الاستنزاف، لأن السكان لن يقبلوا بعزل قراهم وتحويلها إلى منطقة محرّمة”. ويبدو أن إسرائيل تتبع استراتيجية قضم للأراضي تدريجيًا لفرض واقع ميداني جديد في الجنوب، وهذا ما دفع قناة “سي إن إن عربية” إلى القول إن هدف إسرائيل، وفقًا لمراقبين، ليس فقط منطقة عازلة مؤقتة، بل فرض حدود جديدة عبر تدمير وإفراغ قرى الجنوب اللبناني. وبهذا المسار، لا تبدو إسرائيل في طريقها إلى انسحاب، بل في طريقها إلى بناء شريط عزل جديد يمنع العودة، ويضغط على السكان، ويحوّل الجنوب اللبناني إلى ساحة استنزاف مفتوحة.

صحيفة “هآرتس” ذكرت أيضًا أن الجيش الإسرائيلي يعمل على إنشاء مواقع عسكرية إضافية في جنوب لبنان، مضاعفًا عددها، في نهج يشبه ما جرى في قطاع غزة. واستشهدت الصحيفة بقول قائد كتيبة في الجيش: “إن الهدف من إنشاء المنطقة العازلة هو أن يدور القتال دائمًا في أرض لبنان”، في إشارة إلى استراتيجية جديدة يسعى الجيش لتكريسها على الحدود اللبنانية.

المحلل اللبناني رياض قهوجي يرى أن “أي خط أمني تفرضه إسرائيل داخل أراضٍ لبنانية سيعني عمليًا إعادة إنتاج منطقة عازلة بقواعد اشتباك جديدة تمنح الجيش الإسرائيلي قدرة تدخل مستمرة”. هذا الرأي في غاية الأهمية، لأن الخط الأصفر لا يعني إجراءً مؤقتًا، بل بنية ميدانية قابلة للاستمرار والتوسع مع كل جولة توتر جديدة. وبهذا المعنى، كما يرى محللون، يصبح الاحتلال الجزئي وسيلة لإعادة هندسة الجغرافيا البشرية في الجنوب، لا مجرد انتشار عسكري عابر.

وحسب “مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية”، فإن أطماع إسرائيل في الجنوب اللبناني لها جذور تاريخية. ويرى باحثون أن رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق دافيد بن غوريون ووزير الأمن في حكومته موشيه دايان كانا من أشدّ المؤيدين لفكرة احتلال المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وضمّها إلى إسرائيل. ومن يقرأ مذكرات موشيه شاريت، رئيس وزراء إسرائيل عام 1950، يتبين له حجم الأطماع في جنوب نهر الليطاني. وبعد حرب عام 1967، وبرغم احتلال إسرائيل لأراضٍ عربية خلال الحرب، كرّر دايان رغبته في ضمّ جنوب نهر الليطاني، رغم حياد الدولة اللبنانية وعدم مشاركتها في تلك الحرب.

لكن ما العمل لإبعاد إسرائيل عن جنوب لبنان والمحافظة عليه؟ تعالوا نستمع إلى ما يقترحه المحلل السياسي الأمريكي توماس فريدمان في مقاله الأسبوعي في صحيفة “نيويورك تايمز”: “حان الوقت للضغط على إسرائيل للانسحاب الكامل من جنوب لبنان، والسماح لقوات ‘الناتو’ المدججة بالسلاح بالسيطرة على المنطقة، بالتعاون مع الجيش اللبناني وتحت سلطته الرمزية”. وما هو الهدف الذي يقصده فريدمان من وراء هذا الاقتراح؟ يعتقد فريدمان أن “بإمكان إسرائيل أن تثق بالناتو، ولن يجرؤ حزب الله وإيران على مواجهته، وفعلًا سيتعرضان لهزيمة ساحقة، وستشيد غالبية اللبنانيين، بمن فيهم الشيعة، بذلك، لأن إسرائيل ستخرج بالكامل من لبنان، وسيفقد ‘الحزب’ مبرره لمهاجمة إسرائيل”. ومن جهة ثانية، يعترف فريدمان بأن “هذا الحل قد لا يكون مثاليًا، لكنه أفضل من غزو إسرائيل للبنان مرارًا وتكرارًا، علاوة على اندلاع حرب أهلية لبنانية”.

وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فلا بد لي من سرد هذه الواقعة عن جنوب لبنان: أخبرني القيادي الفلسطيني الراحل شفيق الحوت، الذي كان سفيرًا لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت في ستينيات القرن الماضي، أنه زار ذات يوم في تلك الفترة الرئيس اللبناني فؤاد شهاب، فوجده مهمومًا. فسأله شفيق الحوت عن السبب، فأجابه الرئيس بحزن: “الجنوب يا شفيق… الجنوب سيضيع منا”.
صدق الرئيس اللبناني الراحل في تكهناته عن الجنوب، الذي يبدو أنه في طريقه إلى الضياع.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى