أخبار وتقاريردين ودنياومضات

ازرع الخير تحصد الطمأنينة

د. نواعم شبلي جبارين

في عالمٍ تتسارع فيه الخطى وتضطرب فيه القلوب بين ضجيج الحياة وتقلباتها، تبقى الطمأنينة مطلبًا إنسانيًا عميقًا يسعى إليه كل فرد، فهي ليست رفاهية عابرة، بل حالة روحية ونفسية تُعيد للإنسان توازنه وتمنحه القدرة على الاستمرار بثبات وثقة. غير أن كثيرين يبحثون عنها في مظاهر الحياة الخارجية، وينسون أن مفتاحها الحقيقي يكمن في الداخل، في فعلٍ بسيط عظيم الأثر: زرع الخير.

إن الخير ليس مجرد سلوك عابر أو تصرف ظرفي، بل هو منهج حياة متكامل، يبدأ من النية الصادقة، ويمتد ليشمل الكلمة الطيبة، والابتسامة الصافية، والموقف النبيل، والعطاء دون انتظار مقابل. فكل بذرة خير يزرعها الإنسان في محيطه، إنما يزرعها في أعماق نفسه أولًا، لتنمو وتثمر سكينة وراحة لا تُقدّر بثمن.

وحين يتأمل الإنسان في سنن الحياة، يدرك أن العطاء لا يضيع، وأن المعروف لا يُنسى، وأن ما يقدّمه من خير يعود إليه بأشكال متعددة، قد تكون في صورة راحة قلب، أو دعوة صادقة، أو تفريج كرب، أو حتى شعور داخلي عميق بالرضا. وهذه هي الطمأنينة الحقيقية التي لا تُشترى ولا تُفرض، بل تُكتسب بالسلوك والعمل الصالح.

لقد ربطت القيم الدينية والإنسانية بين فعل الخير وسكينة النفس، لأن الخير يُطهّر القلب من القلق والضغينة، ويُبعد الإنسان عن دائرة الأنانية والانغلاق، ليعيش في فضاء أوسع من الرحمة والتراحم. ومن هنا، فإن الإنسان الذي يُحسن إلى الآخرين، إنما يُحسن إلى نفسه قبل كل شيء، ويمنحها فرصة العيش بسلام داخلي عميق.

كما أن زرع الخير لا يقتصر على الأفعال الكبيرة، بل يشمل أدق التفاصيل اليومية التي قد يظنها البعض بسيطة، لكنها عند الله عظيمة، وعند الناس مؤثرة، وعند النفس مريحة. فكم من كلمة طيبة رفعت معنويات إنسان، وكم من موقف كريم غيّر مجرى حياة، وكم من عطاء صادق أزال همًا ثقيلًا عن قلبٍ مثقل.

وفي المقابل، فإن غياب الخير يترك فراغًا قاسيًا في النفس، ويُدخل الإنسان في دوامة من القلق والتوتر، لأن النفس البشرية مفطورة على حب العطاء والتواصل، فإذا حُرمت منهما، اضطربت وفقدت توازنها.

إن الطمأنينة ليست هروبًا من الواقع، بل هي قدرة على مواجهته بقلبٍ مطمئن، وروحٍ راضية، ونفسٍ متزنة، وهذا لا يتحقق إلا عندما يكون الإنسان مصدر خير لمن حوله، لا عبئًا عليهم، وعندما يجعل من حياته رسالة إيجابية تُنير الطريق للآخرين.

فلنزرع الخير في بيوتنا، في علاقاتنا، في أعمالنا، وفي كلماتنا، ولنوقن أن كل ما نزرعه اليوم، سنحصده غدًا طمأنينة وسعادة وسلامًا داخليًا. فالحياة، في جوهرها، ليست بما نأخذ، بل بما نعطي، وليست بما نملك، بل بما نزرع في قلوب الآخرين من أثر طيب لا يُمحى. ازرع الخير… تحصد الطمأنينة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى